د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
إنهم يكرهون الرجال والجَمال ج2

اتصل بي مواطن أمريكي من أصل عراقي، قدّم نفسه بإسم جون سميث، وسألني شاتما: كيف يسمح أستاذ جامعي لنفسه بالتصفيق والتهليل لبشار الأسد؟ وكيف يمكن أن يكون عميلا لإيران "الصفوية"، ورافضيا فوق ذلك، مَن كان إسمه "عمر"؟ وقد أجبت عن أحد أسئلته في مقال يوم أمس، وها أنا أستمر في الإجابة عن البقية.

 شخصيا، وفيما يتعلق بمسألة "الصفويين"، فأنا لا يمكن أن أكون صفويا، ليس كخيار، بل كإجبار، ففي العراق كان هناك منذ سالف الأيام نظام عنصري لخلق الفرقة بين العراقيين، فالعراقي يُعطى عند الولادة بطاقة إسمها "دفتر الجنسية"، ولكن ذلك لم يكن كافيا، إذ كانت المواطنة تتطلب الحصول على بطاقة أخرى إسمها "شهادة الجنسية". وحسب قانون تلك الشهادة كان العراقيون مقسمين إلى فئتين، الفئة أ، وهم التبعية العثمانية، والفئة ب، وهم التبعية الإيرانية. وأنا مصنف أبا عن جد ضمن الفئة أ. وقد أستشهد جدي في الحرب العالمية الأولى وهو يحارب في صفوف الجيش العثماني ضد الإنجليز، وشاهد قبره في بغداد قائم حتى اليوم. وغير هذا فأنا منذ عشر سنوات ناشط في مجال الدعوة لقبول تركيا في الإتحاد الأوروبي لأني أعتبر أن ذلك قد يساعد منطقتنا في النهوض، إذ يمكن أن تكون تركيا جسرا بيننا وبين الإتحاد الأوروبي. وأنا لا أكف عن التمسك بأن تركيا مكوّن أساسي من مكونات منطقتنا، رغم دورها في الحرب الظالمة على سورية، وأؤكد دائما أن تركيا دولة فيها ديمقراطية، ونحن بحاجة إلى إقتصادها المتين، وإلى تكنولوجيتها المتقدمة، وأن بين تركيا وسوريا أكثر بكثير مما بينها وبين مصر وبلدان الأباعر في الخليج.

 لماذا لا يتهمني أحد بالعمالة لتركيا؟

 ماذا أقول أنا عن إيران أكثر مما أقول عن تركيا حتى أعتبر عميلا لإيران؟ أدافع عن شعب إيران الذي يتعرض للحصار (مثلما تعرضنا له نحن وعرفنا آلامه)، ويتعرض للتهديد الإسرائيلي ليل نهار؟ لماذا لا يجوز لنا أن ندافع عن إيران بوجه عدونا الأزلي الأبدي، الصهيونية، ونحن دافعنا عن كوبا، وعن فيتنام، وعن أنغولا، وكل الشعوب التي تتعرض للعدوان الإمبريالي؟ ثم إن بلدان الجزيرة العربية أصبحت مجرد محميات صغيرة بين القواعد الإستعمارية الأمريكية، والفرنسية على أراضيها والتي هي بطبيعة الحال قواعد إسرائيلية، بينما إيران ليس فيها قاعدة أجنبية معادية لنا. هل هناك سفارة إسرائيلية في طهران؟ بينما هناك سفارات وقنصليات (علنية أو سرية) في كل بلدان الإسلام غير "الصفوي"، مصر، وتونس، وقطر، وبرنار ليفي يصول ويجول في ليبيا الإخوانية!

 ما هي مشكلتكم مع إيران، فتسمون الإيرانيين مجوس تارة، وصفويين تارة أخرى؟ تطعنون بإسلام الفرس؟ والله هذا جهل بالتاريخ أو تشويه له. أيها الأعراب المنافقون، الفرس أدخِلوا في الإسلام بخسارتهم الحرب ضدنا، وهو دين ظهر في قوم كانوا ذات يوم جزءً من رعايا الفرس، وكتاب الإسلام لم ينزل بلسانهم، ومع هذا، ورغم الفرص التي أتيحت للفرس على مر التاريخ للإنقلاب على الإسلام فإنهم لم "يرتدّوا" عنه، بل بقي الإسلام العنصر الأساسي في هويتهم حتى في العصر الحديث، وثورتهم هي أول ثورة إسلامية في التاريخ كله، بينما أعراب قريش الذين ظهر الرسول بين ظهرانيهم، ونزل كتابه المبين بلغتهم، ارتدوا عن الإسلام بمجرد أن علموا بموت الرسول، ولولا سيف خالد بن الوليد، لما بقي أثر لدين محمد في جزيرة العرب. وماذا بقي من الإسلام في مكة الآن غير الكعبة وهي تطفو في محيط من الجور والفساد السعودي؟

 ثم إن "الصفوية" هي نتاج الصراع العثماني الفارسي في القرون الخوالي، فلماذا تصبح اليوم عقدة العرب؟

 إن من يثير الحساسيات غير المنطقية ضد إيران هم الذين لهم مصلحة في إذكاء نار الصراعات الطائفية في المنطقة، وحكام الجزيرة العربية لهم أيضا دافع في إشعال الفتن الطائفية، ليس نفس الدافع الأمريكي والإسرائيلي فقط، وإنما لأن الشخصية العربانية، تعاني من عقدة نقص تجاه إيران، فموقف هؤلاء من إيران هو نتيجة الشعور بـ"الإخصاء"، فهم لا يمتلكون لا مقومات دول، ولا مقومات مجتمعات قابلة للتطور مع منطق التاريخ، ولا حتى مقومات الحياة. إنهم يفتقرون إلى الرجولة الحقة، ويعرفون أن لإيران حقا عليهم، هم دافعوه لا محالة! لكنهم يحاولون على الدوام أن يؤخروا موعد الإستحقاق، ويجدوا رجالا يحمونهم من إيران. لثماني سنوات كانوا في دخالة العراقيين، ثم صاروا مباشرة تحت عباءة الأمريكان، وهم يعرفون أن الأمريكان سيتركونهم، عاجلا أو آجلا، لمصيرهم الأسود، فيبحثون عن رجال آخرين ليحموهم، يتوسلون بالمغاربة تارة، ثم بالأردنيين تارة أخرى، والآن يريدون أن يضعوا تركيا مقابل إيران. وحين نرفض نحن محاربة إيران، يصوروننا عملاء لها! عمالة؟ وسبحان الله فقط العمالة لإيران منقصة، ومذمة، أما العمالة لأمريكا، وإسرائيل فمفخرة!

 العراقيون لا مصلحة لهم في أن يصبح بلدهم ساحة حرب بين إيران وتركيا - لتكن الجزيرة العربية ساحة لهكذا صراع. لقد ذقنا نحن ويلات صراعات البلدين على أرضنا لأربعة قرون مظلمة (ليقرأ التاريخ من يريد أن يعيده). لكن هناك، مع الأسف، عراقيون أغبياء لم يأخذوا العبرة من الساذج صدام حسين، ومما فعله هؤلاء الأعراب المنافقون به وبالعراق من أفاعيل الحصار والغزو، والغدر، والتدمير المنهجي، ويريدون أن يلعبوا نفس اللعبة، أي التضحية بالعراقيين في صراع مفتعل ضد الإيرانيين، لحماية هؤلاء الأراذل. بعض العراقيين غاضبون على النفوذ الإيراني في العراق! لا بأس، فهذه هي، أولا، عواقب الحروب الغبية، فهي لا تورث إلا الأحقاد والضغائن، فقد غزوناهم بالعساكر حين حسبنا أنهم ضعفاء، واعتمدنا على دعم الخصيان في السعودية، والكويت، فعادوا إلى غزونا بوسائل أخرى عندما غدر بنا الأعراب؛ وثانيا، دعونا نقاوم النفوذ الأجنبي كله، فهناك الآن نفوذ سعودي أيضا في العراق يتمثل في تنظيم القاعدة الإجرامي، وحتى كلب قطر يحشر أنفه في شؤوننا (سنكون له بالمرصاد)، فلماذا نركز على النفوذ الإيراني وحده؟ ثم أيهما أرحم، مئات الآلاف من الإيرانيين يأتون كل سنة لزيارة العتبات المقدسة في بلدنا، أم مئات القتلة السعوديين الذين يأتون لزرع الموت في شوارع مدننا؟ ثم دعوني أسألكم، نحن نجني الآن بالنفوذ الإيراني آثار حرب طاحنة بيننا، خدَعنا فيها الأمريكان والسعوديون، لكن ماذا فعلنا نحن ضد السعودية حتى سمحت بإنطلاق حربين ظالمتين ضدنا من أراضيها، ومولتها بنفسها، ثم شاركت في حصارنا لعقد ونصف عقد من الزمن، وبعد ذلك سلطت علينا قتلة القاعدة ليغرقوا مدننا بالدم والخراب؟ أي غبي هذا الذي يريد الآن أن نحارب إيران مرة أخرى نيابة عن السعودية؟

 إذا كانت إيران "صفوية"، وتشكل خطرا على الإسلام السعودي، فليحمل أباعر الجزيرة السلاح، ويقاتلوها، أليس عندهم "درع الجزيرة"؟ فلماذا نكون نحن درعا لهم أمام إيران؟ أم أن درع الجزيرة هو فقط لقمع شعب البحرين؟ دعوهم يقاتلون، وسنرى إن كانوا رجالا مثل العراقيين الذين تطاحنوا مع الإيرانيين لثماني سنوات قاسية، أم أنهم مخصيّون لا يصلحون إلا أن يكونوا خدما في قصر حريم السلطان العثماني.

 الأتراك أذكى من أن يجرهم التيس السعودي والبعير القطري إلى دفع ثمن للعقد العربانية. لا تصدقوا أن الأتراك مغفلون بحيث ينسون أن الخيانة تجري في عروق هؤلاء منذ تحالفهم مع الإنجليز ضد أجدادهم العثمانيين. وإن كان أردوغان ساذجا مثل صدام حسين، ولا يعرف النفسية المريضة لهؤلاء، فغيره في تركيا يعرفون حق المعرفة أن هؤلاء العربان يضمرون حقدا أسود على تركيا أيضا، ويحلمون بتخريبها، لو كتب لهم أولا أن يخربوا سوريا وإيران. وأنا أدعو الله ليل نهار أن يحفظ إسطنبول من غدرهم. هؤلاء الأعراب الأجلاف، خربوا بغداد الجميلة، والبصرة، والموصل، وحلب، فكيف تغمض لهم عين وإسطنبول تزهو كالعروس على بحر مرمرة. هؤلاء هم ممن قال فيهم رب العرش العظيم إنهم إذا دخلوا قرية أفسدوها. وسيأتي اليوم الذي يقر فيه أردوغان بأنه ارتكب حماقة كبرى بمصافحة هؤلاء فكل "إستثمارات" هؤلاء العربان في تركيا لن تعوضها عن خسارة صداقة السوريين!

 أما حديث العقلاء فحديث من يرى العربي، والإيراني، والتركي والكردي أبناء أرض واحدة، لا مستقبل لهم إلا بالتفاهم، وباستخدام العقل والعقلانية. لا مفر من التفكير بما هو مشترك، وبما يمكن أن نحققه معا. ما شأني أنا إذا كان جاري من هذا الدين أو ذاك؟ وإذا أعطيت لنفسي الحق في أن أصر على أن يكون جاري على ديني وعلى مذهبي وإلا فإني قاتله، فلماذا لا يكون له هو أيضا الحق في أن يصر على أن أكون على دينه وعلى مذهبه؟ إذا كان لي حق في ذلك، فله نفس الحق. وإن لم يكن له حق في ذلك، فليس لي أنا أيضا حق في فرض شيء عليه. نستطيع أن نقول ببساطة "لكم دينكم ولي دين"، وننظر في كيفية التجاور على أحسن حال، في سلام، ووئام. ليكن جاري مسلما، أو مسيحيا، أو بوذيا، أو مجوسيا، أو ما يحلو له، والآخر عثمانيا سلجوقيا، أو صفويا، والآخر هاشميا. هل بلداننا بيوت استأجرناها، ويمكننا أن نخليها أو نجبر الجار على إخلاء بيته؟ نحن هنا، وسنبقى هنا! إيران وتركيا بلدان مسلمان، وجاران للعرب، ولا مصلحة للعرب في إستعداء أي منهما.

 كل عقلاء العرب مع إزالة الحدود بين تركيا والعالم العربي وبين إيران والعالم العربي، ومع حق الأكراد الكامل كأمة مثل بقية الأمم، ومع بناء منطقة شبيهة بالإتحاد الأوروبي يحقق فيها أبناء هذه الأرض كلهم مصالحهم، وكرامتهم، وأمنهم. أما إذا كنا نفكر بالدين، فسيروا، أيها الناس، في الأرض وانظروا، كم هو عظيم هذا الدين الذي دخل قلوب هذه الملايين من البشر على اختلاف ألسنتهم، وألوانهم. ماذا نريد من الناس أكثر من أن يجد أحدنا نفسه في قرية في أقصى شمال إيران، ويوقظه في الفجر صوت شجي ينادي "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله .. حيّ على الصلاة"؟ وماذا يضيره أن يضيف إلى ذلك " حيّ على خير العمل؟"







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز