رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
مـن وحـي الانتـفاضـة -2

     كثيرا ما سمعها الجيران تقول لزوجها أن يتقي الله ويبتعد عن الأذى والحرام . وبعد ساعة عاد " أبو مسعود " من المستشفى بعد إسعافه ، وتدخل أولاد الحلال وبعد أخذ ورد تم الاتفاق بأن أدفع مصاريف الإسعاف وإصلاح المنافع ، وأن أعتذر له وأبوس رأسه أمام الجميع . كان الحق لي ، لكن ابني تهور فضربه ، كل الجيران قالوا الحق عليه ، ويستحق ما جرى له وأكثر ، هذا ليس إنسانا ، كيف تطاوعه نفسه ليؤذي جاره ؟ ويسد المنهل لتفيض المجاري في بيته . ولكن في آخر المطاف انقلبت الأمور وصرنا نبوس أيدي ورؤوس " للصلح . 

وهنا تنهدت " أم علي " وقالت ساخطة : قرف يقرفه ، استخدمت في شطف البيت كل أنواع مساحيق التنظيف والمواد ذات الرائحة الطيبة للتخلص من الرائحة النتنة التي سببها لنا ، هد حيلي ، يهد حيله أينما ذهب وأينما حل .

- أشكر الله ، خلصنا منه . نار " أم سعد " ولا جنة " أبو مسعود " .

- متى ربنا يتوب علينا من دور الإيجار ، يا " أبو علي " . سمعت أنهم يبيعون الشقق بالتقسيط .

- أنت تعرفين نصرف على الغذاء والكساء الكثير ، فلا نوفر إلا القليل ، بعد سنتين سيحصل " علي " على الثانوية العامة ، وسيكون إن شاء الله معدله عاليا ، ليقبل في الجامعة  .

- وبقية الأولاد عندك ثلاث بنات وولدان ، لا تستطيع أن تعلمهم .

- تعليم أبنائي أهم من المأكل والملبس ، لا بد أن أعلمهم .                                                        

- الجامعة غالية ، ومصاريفها عالية يا " أبو علي " ، أقساط ، وثمن كتب ، ومواصلات ، ومصروف جيب .

- ما  قصدك ؟ تريدين أن يقول الناس أنني تعلمت بالجامعة ولم أعلم أولادي  مستحيل ،  ومن أجل ذلك لا بد من شد الأحزمة على البطون ، وترشيد الاستهلاك ، وأن تخففي من طلباتك .

- أين طلباتي يا حسرة ، كلها أغراض ضرورية للبيت ، هل تراني أشتري الأشياء وأرسلها من وراء ظهرك لأهلي يا رجل ؟  " حفي " لساني ، فمنذ شهرين وأنا أطلب منك شراء فستان لزيارة أهلي ، لم أرهم منذ سنتين .

- هيه !عدنا للموضوع إياه ، عجبا ! هل كل من تزور أهلها تشتري فستانا جديدا ؟ والزيارة يلزمها هدايا وأجرة مواصلات ، دائما أختلف معك في هذه الأمور ، يجب أن نعلم الأولاد .

- والبنات أتريد أن تعلمهن ؟ رأيي أن الزواج أفضل لهن .

- الشهادة بيد البنت سلاح ، تواجه بها صعوبات الحياة ، تحمي نفسها من أن تحتاج غيرها ، وتكون خير معين لزوجها ، تساعده إذا ضاقت السبل أمامه ، تعينه على تنشئة أبنائها .

          ما تحدثت به " أم علي " ردني إلى الواقع ، من أين لي المال حتى أعلمهم جميعا ؟ الحمل ثقيل ، لا  لن أحيد عن هدفي ، راتبي جيد ، لا ينقصني سوى محاولة تقنين المصروف ، لقد أستطعت أن أوفر من راتبي قبل أن أضع في الحسبان تعليم الأولاد ، وفرت مبلغا ليس قليلا يكفي لتعليم " علي "  في الجامعة ، فالمشكلة ليست في تعليم " علي " بل في تعليم بقية الأولاد ، والحل الوحيد أن أوفر أكثر ، لا مجال لعمل آخر ، يجب أن أبذل المستحيل لتعليم أبنائي ، يجب أن أوفر قدر المستطاع ، لقد بذل والدي المستحيل حتى أتعلم مع أن حالته المادية لم تكن جيدة ، وحصلت على شهادة عالية ، وإذا كان أبي حريصا على تعليم أبنائه فيجدر بي أن أحرص مثله على تعليم أبنائي . ولا يتم هذا إلا بالسير في درب التوفير . استحوذ التقشف على تفكيري كلما وجدت نفسي غير مشغول بأمر آخر ، أبحث عن الأشياء التي ستخضع لسياسة التقشف ، لا عجب إن قلت أن هذا الأمر شغلني عن عد الدرجات فلا أخرج من هذه الحالة إلا عندما يضغط  إصبعي على جرس الباب . لقد بلغ الأمر بي في يوم من الأيام أنني افتقدت سماع صوت " أم سعد " الرجولي ، ويا غريب الصدف لقد فوجئت بها تقف أمامي بوجهها الخالي من التجاعيد مما ينبئ أنها كان ذات مسحة من جمال ، لكن جلبابها الأزرق الفضفاض الذي يصل إلى كعبيها  والذي تنتشر التجاعيد في جميع أركانه مما يدل على أن المكواة لم تلامسه في يوم من الأيام ، فكان عدم اهتمامها بأناقتها يفقدها  بعضا من أنوثتها إن كانت تملك مثل هذا البعض ، لقد مرت سنوات وسنوات ولم أرها ترتدي إلا أحد جلبابين الأزرق هذا والرمادي . لِمَ تبخل على نفسها ؟ لمن تكدس هذه الأموال ؟ إنّ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده . ستحاسب يوم القيامة على كنز هذه الأموال ، لكنني أعرفها امرأة متدينة ، لقد أدت الصلاة عدة مرات في البيت عندي ، حيث كان يدركها الأذان ، وكانت تردد دائما " الصلاة على وقتها ". وبصوت هادئ وجهت حديثها لي وقالت : متى ستدهن شبابيك الغرف الخشبية وشبابيك البرندة الحديدية ؟ لقد لفتُّ انتباه زوجتك إلى ذلك ، سينخر السوس الخشب ، وسيأكل الصدأ الحديد ، وهذا سيكلفك غاليا ، فعليك أن تسلم كما تسلمت .

- أنا أدرك ما تقصدين ، قريبا سأتفرغ للأمر . أما ما يتعلق بدهان الغرف وطراشتها فسأخصم التكاليف من الأجرة .

- بأي حق تقوم بذلك على حسابي ؟ أتصدق أنك تدفع أجرة ؟ أتعتبر هذه الكمشة من الدنانير أجرة ؟                              

- ثلاثمائة دينار ، أليست أجرة ؟ والعادة أن يقوم المؤجر بالطراشة والدهان قبل أن يسكن المستأجر ، ولم تفعلي ذلك .

- لقد تم دهنها وطراشتها قبل أن تسكن فيها بعام واحد .

- لا ، لن أقوم بالدهان أو الطراشة .

- أنت حر ، لا تريد أن تعطي الشقة منظرا مقبولا ، وستكون موضع انتقاد من يزورك ، فأولادك ملؤوا الحيطان كتابة .

         قالت هذه العبارة وأدارت ظهرها المنحني قليلا ، وكأنّ الهموم أثقلته بعد وفاة " أبو سعد " ، وحمدت الله أنها خرجت ، لأنه لو استمر جدالها لفقدت أعصابي . فعندما استأجرت منها قبل خمس عشرة سنة طلبت مني مائة دينار زيادة عما كان يدفعه المستأجر السابق ، كانت الأجرة التي طلبتها مني عالية في حينه ، لا أنكر أنني ساومتها وألححت عليها ، لكنها أصرت على طلبها ، وكل ما استطعت الحصول عليه منها أن تلتزم بدفع ضريبة المعارف والنفايات المستحقة عن الشقة للبلدية ، وسجل هذا الالتزام شرطا من شروط العقد ، ولكنها تنصلت منه بعد خمس سنوات ، مدعية أنه شرط باطل لأنه يتم تحصيل المبلغ للبلدية من المستأجر ، وإذا كان هذا الأمر لا يعجبني فعليَّ أن أفتش عن