نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
إلى مجلس الإرهاب الدولي

في سلوك مستهجن، لكنه مألوف، رفض ما يسمى بـ: «مجلس الأمن الدولي»، يوم الجمعة الفائت، وبإيعاز وحماية من إدارة الولايات المتحدة الأمريكية، مشروع قرار لإدانة التفجير المروّع الذي طال حي المزرعة الدمشقي، والذي ذهب ضحيته عشرات الشهداء، والمئات من الجرحى والمصابين، بسيارة انتحاري فجـّرها بين مدنيين آمنين عزّل، وأبرياء يظهر مدى وحشية وسادية وهمجية هؤلاء المجرمين الأوغاد.

 وكانت جمهورية روسيا الاتحادية قد تقدمت بمشروع القرار ذاك، في تقليد دولي ودبلوماسي يتطلب من الأسرة الدولية، وحدة المعايير لاتخاذ موقف موحد وحاسم ضد كل أشكال العنف والتطرف والإرهاب الذي يطال مدنيين وأبرياء، بغض النظر عن الزمان والمكان، وطبيعة الصراع.‏ وتضيف الولايات المتحدة، وحلفاؤها، مع هذا الرفض الأمريكي الجديد، «فتحاً» إرهابياً جديداً إلى سجلها الأسود، وتراكم من رصيدها الحافل في محاباة الإرهاب الدولي، ودعم الدول الإرهابية في العالم، أو التحالف مع تلك التي تصدّر الإرهاب الأسود إلى أربع رياح الأرض، دون أن يرف لها جفن، أو تهتز لها شعرة.

 ويمثـّل هذا الأمر، في أحد قراءاته، مكابرة رخيصة ومفضوحة من الولايات المتحدة الأمريكية، للاعتراف بأي نوع من الخطأ والفشل في سياستها السورية، وتنكراً، وتنصلاً من أي تبنٍ أممي جماعي ودعم، وعبر همروجة وأضحوكة «الأصدقاء»، لأحط وأسوأ أنماط القوى الماضوية والظلامية والإجرامية في التاريخ، فهذا ما سيضع الولايات المتحدة، وحلفاءها «الأصدقاء»، في فخ الرؤية الدولية الموحـّدة والإجماع الأممي على ما يحصل في سورية، وهذا، بالطبع، ما لا تطيقه، وتخشاه الولايات المتحدة وحلفاؤها، ويقض مضاجعهم ويقدم قراءة جديدة، وسردية متناقضة مع تلك التي حاولوا، عبر سنتين، من التضليل والدجل والتلفيق من تقديمها وتمريرها لطبيعة الصراع.‏

لقد أصبح هذا المجلس، وبكل أسف، وهو الذراع الأمنية الأممية الشرعية المعنية بحل الصراعات وفك المنازعات في العالم، والذي من المفترض أن يكون عامل أمن وأمان عالمي، نقول أصبح شاهد زور، ووكراً للتأمر وافتعال الأزمات وتسعيرها، ومقراً تنطلق منه جميع حروب الإبادة الجماعية، والهيمنة والإخضاع والاستتباع والإلحاق، التي تستهدف كل «الدول المارقة» الـ Rouge States، كما يطلق عليها في اللغة السياسية، وهي، بالترجمة العملية، كل تلك الدول التي لا تروق، ولا تتطابق، ولا تتماشى سياستها مع سياسات وتوجهات وأهداف الولايات المتحدة وحلفائها واستراتيجيتهم الهدّامة والتخريبية والعدوانية في العالم، وتشكـّل عقبات وعراقيل في وجه تلك الاستراتيجية، وهذا ما سيفسر، لاحقاً، سر استثناء «الحلفاء والأتباع»، الخلـّص والأوفياء من وصفة «الربيع العربي» المسمومة والمشؤومة.

 فكل الحروب الإرهابية في العالم كانت تمر عبر هذا المجلس، الذي أضحى أداة ورافعة أممية، ومبرراً قانونياً لشن الحروب وغزو البلدان ذات السيادة والاستقلال، فيما يقوم على الجانب، والمقلب الآخر بحماية، واحتضان، والتبرير، أيضاً، لإرهاب الدولة المنظم الذي تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين، ومنع استصدار، أو تنفيذ أي قرار ملزم، يدين دولة الكيان الاستيطاني العنصري.‏ وفي واحدة من المفارقات الكبرى، والسياسات المزدوجة، والرؤى العوراء، سنرى كم كان هذا المجلس، مثلاً، سريعاً، ومرناً، و«عملياً»، في استصدار قرارات دولية لذبح العراق وشعبه، ونحر ليبيا وتدميرها عن بكرة أبيها، وتقطيع أوصال البلقان والسودان، وهبّ سريعاً، ويا عيني عليه، لنجدة إرهاب الجماعات المسلحة وقطعان المرتزقة من عناصر القاعدة، في الداخل السوري، باعتبارهم «ثواراً» وطلاب حرية إلى آخر هذه المعزوفات والأسطوانات البالية والمشروخة، وغضّ الطرف، في ذات الوقت، عن كل تلك الجرائم والفظائع التي قامت بها شركة «بلاك ووتر»، الأمريكية عبر فرعها المحلي المسمـّى بـ «الجيش السوري الحر»، والمعروف اختصاراً بالصحافة الأجنبية بـ FSA، ولنا أن نتصور لو كانت الضحايا من الإسرائيليين أو من أصحاب العيون الزرقاء والـمعروفين بالـ: «WASP»(1) في الغرب الأطلسي لكنه بدا بطيئاً، متثاقلاً مكرهاً، متمنعاً، وحملاً وديعاً، وضلعاً قاصراً غير ذي فاعلية بالمرّة، عندما يتعلق الأمر بحماية إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه السلطات الصهيونية ضد شعب فلسطين، أو في التعتيم الفاضح على وأد «ثورة شعب البحرين»، والحراكات الشعبية الأخرى في ما يعرف بمنطقة الخليج حيث تتركز معظم القواعد العسكرية الأمريكية.‏

 ومن أشهر المشاهد السياسية الكلاسيكية التي تختزنها الذاكرة عن منظمة الأمم المتحدة، ومجلسها الدولي، كانت في المرة الأولى حين خلع الزعيم السوفييتي الأسبق نيكيتا خروتشوف حذاءه، في تشرين الأول من العام 1960، وطفق يطرق به احتجاجاً على كلمة المندوب الأمريكي، أما المرة الثانية، فهي تلك التي حمل فيها، الجنرال كولن باول، في العام 2003، صوراً وخرائط وهمية ومفبركة، لما قال أنها منشآت نووية وكيماوية عراقية تعرّض أمن الولايات المتحدة «الهش» للخطر، تبيـّن كذبها وزيفها ونفاقها، وضلالها، فيما بعد، لكنها مهـّدت، عملياً لعملية غزو هذا البلد واستباحة أراضيه، وبقية القصة معروفة.

غير أن مشاهد رفع اليدين بالفيتو، ولثلاث مرات متتالية، على قرارات لمجلس الأمن الدولي، ضد سورية، من قبل المندوب الروسي الدائم في المجلس فيتالي تشوركين، ونظيره الصيني لي باو دونغ، سرقت الأضواء، وقلبت كل المعادلات والتوقعات بعدما بلغ سيل إرهاب هذا المجلس الزبى، وستبقى تلك الإطلالات ماثلة في الأذهان لعقود قادمة من الزمان، وستشكل نقطة تحول، ولا شك، في تاريخ وعمل هذا المجلس، وإيذاناً ببدء مرحلة نحو مأسسة جديدة لوقف إرهابه التاريخي بحق شعوب الأرض، لا بل قد تغيـّر سياساته ونهجه مرة واحدة وإلى الأبد بعد أن منعت تلك «الفيتوات» الثلاث، «هجوماً» إرهابياً دولياً جديداً، محمياً بصواريخ المجلس الإرهابي، ومقونناً بقراراته، ومحمولاً ببوارجه، ومشرعناً بأسلحة «الدمار الشامل» للشرعية الدولية، كما حصل في ليبيا والعراق، والذي وصفه محمد سعيد الصحاف، يومذاك بـ«عملية سطو دولي»، على بلده وشعبه.‏

إن الإرث الأسود، المخزي والمشين، والممارسات العدوانية، والسياسات التمييزية، وتطبيق المعايير المزدوجة، وذلك، وفق توصيف الوزير لافروف للتصرف الأمريكي الأخير، والدماء التي سالت جراء الحروب الاستباقية، والوقائية، والعدوانية التي شنـّت، وخرجت كلها من بين أروقة هذا المجلس ينفي عنه أي صفة «أمنية» دولية إيجابية، بل يضعه تماماً في خانة تبرير وتمرير وحماية وتسويغ ، وربما تزويق، وتجميل، وهو الأصح، لكل أشكال الإرهاب الدولي.‏ (1)- الـ: WASP: وهو مصطلح عنصري ميرمي للإشارة إلى White Anglo-Saxon Protestants وهو بهذا المعنى يستثني من اهتماماته، حتى الكاثوليك المسيحيين، وهو الحاصل فعلاً في ما يتعلق بالإرهاب والجريمة المنظمة والمافيات التي ترعاها أمريكا في أمريكا اللاتينية‏







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز