د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
إنهم يكرهون الرجال والجَمال ج3

اتصل بي مواطن أمريكي من أصل عراقي، قدّم نفسه بإسم جون سميث، وسألني شاتما: كيف يسمح أستاذ جامعي لنفسه بالتصفيق والتهليل لبشار الأسد؟ وكيف يمكن أن يكون عميلا لإيران "الصفوية"، ورافضيا فوق ذلك، مَن كان إسمه "عمر"؟ وقد أجبت عن أسئلته في مقالين سابقين، وها أنا أجيب عن سؤاله الأخير عن "الرافضية".

 إن كنت أعشق بعد كتاب الله من كلام فإني أعشق أيضا هذا القول:

 "أدين بدين الحب أنّى توجّهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني"

 فأنا في علاقة لا تنفصم عراها مع كل أبناء آدم وحواء، وأحترم كلا في فكره، ودينه، وعقيدته، وثقافته. أما أن أكون "رافضيا"، فكم حرصت على أن أحافظ على مفرداتي الأصيلة في محاولتي فهم هذا العالم، وكم توخيت الإبتعاد عن أن يجبرني أحد على استخدام مفرداته المتخلفة التي عفا عليها الزمن، ولكن على ما يبدو فإن مفرداتي العلمية والتقدمية وضعت مؤقتا على الرفوف، وإن أردت إعادة الروح والفاعلية إليها فينبغي لي أن أقاتل من أجلها بمفردات الخصم.

 نحن أبناء الحاضر، وفي الحاضر ينبغي لنا أن نقدس الإنسان، والحياة، ونقدس حرمة الروح، وحرمة العقل، ودمعةُ طفلة تثير في نفسي أنا ما لا يثيره أي شيء آخر من رحمة، وعاطفة إنسانية، وحب للإنسان، صفويا كان أو عثمانيا، مسلما أو يهوديا، زنجيا أو أوروبيا، بوذيا أو هندوسيا، عربيا، أو كرديا، أو روسيا، أو من سكان الأسكيمو. الإنسان فوق كل الأديان، لأن من أوجد الأديان أوجدها من أجل الإنسان، وليس من أجل الخالق الذي لا تنفعه الطاعة ولا يضره العصيان. الدين له غاية، ألا وهي نشر المحبة، والإخاء، والحب، والعدل بين الناس، وليس هدف الدين قتل الأبرياء على أمل الإستمتاع بالحور العين. رسالة الدين حملها إلى البشرية خمسون ألف نبي، لا نعرف في أي قارة أنبتهم الله، وإلى أي دين دعا كل منهم في مكانه وزمانه، وتبعه الناس، ومن قال هذا القول الحكيم "الطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدد السالكين" رجل كان ينطق بلساننا. ما للناس، صار الواحد منهم يرى عقله وحده قادرا على إدراك الحقيقة، ويرى طريقه هي الطريق الوحيدة إلى الحقيقة، وما على الآخرين إلا إتباعه؟

 ثم أي الطرق تؤدي إلى الله، طريق إنسان مثل غاندي الذي كان يحمل روحا سامية، ولا يملك ضرا لكائن على الأرض حتى أنه يوم طعنه غادر بخنجره قال له وهو يحتضر "بارك الله فيك يا ولدي"؟ أم طريق ذلك الشيخ الإسلامي الهمجي الذي يدعو إلى قتل الناس (أبناء بلده)، وفرم لحومهم وإلقائها للكلاب! ويصدر الفتاوى حتى بقتل إنسان مسالم مثل ياسين بقوش؟ أنا، وغيري، وكل الناس، من حقنا أن نجد طريقنا بعقولنا، لا أن نتبع هذا أو ذاك مكرهين، وبالإرهاب.

 أنا لم أستخدم عبارة "الرافضة" ولم أفكر بمعناها إلا في ظل هذا الجدل الذي أثاره أباعر الجزيرة العربية حول الطوائف في الإسلام. ولم أر في يوم من الأيام إلا أن هذا التعبير يعود إلى التاريخ، والتاريخ، في نظري، زمن ميت، وإكرام الميّت في دفنه. لكني اكتشفت، حين عدت إلى القواميس لأعرف معنى "الرافضة"، أني في الواقع رافضي دون أن يكون لي علم بذلك. نعم، أنا رافضي، فأنا لا أعتقد أن الله وضعني على هذه الأرض لأوزع نيابة عنه "صكوك الرضوان" على من هبّ ودبّ. الله أعرف بمن يرضى عنه، وبالنسبة لي فإن القدوة في الإسلام هم محمد بن عبدالله وأهل بيته، وكل من دون ذلك هم أشخاص في تاريخ السياسة، لهم ما كسبوا، وعليهم ما اكتسبوا. نعم أنا "رافضي" بهذا المعنى، لكني لست شيعيا ولا سنيا - ولن أكون.

 لكني أرى أيضا أن كل من مات يستحق أن نترحم عليه، أو على الأقل أن لا نلعنه. وإن كنا نؤمن بالله واليوم الآخر فإننا سنشفق على كل إنسان من هول ذلك اليوم وشره المستطير، وأنه لا ينفع المرء فيه إلا حضوره بين يدي ربه بقلب سليم. وبهذا فإنه حتى حين ينفق بغل قطر، ويفطس تيس السعودية فإني، إن ذكرتهما، قد أترحم أو لا أترحم عليهما، لكني لن ألعنهما، فأنا أعرف يقينا أن الملائكة الغلاظ لديهم سجل كامل بآثامهما، وجرائمهما، وعندهم التعليمات الربانية للتعامل معهما، ولن يشفع لهما ترحم أحد، ولن تزيد عذابهما لعنات أحد. كم إنسانا بريئا قتل هؤلاء، وربنا العظيم يقول إن من قتل نفسا بغير حق كأنما قتل الناس جميعا؟ ألا يكفي هؤلاء عقاب من قتل الناس جميعا؟

 أيها الناس، من كان منكم يعيش التاريخ، فإن التاريخ قد مات، أما من كان يريد أن يعيش الحاضر فإن الحاضر ماثل للعيان. تعالوا نلقي نظرة على الحاضر لنرى إن كان بيننا "روافض" من جنس آخر، سينفعنا أن نفضحهم، ونرفضهم، بدلا من الإنشغال بالتاريخ الميت.

 أنا أزعم أن في الإسلام مجموعة موتورة، في عقولهم لوثة، وفي نفوسهم مرض، منبعهم صحراء جزيرة العرب. وهؤلاء يمارسون مذهبا رفضيا خطرا، لأنه لا يتعلق بأن تُتبع إسم أحدهم بـ (رض) أو لا تتبعه، بل إنه رفض وكره لكل ما هو جميل، ومن شأنه أن يحول الدين الإسلامي إلى دين نخبة ضالة لا يزيد عددهم عن بضعة آلاف من القتلة ممن يعتبرون أنفسهم "شعب الله المختار". هذه النخبة ترفض سبعة عناصر أساسية في الوجود الجميل:

 أولا) إنهم يرفضون العقل. الله ميز الإنسان عن غيره من مخلوقاته بجمال العقل والإرادة، وهؤلاء عندهم حساسية مفرطة تجاه العقل، ويرفضونه بكل ما أوتوا من قوة. كلما حدثتهم في شأن هربوا إلى ما قاله فلان، وما قيل عن فلان. طيب، أولئك الذين قالوا، قالوا ما قالوا لأنهم استخدموا عقولهم، فأنتجوا الحكمة. فهل قال الله في أي مكان في كتبه إن الأولين فقط يحق لهم استخدام عقولهم، وعلى الآخرين أن يضعوا عقولهم في المجمدات، ويستمعوا إلى ما قال الأولون وحسب؟ حاشى لله أن يكون قد قال ذلك. انظروا في الكتاب المجيد لتروا أن الله لا يدعونا إلى شيء مثل دعوته لنا إلى إعمال عقولنا. هؤلاء يرفضون العقل، ويكرهون الجمال.

 ثانيا) هؤلاء يرفضون معظم القرآن الكريم، فينتقون منه آيات الجهاد منفصلة عن سياقاتها، وهم منشغلون بنشر الكراهية والبغضاء والجريمة بين الناس بإسم الإسلام، ويتجاهلون مئات الآيات مما هي أم الكتاب تدعو الناس، دون التقيد بسياقات معينة، إلى المحبة والتسامح والتآخي، وإلى كل ما هو جميل. إنهم يرفضون حكم القرآن، ويكرهون الجمال.

 ثالثا) هؤلاء يرفضون العلم، والأدب، والفن، والأخلاق (لا أشير إلى أكثر من فعلتهم بتماثيل العلماء، والأدباء والفنانين في سورية ومصر في هذه الأيام)، وقتلهم الفنانين في سورية، وآخرهم المرحوم ياسين بقوش. ثم، ألا يقول لهم رب العرش العظيم {جادلهم بالتي هي أحسن}؟ ألا يقول الرسول، الذي كان على خلق عظيم، ليس المسلم بلعّان، ولا طعّان، ولا فاحشٍ ولا بذيء؟ حاول أيها العربي أن تفتح فاك وتقول ما لا يعجبهم، فلن تسمع منهم حجة في الجدال، بل السب والشتيمة وبذاءة اللسان، ولن ترى منهم إلا سوء الخلق. إنهم يكرهون الأخلاق والجمال.

 رابعا) إنهم يرفضون نصف البشرية، المرأة. هذا هو الضلال بعينه، فالمرأة في الحقيقة هي عين الدين. دعنا عن أنها أمّنا، وأختنا، والزوجة، والبنت، إنما هي مانحة الحياة، وبهذا فإنها هي الدين الحق، على عكس الرجل تماما، والذي هو نقيض الحياة، ونقيض الدين. احسبوا منذ آدم وإلى اليوم، كم إنسانا منحته المرأة الحياة على هذه الأرض، واحسبوا كم روحا أزهق الرجل بغير وجه حق! أول قاتل على الأرض كان رجلا، والقتلة الآن هم رجال، وسيكون آخر قاتل على الأرض رجلا أيضا.

 لقد بعث الله خمسين ألف نبي، ليس بينهم إمرأة واحدة، وأغلبهم أرسلوا إلى أقوام في منطقتنا، لماذا؟ لأن من يحتاج إلى الإصلاح هو الرجل من أمثالهم، فلا بد أن يتكلم معه من يعرف لسانه، بينما المرأة لا تحتاج إلى إصلاح فهي تؤدي دورها الذي أراد الله على أتم وجه. وانظروا في كتاب الله المجيد، وسترون أن كل آيات الترهيب والترغيب فيه موجهة إلى الرجل، لماذا؟ لأن الرجل لا يستقيم أمره بلا تهديد أو إغراء بالجنة والحور العين. ومع هذا، فليس هناك مفسدة على الأرض إلا مصدرها، ومنشؤها، وأصلها، وسببها غباء الرجل، وغلظة أخلاقه، خاصة حين يدعي التدين، ويقبض من السعودية وقطر! هؤلاء، "روافض العصر الحديث"، الذين ينقصهم العقل والدين، يشطبون على المرأة، نصف البشرية، ويقولون عنها إنها "نجاسة" و"ناقصة عقل ودين"! إنهم يكرهون الجمال.

 خامسا) هؤلاء يرفضون ثلاثة أخماس البشرية من أصحاب الديانات الأخرى. أربعة مليارات بوذي، وهندوسي، وغيرهم، وثنيون ضالون في نظرهم. ويضاف إلى أولئك مليارا مسيحي. هؤلاء أيضا مرفوضون. ناهيك عن اليهود، والملحدين والذين لا يتبعون أي دين. إنهم يريدون رؤية الأرض على امتداد القارات وهي لا تضم غير لحى طويلة تعج بالشياطين، وغير بحيرات الدم، بدل المحبة، والتآخي الإنساني. إنهم يكرهون جمال التنوع، والتنوع دليل على عظمة الخالق.

 سادسا) قد يظن المرء أنهم يتوقفون عند هذا الحد فيقبلون المسلمين على الأقل، ولكن هيهات. انظروا، إنهم يرفضون الشيعة، والعلويين، ويرفضون الجماعة الأحمدية، ويرفضون المتصوفة، وكثيرين غيرهم، ويكفّرون حتى السُنة حسب أهوائهم، فيعتبرونهم مرتدين، ويحكمون عليهم بالقتل. إنهم يرفضون تنوع الفكر والفهم. إنهم يكرهون الجمال.

 سابعا) إنهم يكرهون الله لأن الله جميل ويحب الجمال. إنهم بتخريفاتهم يصورون الله وكأنه شيخ سعودي جاهل ومتعطش للدم. الله فاطر السماوات .. لا يقرّبه من أذهاننا نحن البشر إلا أن نقول عنه إنه رب الحب، والرحمة، والعلم! إنه رب العالمين.

 وفي آخر المطاف لن تجد إسلام هؤلاء إلا إسلام شلة من المرضى النفسيين والعقليين، باغيةٍ، وجاهلةٍ، وحاقدةٍ، لن نستطيع تفسير سلوكاتهم إلا بالإستعانة بالتحليل النفسي الجنسي! ومع هذا يظنون أنهم يذمّون الناس، ويحطّون من قدرهم حين يقولون عن أحدهم "رافضي".

 أنا رافضي، نعم، لأني لا أعتبر نفسي وكيلا عن الله على الأرض، لكني أرفض "روافض العصر" هؤلاء.

 وأحمد الله إذ منحني كل هذا الغنى، ففيّ شيء من كل شيء جميل أنتجه بنو آدم. أحب الله وما خلق من الجمال. أعشق إيران، تبريز، وإصفهان، وطهران، وأعشق طشقند، وسمرقند أيضا، مثلما أعشق فاس ومكناس، والقاهرة. وأعشق تركيا، إسطنبول، وإزمير، بقدر ما أعشق بغداد، والشام، وأعشق التكايا في ريف تركيا، وألتقي بأهل الذكر منهم، وأصلي في الكنائس حيثما نزلت - فلن أسمح للتاريخ المشوّه أن يسلبني عقلي الذي منحني الله، وأذوب في شعر جلال الدين الرومي (الفارسي التركي) مثلما أذوب في شعر الشيخ الأكبر محي الدين إبن عربي، وكلما دخلت جامعا في إسطنبول أزداد عشقا لأعظم إنسان وضعه الله على هذه الأرض، محمد إبن عبد الله. وحين أفكر بالثورة فلا أحد يعلو عندي، كمثل أعلى، على الحسين. وكنت أقف إجلالا للشعب الكردي، حين كنت، قبل ثلاثين سنة، أقاتل مع البيشمركة، كلما دخلت قرية في أعماق كردستان ووجدت أن أوسع وأنظف مكان فيها هو الجامع الذي يؤوي المقاتلين والغرباء.

  أحبهم جميعا، ويشرفني أن أكون "عميلا" لهم جميعا إذا كان حبهم هو"العمالة".

 وأحب سورية، وأنحني إحتراما لرئيسها وقائدها بشار الأسد. سورية مصنع الثقافة، والحضارة، والفن، والجمال. شلّت يد من أراد إيذاءها، من جون بن سميث الذي يشعر بالعار من إسم أبيه العربي، حتى الصهيوني المتخلف عقليا العاق لأبيه، والمُنَصّب مؤقتا على مشيخة قطر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز