نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
ماذا بعد الرقة؟

كل ذاك الكلام المنمق والظريف، والابتسامات الدبلوماسية، والتصريحات الصحفية، والزيارات المكوكية، والتسريبات الإعلامية عن حلول سلمية، فيما يتعلق بالأزمة السورية، لم تكن إلا اضغاث أحلام، وقراءات مسلوقة تنقصها الدقة والحصافة والتبصر، في النظر للعدوان الأممي على سوريا، وإن استمرّ "أصدقاء" سوريا الحقيقيون، على سياستهم الحالية، من التريث والانتظار ومتابعة مشاهد الموت والخراب، فينبغي عليهم الاستعداد، والحال، لتقبل أسوأ الأخبار. فلقد أصبح من الواضح تماماً أن آلة الإثم والعدوان ماضية في سيناريو تدمير سوريا حتى النهاية. فطالما أن الولايات المتحدة لا تنفق دولاراً واحداً، ولا تخسر جندياً واحداً في ميادين القتال، فما المانع، وما الرادع الأخلاقي، بل ما هي الخسارة التي ستتكبدها في حال استمرار الصراع إلى ما لا نهاية.

 ويقتضي هذا السيناريو، كما هو ملاحظ، التنقل من مدينة سورية إلى أخرى، وبنفس الأدوات، والإخراج، عبر إدخال آلاف من المرتزقة المسلحين الأجانب "الثوار"، إلى هذه المدينة أو تلك، وإعمال الخراب والقتل والفتك فيها، ولا يهم بعدها ما يحصل، سواء تم ردعهم، وطردهم، أو ذهبوا في ستين داهية، أم لا، فالغاية قد تحققت وهي تدمير ما يمكن تدميره من البنية التحية والاقتصادية والسكانية للشعب السوري، وإضافة مساحات جديدة إلى جغرافية الفوضى والتآكل، وضرب مرتكزات الصمود وأسباب البقاء، رويداً رويداً. وهذا القضم المتدرج للمدن والبلدات السورية الواحدة بعد الأخرى، ليس عبثياً، ولا مجرد مصادفات ثورية، بل هو تكتيك فوضوي مدروس، تماماً، ومشغول عليه، لأنه في النهاية، سيؤدي إلى دمار البلد نهائياً، وتحوله إلى كومة من الركام و"العظام". لقد أصبح أصدقاء وحلفاء سوريا "الحقيقيون"، والحال، في وضع حرج، وربما "المتهم" على الأقل، وبشكل ما، وهم في وضع المتابعة الكسلى، لما يجري من قتل وخراب ودمار دون أن يحركوا ساكناً، فيما ينشط الطرف المعتدي الآخر ويتحشد ويزج بكل ما لديه من إمكانيات وطاقات أجل تحقيق أهدافه وغاياته الشريرة.

وطبعاً، مع عدم إنكار ما قدمه أولئك الأصدقاء والحلفاء، حتى اللحظة، من دعم مادي، ومساعدات لوجستية، وإسناد دبلوماسي ومعنوي، ولكن هذا لا يكفي، على ما نعتقد، ولا يبدو أنه بهذه الآليات سيكون مجدياً في وقف مسلسل التآكل والانهيار، أو ردع أدوات الإعلان. وبات الخروج من هذه الدارة المغلقة، أمراً ضروريا قبل حدوث ما لا يحمد عقباه، وسوريا، كما يبدو في جانب من الصراع، تخوض معاركهم، وبالنيابة عنهم، وربما من أجلهم ومن أجل مصالحهم الاستراتيجية والقومية الكبرى. من حمص، إلى إدلب، إلى حلب، إلى ريف دمشق، والحسكة والقامشلي، وحماه، وقبل ذلك كله درعا، وآلة البغي والإثم والضلال والعدوان والإجرام تحصد أمامها كل ما تجده أمامها، واليوم، وأخيراً وليس آخراً، وبنفس سيناريو الخسة، والغدر، والإجرام، والعار، يصل قطار الموت والدمار إلى مدينة الرقة الوادعة الجميلة، لتعاد نفس السيرة، وعلى نفس الشاكلة والمنوال.

 والسؤال الذي يحز في النفس، ما الذي تبقى، أو سيتبقى من سوريا في حال استمر إعادة استنساخ السيناريو في غير مكان؟ بل بات السؤال الأكثر إلحاحاً ما هو الهدف التالي، وأين، ومتى، وأية مدينة سيقصدها قطار الموت والدمار "الثوري"؟ وهنا، لا ننكر، البتة، الدور البطولي الوطني الفذ والرائع الخارق للجيش الوطني السوري، ولا يمكن إغفال ما بـُذل من جهود، وما سـُطـّر من ملاحم خالدة ستبقى على مر الأيام أمثولة على أعظم ما يكون عليه الفداء وحب الوطن والتضحية من أجله، ومن أجل ترابه الحر الغالي العزيز. غير أن نوايا الشرّ المضمرة، وعدم إبداء أية رغبة في التراجع من جانب أطراف العدوان، أو اتخاذ أية خطوات جادة وعملية لوقف التمويل والتسليح وتسهيل مرور الإرهابيين، يضاف إلى ذلك تصريحات كيري العدوانية المتغطرسة، وتأكيده على العسكرة والدعم واستمرار التسليح، وزياراته الرمزية لعواصم الإفك والإثم والضلال والعدوان، وسلوك الاتحاد الأوروبي المريب والمعيب، وتكالب وسعار أعراب الردة على سوريا وإعلانهم الصريح عن الرغبة بدمار وإدامة القتل والخراب فيها، كلها أمور لا تشي، ولا تؤشر بأن هناك رغبة أو نية صادقة بالتوقف، أو التراجع، أو تحولات جذرية وعميقة في المواقف

 وطالما أن كل تلك الأطراف لا تخسر شيئاً، فلديها فائض هائل وخرافي من الأموال لتمويل حروب عالمية، وهناك فائض، أيضاً، لا بأس به من "الأغبياء" للزج بهم في معارك مدى الحياة. ألم يقل أحدهم بأنه على استعداد لدفع 200 مليار دولار لإسقاط الدولة والنظام في سوريا، وتمويل حرب المائة عام ضدها؟ لا تبدو هناك، في الحقيقة، أية مؤشرات لصفقة مزعومة، ولا تلوح في اأفق المشهد أية بوادر لحلول سلمية، وكل هذا لم يعد يكفي أو يجدي، ولقد بات مطلوباً، والحال، من سوريا، وأصدقائها، إحداث تحول نوعي وجذري في إدارة الصراع، وتحويل مجرياته، وطرح أوراق أخرى، وفتح قنوات، والزج بأسلحة وتكتيكات جديدة غير تلك التي استخدمت حتى الآن، والتي يبدو أنهم لم تفلح في لجم آلة الموت والخراب والدمار.

 وما قبل الرقة، لا يجب أن يكون كما كان قبلها، بأية حال من الأحوال. --







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز