رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
مـن وحـي الانتـفاضـة -1

         في كل يوم أثناء عودتي للبيت كنت أعد الدرجات الموصلة للبيت الذي استأجرته ، إنه بيت متواضع يتربع على سفح الجبل الشرقي ، ويتكون  من غرفتين وصالة ومنافع صغيرة ، وقد قام على بيت مكون من غرفتين واسعتين وحمام ومرحاض ، ويعد الطابق الأوسط من بناية مكونة من ثلاثة طوابق ويمر أمام هذه الطوابق الثلاثة درج أنشأته البلدية ليصل ما بين الشارع الممتد من أسفل الجبل إلى الشارع الممتد في السفح الأوسط من الجبل . ويلتصق بالمنزل من الجهة الشمالية مبنيان ، لذلك كانت تزوره الشمس باستحياء ما بين الظهر والعصر حيث تختفي وراء الجبل المقابل .

 

         عندما صعدت هذه الدرجات أول مرة لألقي نظرة عليه ، لقد عددتها فكانت مائة وسبع عشرة درجة ، كان عددها أقل من البيت الذي سكنته سابقا ، والذي يقع مواجها له على سفح الجبل الغربي بمائة وعشرين درجة تقريبا ، كانت فرحتي كبيرة مع أنّني استأجرت البيت الجديد بثلاثمائة دينار بزيادة مائة دينار عن البيت السابق ، لقد حفظت عدد درجاته  المائة والسبع عشرة غيبا ، أعرف طبيعة كل درجة ، ولكن لماذا أعدها في كل صعود ؟ هل أسلي نفسي ، أم أخفف من المعاناة التي ألاقيها من صعودي لهذا الكم من الدرجات ؟ منطلقا من قول الرجل للمرافق له في رحلته " أتحملني أم أحملك " كما جاء في قصة " وافق شن طبقة " .

 

         وفي يوم من الأيام بينما كنت عائدا في الظهيرة إلى البيت والشمس تلسع وجهي بحرارتها اللافحة أرفع قدمي بكسل فوق هذه الدرجات الحادة ، وصلت في العد إلى الدرجة الخامسة والتسعين فإذا بصوت مألوف يهز مسمعي إنه صوت " أم سعد " الأرملة التي ورثت عن زوجها ثلاث عمارات أصغرها العمارة التي أسكن فيها ، وما أن اجتزت عتبة البيت حتى أطلقت لحنجرتها العنان قائلة :

- يا جار دخل رمضان ، ومضى أسبوع على موعد القسط الثالث من الأجرة المستحقة عليك .

 قالت هذه الكلمات جاهدة أن يكون صوتها أنثويا دون جدوى .

- لا تؤاخذيني يا " أم سعد " نحن الموظفين لا نتعامل إلا بالأشهر الشمسية ، وعقود الإيجار تعتمد على الأشهر القمرية ، تفضلي هذه قيمة القسط الأخير لهذه السنة .

أخذت " أم سعد " الدنانير المائة ، وكانت تشكو دائما أن " نظرها على قدها " إلا أن هذه الشكوى تتبخر عندما تمسك الدنانير لتعدها ، أسمع صوتها يخرج من حنجرتها تملؤه النشوة والفرح ، وبلمح البصر تدخل المبلغ في الكيس المعلق برقبتها ، وتدسه في مكان أمين في صدرها ، وما هي إلا لحظات حتى تظهر عليها علامات النشاط والقوة تلك العلامات التي تظهر على ذات الثلاثين ربيعا ، كأن قلبها يستمد حيويته ونبضه ودفئه مما في هذا الكيس .

 

         غادرت " أم سعد "  البيت وتنفسنا جميعا الصعداء على أمل ألا ترينا وجهها إلا بعد أربعة أشهر عندما يحين موعد القسط الأول من السنة الهجرية الجديدة ، ولم تطل الفرحة فهذا صوتها الرجولي قد طغى على فرحتنا لقد عادت فجأة توجه حديثها لأم علي :

- لا تنسي أن تقولي لزوجك عن دهان الشبابيك والحيطان .                           

- أف يا " أبو علي " حال المؤجرين عجب ، يدسون أنوفهم في كل شيء ، كلما دخلت " أم سعد " " الله لا يسعد لها أمر " تطلق عينيها في أرجاء البيت تبحث عن أي شيء مهما كانت درجة أهميته لكي تصدر تحذيراتها وأوامرها بالمحافظة على البيت .

- تحملي يا زوجتي العزيزة ما في اليد حيلة .        

- إلى متى نبقى على هذه الحال نسمع كلامها الذي يسم البدن .  

- قلت لك تحملي " أم سعد " جَنَّة بالنسبة للمؤجرين الآخرين ، أنسيت ما عمله فينا " أبو مسعود " .

- لا تذكرني به ، طول عمره مخزي ، وأعماله مخزية .

- أول أسبوع من سكننا عنده ، التقيت به في الشارع ، صافحني ، وبلسانه الملس وقلبه النجس قال :

- يا جار أحب أن أشرب عندك فنجان قهوة بعد العصر .

- حكيت لي القصة يا " أبز علي "، يومها قال لك يا جار أنت لا تحب الأذى لي ، منافعك يسح ماؤها علي ، يجب أن تقوم بإصلاحها

- لكنني أجبته بحزم فقلت له :

- اتق الله . هذا يعني أن المنافع خربه قبل أن أسكن في المنزل .

- وأنت يا " أبو علي " وقعت على العقد أن كل شيء في البيت صالح ، وأقترح عليك أن ندفع التكاليف مناصفة .                            

- لا يمكن أن أدفع فلسا واحدا . 

- ورد علي ببرودة أعصاب أنت حر يا جار ، لقد عرضت عليك عرضا لا يعرضه أي مؤجر ، ولكن إذا خرجت من عندك دون اتفاق فلن أشارك في إصلاحها . 

                       

         غريب هذا الإنسان ، أليس في قلبه ذرة من مخافة الله ؟ كيف يسوغ لنفسه الحرام ؟ لا أعتقد أن المنافع كانت صالحة ، وأتوقع أنه أخذ من المستأجر السابق من المال ما يكفي لإصلاحها ، لا ، لقد تذكرت كان المستأجر يسكن الطابق السفلي " وأبو مسعود " يسكن الطابق العلوي الذي أجرني إياه ، وحسب ظني أن المستأجر ترك البيت لهذا السبب . هل من المعقول أن تنحدر أخلاق الإنسان إلى هذا المستوى ؟ أليس غريبا أن تصبح النقود هي كل شيء في الحياة ؟ نحن نعيش في مستنقع آسن ، في عالم فقدت منه القيم والأخلاق والمروءة ، أما كان حريا بي أن أسأل عنه ، وعن أخلاقه وتصرفاته ؟ فالمثل يقول : " فتش عن الجار قبل الدار " هذا المثل وغيره لا نتذكره إلا بعد فوات الأوان ، ولا نعرف قيمة أمثالنا إلا عندما " تقع الفأس بالرأس "  .

- أين شرد ذهنك يا أبو علي " .

- أتذكر كيف أصلحت المنافع من جيبي  ، بعد أن فاضت المجاري علينا في البيت ، وخرجت أعلمه بما جرى ، حسبته إنسانا يقدر الجيرة ويحافظ عليها . فرد علي بكل وقاحة وتعالِ :

- سددت منهل مجاريك الذي يمر من بيتي ، ولن يفتح إلا إذا أصلحت منافعك .

 

          وبعدها احتدمت المشادة بيننا ، وبدأ الجيران يسألون عما يجري ، وكلما حضر جار كنت أعيد له تصرف " أبو مسعود " السيئ ، كيف سد المنهل ؟ مما أدى إلى فيضان المجاري عندي في البيت . فتدافعوا إلى البيت للتحقق من روايتي ، فخرجوا يمسكون أنوفهم بأصابعهم من الرائحة الكريهة التي ملأت البيت . وبدأ الهرج والمرج ، واستنكر جميعهم سلوكه ، وتراوحت درجة الاستنكار ما بين هز الرأس وزم الشفاه والهمس بكلمات تثير الحمية وتشحن النفس ، والتحريض بتأديبه وضربه لإيقافه عند حده . فقام ابني علي – سامحه الله – بضرب " أبو مسعود " بعصا فشج رأسه فسال دمه يغطي الجهة اليسرى من صفحة وجهه ، أمسك أحد الجيران رأس " ابو مسعود " يصيح بأن الجرح بسيط ، ونقل " أبو مسعود " إلى المستشفى ، وقامت أم مسعود بنزع قطعة القماش التي تسد منهل المجاري ، غير آبهة بما جرى لزوجتها خصوصا بعد أن علمت أن  الجرح بسيط ، كانت جارة طيبة ، توزن بالذهب على النقيض من زوجها ، كثيرا ما سمعها الجيران تقول لزوجها أن يتقي الله ويبتعد عن الأذى والحر