رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
مـن وحـي الانتـفاضـة - قصة - الجزء الأخير

    لأن الأوضاع عادة تزداد سوءا بين لحظة وأخرى ، ناولتها خمسة وسبعين دينارا ، وقلت متلعثما :- هذه قيمة القسط المطلوب .

وبعد أن أكملت " أم سعد " عدها ودون أن يبدو عليها تشنج ، أو إثارة قالت : -  هذه خمسة وسبعون دينارا ، وليست مائة دينار .

- لقد خصمت ربع القيمة بناء على بيان القيادة الوطنية الموحدة .

- خذ مبلغك ومع السلامة ، عليك أن تدفع كامل المبلغ .

- إن إصرارك يا " أم سعد" على أخذ كامل المبلغ يجلب لك المتاعب ، لا بد أنك علمت أن الشباب طالبوا سكان الحي بمقاطعة " أبي نزار " ، وأن يتوقف المستأجرون عن الدفع نهائيا ؛ لأنه أصر على تسلم الأجرة  كاملة .

- أبلغ بك الحد يا  " أبو علي " أنك تهددني بالشباب ؟

- لا ، ليس هذا ما أرمي إليه ، من ناحيتي لا يصل الأمر إلى هذه الدرجة ، ولكنني أخشى أن تصطدمي مع مستأجر آخر .فيشيع أنك تتمردين على قرارات القيادة الموحدة للانتفاضة .

- لا  تقلق عليّ ، ودعك من هذه الأقاويل  .

- يا " أم سعد " أنا مستعد أن أدفع كامل المبلغ على أن تسمحي لي بتغيير موقع المجلى .

- لا مانع ، غير كما تشاء .

         لقد أوحت لي من نبرة حديثها أن لسان حالها يخاطبني أنه قرب الفرج للتخلص من الملاليم التي أدفعها ، رددت ذلك كثيرا على مسامعي كثيرا . غيّر كما تشاء . لقد أخبرني جاري " أبو جميل " أنها تودع آلاف الدنانير في البنك ، وأنها حازت على جائزة البنك وقيمتها عشرون ألف دينار . وبعد مدة تبين أن موضوع الجائزة ما هي إلا إشاعة أطلقها " أبو جميل " ليتحامل المستأجرون عليها ، ويزدادوا قناعة بجشعها ، وقاده إلى إطلاق هذه الإشاعة رفضها طلبه بتحويل المرحاض إلى إفرنجي ، قبل الانتفاضة حيث وضعت موافقة مشروطة بأن يزيد قيمة الأجرة لأن عمله هذا يعد من قبيل التغيير بمعالم المأجور ، وإذا لم يأخذ منها موافقة خطية فستجبره على إخلاء المأجور . إنها تعرف حكم القانون في هذه الأمور ؛ لذلك لم تتردد في الموافقة على طلبي ، إلا أنني لم أفسح المجال لخيالها أن يذهب بعيدا ، فقلت لها : -أريد منك موافقة خطية .

- أعطيك موافقتي إذا دفعت ضعف الأجرة الحالية .

- أعطيك خمسين دينارا زيادة .

- لا ، دعنا من هذا الموضوع ، يجب أن تدفع كامل الأجرة . 

- ولكنك خصمت لجاري " أبو جميل " وجاري " أبي خالد " . أراك تعلمت سياسة " الكيل بمكيالين " .

- " أبو جميل " و" أبو خالد " وأولادهما لم يدخل عليهم دينار واحد منذ عدة أشهر ، فالاحتلال منع العمال من العمل داخل الوطن السليب هناك عائلات كثيرة تضررت ، يجب أن نشعر بوضعهم الصعب ، وضعك أفضل بدرجات من وضع الكثيرين .

- " جميل " يقبض راتبه من البلدية ، حيث يقوم بقراءة عدادات الكهرباء في المنازل ، والبلدية تخصم للعاملين فيها نسبة مئوية من فاتورتي الماء والكهرباء مساعدة منها لهم .

- أعرف ذلك ، ولكن البلدية لم تدفع للعاملين رواتب منذ أربعة أشهر ، فلديها عجز مالي ؛ جراء عدم تسديد  الكثير من المواطنين لقيمة فواتير الماء والكهرباء المستحقة عليهم منذ بدء الانتفاضة .

- وسلطة الاحتلال تدفع للموظف نصف الراتب فقط .

- من يحصل على نصف الراتب يغنِّي في " عبه " ، ومع كل هذا فأنا مستعدة أن أخصم المبلغ على أن تعطيه لعائلة مستورة .

         لقد تملكتني الدهشة عندما سمعت اقتراحها ، لم أصدق ما سمعته ، هذه المرأة الحريصة على أخذ كل فلس ، يخرج من فمها هذا الكلام ، كنت أعتقد أن حبها للمال قد أفقدها الشعور بالشفقة والعطف على الآخرين ، وقررت أن أدفع لها بقية الأجرة . لقد كان هذا آخر لقاء جمعني بها ، وقعت " أم سعد " شهيدة ، أثناء عودتها إلى بيتها بعد تقديم العزاء لإحدى الأسر بشهيدها ، أطلق جنود الاحتلال النار على السيارة العمومية التي تقلها ، وأعلن الناطق بلسان جيش الاحتلال أن السائق لم يمتثل لأمر الدورية العسكرية بالتوقف رغم الطلقات التحذيرية له ، وأفاد السكان القريبون من منطقة الحادث أنه تم إطلاق النار على السيارة العمومية عندما تجاوزت سيارة دورية جنود الاحتلال في الشارع الرئيس في المدينة ، فاستشهد السائق واستشهدت " أم سعد " . وخرجت المدينة تشيع الشهيد والشهيدة ، ولم يسلم المشيعون من القنابل المسيلة للدموع والرصاص يدوي فوق رؤوسهم أثناء دفن الشهيدين . وفي أثناء واجب تقديم العزاء سمعت أنها كانت تنفق على العديد من الأسر المستورة ، وتقدم يد العون لأسر الشهداء ، كما أنني تذكرت مساعدتها لجارنا " أبي حسين " حيث دفعت عنه مصاريف المستشفى كافة ؛ نظرا لسوء حالته المادية . وسمعت أنه جاء في وصيتها أن تكون إحدى العمارات الثلاث من نصيب ابنتها المتزوجة ، وريثتها الوحيدة ، وأن ينفق ريع العمارتين الأخريين على تعليم المحتاجين من الطلبة الجامعيين .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز