د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
لن أودعك يا صديقي أوغو

شبّه المسرحي الإنجليزي الكبير وليام شيكسبير الحياة بمسرح، ورأى أن كل واحد منا يأتي إلى الحياة ليلعب دورا على خشبة هذا المسرح، ثم يذهب.

 عدد الأدوار على هذا المسرح، وأصنافها، وأوصافها لا حصر لها، بدءً من أدوار النبل، والصدق، والوفاء، والبطولة، والجرأة، والشهامة، والتضحية، وانتهاءً بأدوار النذالة والخسة والدناءة والجريمة. كل يلعب دورا، ويذهب، ونحن الآخرون، وإن كان كل منا يلعب هو الآخر دورا، ثم يذهب، لكننا نميل إلى نسيان هذه الحقيقة، ونظن أننا مجرد مشاهدين، والمشاهد يتفاعل مع لاعبي الأدوار النبيلة، وفي لحظة ما يغيب عن باله الفارق بين الدور ولاعبه، ومثلما يعجبنا الدور يعجبنا اللاعب، ويدخل في قلوبنا، ويعلق في شغافها.

 لا نعرف متى يظهر أصحاب الأدوار التي نعشقها. إنهم يظهرون على حين غرة بينما نحن نؤدي أدوارنا، فنلتفت إليهم، وننشغل بهم، وحين ينتهي دورهم نتنبه إلى أنفسنا، وتملأ الغصة قلوبنا لأن أدوارهم انتهت، وينسى الواحد منا أن بروز هؤلاء الأبطال في وقت نلعب فيه نحن أيضا أدوارا، ليس عبثا، ومصادفة، بل إنهم حين يجتذبوننا بأدوارهم، فإنهم يدعوننا إلى لعب الأدوار نفسها، ويعلموننا كيف نجيد لعب تلك الأدوار. نحن ننسى ذلك، ونأبى أن نصدق أن الدور انتهى، وأن صاحب الدور قد عاد من حيث أتى، كي يتيح مكانا لغيره على خشبة هذا المسرح العظيم، الحياة.

 أذكر يوما في طفولتي، قبل نصف قرن من الآن، تعرضت فيه لتجربة تركت أثرا لا يُمحى في نفسي. شاهدت عبدالكريم قاسم، زعيم العراق المحبوب، صديق الفقراء، رمز الوطنية والنزاهة، والوفاء للوطن، رأيته على شاشة التلفزيون جالسا على كرسي، وهو مقيد اليدين وراء ظهره، والدم يسيل من صدره إلى الأرض. لقد أعدموه! ذلك الكابوس رفضنا أن نصدق به، فلأشهر طويلة بقي الناس يكذبون ما شاهدوه على شاشة التلفزيون، ويتناقلون أخبار عبدالكريم قاسم الحي، فمرة رآه أحدهم، وهو يرعى الغنم، وطلب منه أن يوصل إلى الشعب خبرا بأنه سيعود، وأخرى رأوه في شارع هنا أو هناك، وأخرى قيل إنه اتصل بأحدهم من خارج العراق، وقال إنه سيعود خلال شهرين أو ثلاثة. هكذا هي مشاعر الناس تجاه أصحاب الأدوار النبيلة، لا نريد أن نصدق أنهم يذهبون. وهكذا كان الأمر مع جيفارا عام 1967، أصابتنا الخيبة، ونهش الإحباط في قلوبنا، ولم نصدق أن جيفارا مات، إذ كيف يمكن أن يموت هؤلاء؟ إنهم جاءوا ليلعبوا أدوارا تخطف أبصارنا ببريقها، وصفائها، ونبلها، فيملؤون حياتنا أملا، وحبا، فلا نريد لها أن تنتهي، ويصيبَنا الإحباط. ها هي القصة تتكرر مع أوغو شافيز. كيف يموت أوغو، ونحن ما زالت عيوننا ترنو إليه، وإلى ما يقول وما يفعل؟ لقد ملأ المسرح كله واجتذب الأنظار كلها، ونبضت القلوب بحبه، والإعجاب به.

 أوغو شافيز لم يأت على خشبة مسرح الحياة ليلعب دورا نبيلا واحدا، بل أدوارا نبيلة متعددة. أوغو جاء ليلعب دور المحب، الحب العابر للقارات، العابر للإثنيات، والقوميات، العابر للأديان، دور من يحب الناس، والخير، والعدل، والصداقة، بلا تمييز، ولا بلا حدود. إنه صديق الجميع، جميع الفقراء، والضعفاء، والمضطهدين. إنه صديق وفي، وصادق، ويُعتمد عليه.

 وأوغو جاء ليلعب دور الإنسان الجريء والشجاع، الإنسان الذي يقول للطغاة في عز طغيانهم إنه يتحداهم. لن ننسى نحن العراقيّون، أن أوغو كان الوحيد الذي الذي تجرأ على كسر الحصار على العراق في زمن كان فيه أدعياء القومية العربية، والإسلام، والوطنية يرتعدون فَرَقا من التحدث عن كسر الحصار، ناهيك عن أن زعماء العرب كانوا يعملون كل ما في وسعهم لإضفاء الشرعية على الحرب والحصار علينا منذ عام 1990 عبر جامعتهم المسخرة. أوغو زار بغداد في عز الحصار .. متحديا الإمبريالية الأمريكية التي تبعد عن بلده فرسخا واحدا. كان أوغو الرجل الذي توجهه العناية الإلهية ليكون جريئا، وشجاعا، وجسورا، في زمن أصبحت فيه أمريكا القوة العظمى الوحيدة في العالم، وانحنت لها رؤوس زعماء وملوك العرب قبل غيرهم. كان دور أوغو على مسرح الحياة أن يعلمنا تحدي الطغيان مهما إستشرس وبغى. أوغو تجرأ وسمى جورج بوش بإسمه الذي يستحق "القرد" و"الحمار"، بينما كان العرب يهدون إليه سيوفا وخناجر تقديرا لقتله العراقيين.

 وأوغو جاء ليلعب دور الأخ الأكبر الذي يجمع شمل الإخوة. جاء ليعلمنا أنه لا يكفي الإنسان أن يكون وطنيا يناضل من أجل شعبه، وحقوق شعبه، وينسى جيرانه الأقربين والأبعدين، فقد ناضل أوغو من أجل جمع شمل كل شعوب وبلدان أمريكا اللاتينية، بما فيها تلك البلدان التي كانت حتى الأمس القريب يمكن أن تشن بعضها على بعض الحروب بسبب مباراة في كرة القدم. أوغو رأى قوة شعبه، وكل شعب، في أن يكون متحدا مع من حوله من الشعوب التي تكافح في سبيل حريتها، ومستقبلها.

 لن أودعك يا صديق الجميع يا أوغو، فالمسرح الذي التقيناك فيه، وخطفتَ أبصارنا على خشبته بنبل أدوارك ليس للأجساد والأسماء، بل إنه مكان للأدوار، والذين سيأتون بعدك، ليلعبوا أدوارا كأدوارك سيذكروننا بك دائما .. ستبقى معنا، ومع كل الأجيال القادمة، وستبقى روحك السامية تشع حبا، وجرأة، وشجاعة، وتحديا، وتدعونا إلى الكفاح من أجل الإنسان .. وإلى حب الإنسان حبا عابرا للقارات، وعابرا للقوميات، وعابرا للأديان.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز