رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
مـن وحـي الانتـفاضـة - قصة ج 3

     وإذا كان هذا الأمر لا يعجبني فعليَّ أن أفتش عن بيت آخر أسكن فيه . أو أكلف محاميا يرفع قضية عليها أمام المحكمة لمخالفتها لما جاء في العقد . وبلعت ريقي ، وقبلت على مضض ، والذي أجبرني على قبول ذلك أن استئجار شقة بالمواصفات نفسها سيكلفني ضعف الأجرة الحالية إن لم يكن أكثر ، وتكليف المحامي يتطلب مبالغ كثيرة ، وآثرت أن أنسى الموضوع ، فأنا في غنى عن دفع مبالغ جديدة وقد اتخذت قرارا بتعليم أبنائي في الجامعة ، لا أريد أن أحرمهم من التعليم كما حرم جارنا "  أبو خالد " الذي يسكن الطابق الأرضي أبناءه من الدراسة في الجامعة ، لم اقتنع وقتها من التبريرات التي ساقها لي بينما كنا معا نعود جارنا " أبا جميل " الذي يسكن الطابق العلوي فقد تم إحضار الطبيب له ، وشخص الطبيب حالته بأنه أصيب بنزلة حادة جراء تعرضه لتيار بارد . لا يمكن أن أنسى الحجج التي أدلى بها " أبو خالد " ومنها أن علاماتهم في المدرسة متوسطة ، والجامعة مصروفاتها كثيرة ، والعمل متوفر لمن لا يحمل شهادات جامعية ، وأجرة العامل مرتفعة . كان أبو خالد مسترسلا في حديثه كأنه يحفظه عن ظهر قلب لا يقطعه سوى أنين " أبي جميل " الذي يصدره بين الفينة والفينة ، يتحدث غير آبه براحة هذا المريض الذي نعوده ، ومع هذا لم يكتف بما قال ، وما حزّ في نفسي أنني رأيته يغمز جارنا " أبا جميل " والذي هو في حالة يرثى لها ، لينظر نحوي ليسألني عن مقدار راتبي ، ولم يعطني المجال للإجابة عن استفساره ، مع أنني لا أنوي أن أجيبه ، ويستمر في حديثه ويقول أن ابنه " خالد " يعمل في البلاط ، يناول معلمه بلاط وطين ويأخذ ثلاثة أضعاف راتبي ، وابنه " ماجد " يعمل مع "طوبرجي" يعشب الخشب حيث ينزع المسامير من ألواح الخشب بعد فك الطوبار ، ويناوله مسامير وخشب ، وفي مرات كثيرة يعتمد عليه معلمه فيسمح له بدق المسامير ، دخله الشهري ضعف راتبي ، وابنه الثالث " عاهد " علاماته عالية في المدرسة ، ويطلب منه أن يعلمه في الجامعة ، ولكنه سيعلمه النجارة في المركز المهني ، مرددا بزهو بلا جامعة بلا هم .

         مهما كانت المغريات التي أوردها " أبو خالد " لن أسير في دربه ، سأعلم أبنائي وبناتي في الجامعة مهما كلفني ذلك ، لن أعمل على ترسيخ الاحتلال ، ولن أتعس أيا من أبنائي ، أوقظه الساعة الثالثة ، أنها أحلى فترة النوم ، كم كنت وأنا في الثالثة عشرة من عمري أتضايق عندما كان والدي يوقظني وأخوتي في الفجر ؛ لنساعده في " إلتقاط " وجني البامية على الندى ، ومع هذا كنت أحك أصابعي حتى يكاد الدم ينزف منها ؛ بسبب قطف ثمار البامية ، يضع والدي ما جنيناه في سلة كبيرة ، نضع عصا في حافتها العلوية  فأمسك أنا بطرف العصا وأخي يمسك بطرفها الآخر ، نحث الخطا ؛ لنوصلها إلى " أبو زايد "  بائع الخضراوات في سوق المدينة ، وكان اتفاقه مع أبي أن تصل إليه البامية واللوبيا والفاصوليا قبل طلوع الشمس . كان أبي مزارعا مجدا ، لم نكن نعتقد أنه يتعب ، فالتعب والإرهاق من نصيبنا نحن فقط ، والنعاس وفرك العيون يلازمنا ، لم أره في حياتي يفرك عينيه ، كانت تجربة قاسية  ، لا أريد لأي من أولادي أن يصحو من عز نومه والنعاس يرقص فوق جفنيه ، وركبه لا تقوى على حمله ، يتلوى كالثعبان في سيره حتى يصل الحافلة التي تقف في ميدان المدينة ؛ ليرمي نفسه فوق مقعد الحافلة . لا  لا يمكن أن أزج بأبنائي في هذا المستنقع ، فما وضعته نصب عيني أن يحصل كل منهم على شهادة الدكتوراة ، وبهذا لن يساعدوا على إطالة عمر الاحتلال وترسيخه ، وسيحتلون مراكز مرموقه في المجتمع ، ولن يصحو أي منهم مع الفجر ، يفرك عينيه تنطلق به الحافلة ليعمل في قطف البرتقال أو في مصنع نسيج أو مصنع رب البندورة أو العصير ، سيكون له مكتبه الخاص به ، ويساهم في بناء وطنه ، يعيش أبيا محافظا على كرامته ، لا يخضع لعنجهية مدير المصنع وصلفه . لا يعنيني ما يفكر به " أبو خالد " ونظرته للدراسة في الجامعة ، يرى أن الغاية هي الحصول على المال دون اعتبار لمع من يعمل ولا لنوع العمل وما يجلبه من تعب وإرهاصات .

         وفعلا حصل ما توقعته ، نجح ابني " علي " في الثانوية العامة ، والتحق بالجامعة ، إلا أن الدراسة في المدارس والجامعات تعثرت بسبب الانتفاضة ، لم يكن الدوام منتظما ، وكثيرا ما كان يفرض منع التجوال على المدينة ، واستمر الأمر طويلا على هذه الحال ، فانعكس أثره على كافة المجالات من تعليمية واجتماعية ونفسية واقتصادية ، فلم يستطع العمال الوصول إلى مراكز العمل واجتياز الخط الأخضر ، وأصبح الوضع المادي لكثير من العمال صعبا ، وخسر ابنا " أبي خالد " عملهما ، ومع أن الاحتلال ضيق أيضا على الموظفين ، فصرف نصف الراتب الشهري الذي يستحقه كل منهم ، إلا أن وضعهم كان أفضل إلى حد ما من العمال لا أقول هذا شماتة بجاري " أبي خالد " انطلاقا من سؤاله عن راتبي يوم كنا نعود جارنا المريض " أبو جميل " ، ولم انس أنه في تلك الزيارة غمز " أبا جميل " ، ففهمت  أن راتبي لا يعبئ عينيه ، ولكنني أقول لو أنه علمهما في الجامعة لحصلا على وظيفة ما يستفيدان منها ، والمثل يقول " سيل جار خير من نهر منقطع " . وبناء على الوضع الاقتصادي الصعب للمواطنين أصدرت القيادة الوطنية الموحدة بيانا ، طالبت المؤجرين بخصم ربع القيمة التي يدفعها المستأجر . وقبل حلول موعد دفع الأجرة بيومين ذهبت إلى بيت " أم سعد " ترافقني زوجتي لندفع لها الأجرة ، وقد أضمرت شيئا ما في نفسي ، ومشينا على أقدامنا ؛ لأننا لم نجد سيارة نركبها لكثرة العجلات المشتعلة ، والمتاريس التي كدسها الشباب في الشوارع ؛ لإعاقة دوريات الاحتلال ؛ مما يمكنهم من النيل منها بالحجارة وزجاجات الملتوف . ورأيت ملامح الاستغراب على وجه " أم سعد " لمجيئنا في هذا الظرف ، فحرصتُ على ألا تطول الجلسة ، لأن الأوضاع عادة تزداد سوءا بين لحظة وأخرى ، ناولتها خمسة وسبعين دينارا ، وقلت متلعثما :







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز