نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
حوار بين نارام وشبكة شام الاخبارية

 أيها الأصدقاء ..

تلقيت بضعة أسئلة من موقع عزيز على قلبي .. وابتعد الحوار عن السياسة قليلا وكان استراحة في واحة وارفة الظلال عن اللغة والكتابة في هذا الجو الملتهب .. فاسمحوا لي أن أدعوكم الى هذه الاستراحة .. واسمحوا لي أن اشكر موقع شبكة شام المؤيدة التي دعتنا الى هذه الاجازة من السياسة والحرائق وأبدت اهتماما بمكون الكتابة وطريقة  الخطاب السياسي عبر اللغة .. وسلطت الضوء على أهمية احياء اللغة وقوتها في الخطاب السياسي وتشكيل الرأي العام والثقافة الوطنية والسياسية

إذا بدأنا باللغة عند نارام..أو دعني أقل "اللغة النارامية".. أول سؤال يطرح ذاته هنا: ما هي الخلطة التي أبدعها سيميائي نارام؟ و كيف يوائم نارام بين رونق الأدب و بداعة الإنشاء و بين جفاف الأخبار و تجريد السياسة؟ احكِ لنا عن إرهاصات عقلك و قلبك و أنت تكتب، و علاقتك بنصك في مراحل تشكُّله.

دعني أشكركم على اهتمامكم بما أكتب .. وربما أحس الآن و بسبب هذا الاهتمام أن غيومي التي أرعدت وأبرقت قد أمطرت وهطلت مفرداتها كالقطرات الغزيرة على الأرض التي أريد وسقت البيادر التي أريد .. وأحس أن الثمار التي سقطت من الشجر الذي زرعته قد تلقفتها السلال الحقيقية .. وأنني الآن أعانق من أردت أن أعانق ..

أما التهمة الخطيرة .. بأنني سيميائي وأخترع اللغات فهي ربما تجعل وجنتي حمراوين من الخجل والحرج .. فأنا لم أخترع لغة .. ولاشيء يسمى اللغة النارامية كما تعرف .. ولاأستطيع ادعاء ذلك ولاالتجني على كيمياء اللغة .. لكنني أعدت استعمال اللغة بحرارتها .. ودفأت الحروف الباردة .. وعزفت على القصب العتيق الحنون .. وعانقت الخشب العتيق الأصيل .. وغرفت من الكنوز المكنونة في متاحفنا التي لايزورها الا القلة .. مافعلته كان كما يفعل المنقبون عن الذهب .. لايخترعونه .. بل ينبشون التراب عن عروقه وخاماته ويحفرون بلا كلل بحثا عن عروق الذهب البراقة ..واللغة العربية منجم لاينضب .. سينضب النفط والغاز عند العرب ولن تنضب اللغة العربية لسبب بسيط هو أنها وجدت قبل شركة "شل" و "بريتيش بتروليوم" و "توتال" .. وهي لاتشرب النفط ولاتعيش على نفقة أمراء النفط وجوائز الجنادرية .. بل هي لغة لها كرامتها وعنفوانها وكبرياؤها الذي يشبه البرق وصوتها الذي يشبه الرعد وعطرها الذي لايقهر .. أما اللغة التي تعيش على ضفاف النفط فهي ليست لغة بل أصوات وصدى للغة .. وكل من كتب ونسج وهو قرب بحار النفط ..فان كلامه بنزين سريع الاشتعال وليس نحتا في الحجر..

ربما أتفق معك أنني قمت باعداد خلطات غريبة ومنمنمات من مختلف المعادن الخسيسة والثمينة ككيميائيي القرون الوسطى .. فالمقال السياسي جاد وعابس ومباشر ولايحب مشاغلته باسترخاءات الأدب واللغة وأحلام القافية وشعرها المسترسل عبى كتفي القصيدة، ورومانسية الشعر .. وعندما يكتب سياسي قصيدة فلايقدر الا أن يسحب من الكلام عفويته وخدوده الحمراء ويلبسه ربطة العنق والحذاء الملمع مع تسريحة الشعر الأنيقة فوق وجه شمعي الملامح مثل وجه هيثم المناع .. أما عندما يكتب شاعر كلاما في السياسة فلايقدر الا أن يصب السياسة في قوالب الشعر وانحناءاته ولحظات السكر أو التجلي الصوفي..

طبعا من الصعب أن تبرر خوضك مبارزة حتى الموت مع خصمك بسيف فولاذي وأنت تحرص على أن يكون سيفك مرصعا بالياقوت والزمرد والألماس .. لأن العبرة هي في حدة شفرته وبرودة معدنه القاطع وليس في ألوان الجواهر وقيمتها في مقبضه وغمده..

وأنا عندما كتبت كتاباتي الأولى لم أقصد أن يقرأني أحد بل قصدت ان أتنفس أنا لأنني كنت مختنقا من طمس الحقيقة واقتلاع حنجرتها عمدا .. وكنت أحس بضيق أنفاسي وأنا أبحث عن فقاعة هواء عذب تحت مياه الطوفان الذي داهمنا على غير انتظار من الاعلام العربي .. عن أية قصبة تصل فمي الى سطح الماء وأنا أغرق مع وطني .. فاختلط السياسي والشاعري في لحظات الغضب وتحدي الغرق .. كنت أتحدث بغضب وانفعال .. وكانت كل مكوناتي الغاضبة والجزعة من مشهد الجنون العربي (الذي سمي ثورة وربيعا أخجلني بغبائه وبانقياده لأمارة الجهل) تحاول أن تتحدث في نفس اللحظة .. المكون السياسي والمكون الأدبي والشاعري .. والمكون العفوي الانساني .. والمكون الوطني الخائف على وطنه .. كل المكونات تتحدث معا وتعبر بطرقها المختلفة .. وانساب الكلام وتزاحمت المفردات من كل الصنوف من نفس النبع .. بكل ألوانها ومذاقاتها ..وبكل خلائطها الساخنة والباردة .. رأي وغضب وقراءة وشعر ومنطق وفلسفة وسياسة وتاريخ ولاهوت .. كلها انبجست دون قدرتي على السيطرة عليها .. فنزلت المقالات السياسية معشقة بعروق الشعر والأدب واللغة والبيان .. وكنت أنا نفسي أنظر الى هذا المخلوق الجديد بعين الاستغراب وكأني لاأعرفه لأنني لم أكتب يوما بهذه الطريقة الانفعالية..

 ربما من المفارقات التي يلحظها قاريء نارام أنه و في الوقت الذي كنت فيه تقارع بنصك ثورات ما سمي بـ"الربيع العربي" كنت تفجّر ثورة في عالم الكلمة المقروءة، و تفتّق ربيعاً في اللغة و أسلوب الكتابة .. هل كان ذلك في حسبانك و أنت تكتب أم أنه أمر غير متعمّد بالمرة؟

 ربما بعض الجواب مررت عليه في اجابتي السابقة عندما قلت بأن الشكل الذي نسجت به المقالات لم يكن متعمدا لكنه كان يعبر بصدق وصراحة عن مشاعري .. وكنت ربما أريد ان تكون الكلمة السياسية والرأي بالأحداث مخفورين بحراس من الكلمات الصادقة والتعابير الموطّئة لها.. ومن غير اللغة يمكن أن يقوم بمهمة الحراسة على الكلام الخطير؟؟

النص الذي كتبته كما قلت كان لقهر الغيظ وتنفيس الغضب ومحاولة العوم في اليم الذي دخل بيوتنا كما يدخل التسونامي ..وفي محاولة التجديف وأنا على قارب صغير بين الأمواج العاتية في هذه العاصفة .. اقتربت بقاربي من منارة كبيرة للغاية أكبر من منارة الاسكندرية العظيمة ..كانت شبه مهجورة في هذه العاصفة الهوجاء انها منارة اللغة .. فقررت أن أشعل كل مافيها وان أوقد النار من كل النوافذ عل بقية المراكب تهتدي الى هذه اليابسة حيث النجاة من عواصف الربيع وأمواج المجانين والخيانة وسفن القراصنة التي ركبها الثوار ورفعوا عليها بدل علم القراصنة علما كتب عليه (أشهد ان لااله الا الله وأن محمدا رسول الله) ..

أعترف انني حالم .. ولكن بالطبع أنا واقعي ولم أقصد ان نهزم ربيع المجانين باللغة وحدها .. وأن نطفئ الحرائق بالنفخ عليها من زفرات الغضب .. هذا ربيع مرسوم بالمسطرة والقلم ومعادلات السياسة في معاهد علم النفس وعلم المجتمع والاعلام ودوائر المخابرات الكبرى .. ولايهزم باللغة .. بل بنفس وسائله ومعادلاته ووسائله التكنولوجية لأن اللغة هي فقط احدى الوسائل ..

ان علاقتي بالغرب جعلتني أدرك قوة اللغة .. فهذا الغرب المدجج بالاعلام والصورة والمشهد لايستعمل قوة صورته واعلامه دون اللغة القوية .. كنت أقرأ الصحف في الغرب وأرى الاعمدة السياسية وفيها اللغة المدججة بالقوة والمنطق والمسلحة بالمعرفة والقراءة .. بعض الصحف يكتب فيها كبار المفكرين والفلاسفة .. وانتبهت الى سطوة اللغة في أحداث سبتمبر فالمشاهد المروعة لم تتجاوز صور الحرائق وانهيار المباني ولم يتم بث مشهد لجثة واحدة .. أما توصيف المشاعر والانفعال فتولّته مجموعة من النخب والكتاب الذين حفزوا المشاعر والرأي العام وهم يتحدثون ويكتبون بلغة فيها المعرفة والثقافة بل والحس العميق والتمكن من علم اللغة وامكاناته .. وهم الذين وجهوا الرأي العام في الاتجاه الذي تريده المؤسسة العسكرية..

الربيع ومن خطط له عرفوا قيمة اللغة ووظفوها بخبث ودهاء .. لذلك هدموا اللغة بمصطلحات جديدة عملت كالمعاول وشحن الديناميت .. نسفوا اللغة الجميلة والراقية والمباشرة وزرعوا عقلنا بلغة الكراهية والتشدد والالغاء ولغة اللعن وعصر الانحطاط ولغة الثورات البليدة والفقيرة بالرحمة والمضرجة بالدم والتي تستحم بالعنف وتتوضأ بالجريمة والحقد المريض .. وأصيبت كلمات العرب بالسعار وسال لعاب السعار منها كمن عضها كلب مسعور .. ودفنت لغة نزار قباني الراقية ولغة محمود درويش ولغة الجواهري ولغة أبي الطيب المتنبي بل ولغة الحجاج بن يوسف الذي رغم قسوته على خصومه فانه أكرم حتى لغة التخاصم والحرب .. وحلت محلها لغة العرعور واللحم المفروم وحمد بن جاسم والعريفي ولغة النفاق من عمرو خالد والوعاظ الوهابيين خريجي جامعات تورا بورا وكهوفها المظلمة ..

لكن لغة الربيع كانت لغة منخورة تستعمل بكثرة عكازات الصورة والكراسي المتحركة للمشاهد السينمائية الثورجية ووجوه السحرة والمشعوذين مثل الدجال عزمي بشارة والطبال عبد الباري عطوان ودكانه (أورشليم) وطارق الحميد وعبد الرحمن الراشد وغيرهم من كتاب العربان الذين ينقلون الناس من ضفة الى ضفة على متن ناقلات النفط وبين براميل البترول وروائحها..وهذه اللغة هشة للغاية وسريعة الاشتعال والاحتراق بمجرد القاء عود كبريت عليها .. وهذا كان نعمة من نعم اللغة الأصيلة ..التي لاتحترق كأنها مسكوبة من روح طائر الفينيق ..

ولذلك فان الضرب على لغة الربيع بقوة ودون توقف بلغة أبي الطيب ولغة نزار والجواهري ومحمود درويش كان فتاكا بشكل مدهش .. لأن الجذور تمردت على محاولة اجتثاثها وسقايتها بلغة النفط .. ولذلك فان العكازات والكراسي المتحركة سقطت في حفر المبالغات والفبركات عندما سقطت لغة الربيع العربي .. نعم سقط الربيع .. وسقطت لغته ..فسقط فلاسفته .. وبقيت لغتنا التي هدمنا بها الربيع .. كما هدم الجيش العربي السوري أسوار الربيع..

 دعني أسألك سؤالاً ربما كان استفزازياً..في الكثير من نصوص نارام يشعر القاريء بروح أبي الطيب المتنبي و يلحظ نفحة من الاعتداد بالنفس و ربما من المبالغة في تمجيد الذات لدرجة قد تلتبس عند البعض .. و من هنا يطرح السؤال نفسه على طريقة أبي الطيب: ما أنت؟ و ما هي الحدود هنا بين نارام و بين من يَكتُب عن نارام؟

 ياليتنا نتعلم الكبرياء من أبي الطيب .. و ياليتنا تعلمنا من هذا الملك العظيم الكبرياء الشخصي و الاعتداد بالنفس .. أليس من الخطأ أننا نعيب على الناس أن يعتدوا بأنفسهم؟؟ كل واحد عليه أن يحس تجاه نفسه كما كان أبو الطيب يحس تجاه نفسه .. الاعتداد بالنفس ليس غرورا .. الثقة الشخصية بالنفس ينعكس منها بعض بريقها على الأمة عندما تعتد الجماعات والأفراد بأنفسهم .. أم تريد أن نعلم الناس أنهم نعاج ؟؟ !! تخيل أن شخصية عربية مؤثرة مثل حمد بن جاسم يقول للناس ببساطة ان لديه شعورا أنه "نعجة" في الأزمات .. فمن أمة علمها أبو الطيب أن "الخيل والليل والبيداء تعرفه" .. الى حمد بن جاسم الذي يعلم العربي أن يقول: "ان النعاج تعرفنا ..وان الذئاب تأكلنا" .. أبو الطيب قال رسالة ووصية للأمة بأن هدف كل واحد أن يكون معروفا للخيل والليل والبيداء .. وجاء حمد بن جاسم وحوّل أمة بكاملها الى نعاج .. لنتخيل لو أن حمد بن جاسم هو من كان في موقف المتنبي عندما هاجمه فاتك الأسدي .. النتيجة معروفة سلفا .. وصاحب النعاج ليس بصاحب خيل ولا ليل .. وماسيفعله حمد بن جاسم وأي أمير قطري هو أن يرفع جلابيته بيديه نحو وسطه كيلا تعيق ساقيه في الفرار اللتين ستدوران كمحركين توربينيين على الرمال .. وسينطلق بأقصى سرعته ..ليصل الى حظيرته "الجزيرة"..

في الربيع انتقلنا من سيف أبي تمام الذي كان أصدق من الكتب الى سيوف الوهابية التي ترقص العرضة بوقاحة مع جورج بوش في قلب جزيرة العرب .. وتذبح المواطنين أمام الكاميرات في شوارع حمص ..

اذا كان اعتدادي بنفسي يثير أحدا فهذه مشكلته وليست مشكلتي ولن أقدم اعتذاري .. وانا لاأقلل من قيمة أحد عندما أعتد بنفسي .. لكن ليس من حق أحد أن يسألني أن أتعلم الانحناء .. لأنني أنقل رسالة مغايرة لرسائل الذل وانكسار الذات والمجتمع المهزوم ..والانسان المقهور ..

ان غياب روح أبي الطيب هي التي جعلت الديكتاتوريات تأكل من نفوسنا و كراماتنا و جعلتنا نتسول على أرصفة مدننا و على أبواب الفاسدين في بلداننا .. ثم نتسول على كل أرصفة العالم واللجوء .. كم كنت أحس بالألم والذل وأنا أرى نخبا عربية في الغرب وهي تتقدم كذبا بطلبات اللجوء السياسي من أجل وظيفة وجواز سفر في عز فترات الهدوء السياسي .. أوطاننا ليست الجنة وليست مثالية وربما كانت جحيما لكن أن تتسول على ظهر وطنك وتكذب من أجل مكاسبك فأنت من قطيع حمد ولست من أصحاب الخيل والليل .. وهذا لأن الأمة وجماعاتها مريضة بالتلذذ بالتذلل .. وهذا ماحصلنا عليه كما نرى الآن .. ثورة كرامة تمارس اللصوصية وتبررها وتسرق المعامل في حلب وتبيعها في تركيا بلا ضمير .. و ثورة تقبل العيش في مخيمات و بيع بناتها في مهرجانات جهاد النكاح .. و فوق هذا تنهال بالقبل على يدي أردوغان .. فماذا تنتظر من ثورة بلا كرامة فيها رياض سيف يشكر فرنسا مثلا و هذا الشكر يصل بالتتابع الى اسرائيل .. و هناك معاذ الخطيب يهددنا بطائرات الناتو لأنه لايقدر على خوض انتخابات و لايقدر على ارغام الناس على القبول بثورته ..

هل هناك مثلا اذلال يمكن أن يضاهي مؤتمر الذل للمانحين لمعسكرات التسول للاجئين السوريين؟؟ .. كم فيها إهانة لنا جميعا و لشرف الثوار أنفسهم .. تخيل أن كبرياء المتنبي التي يراد كسرها في حلب التي شهدت ولادة هذا الاعتزاز بالنفس كيف ستنظر باحتقار الى هؤلاء المتسولين وقادتهم المتسولين ..وكيف كان سيمتشق سيفه ليغرس نصله في قلوب هؤلاء قبل أن ينتحر كما ينتحر مقاتل الساموراي ..ويرمي نفسه على سيفه..

 و نحن نعيش اليوم عصر الصورة بكل سطوتها التي رأينا على مدى عامين تقريباً، هل ما يزال نارام يراهن على الكلمة وسيلة تعبيرأو تغيير يُعتَّد بها .. أو "يعوَّل" عليها (على حد تعبير ابن عربي)؟

  لن أقلل من عصر الصورة و سلطته و لكن اللغة هي قبل كل شيء و هي حاضنة الصورة و إطارها الذي يعطيها قيمة و تأثيرا اضافيا .. و علينا أن نلاحظ أن الصورة على سطوتها تحتاج اللغة لتوجهها و تشحنها بالعاطفة والرأي .. تخيل لو أن كل المشاهد المعروضة في صالونات الجزيرة من تمثيلية حمزة الخطيب الى عمليات تصوير جثث الضحايا و قطع زينب الحصني لو لم تحملها الكلمات و  التفجعات والمفردات و البكائيات اللغوية و قواميس الدموع و الشرح و التضليل اللغوي في كل الجرائد والصحف و المواقع ..انها ستبقى مشاهد باردة ..

اللغة هي التي تحمل المشهد و تعطيه أجنحته بدليل أن السينما الصامتة لم تصمد وحدها عندما هاجمتها اللغة المصورة والسينما الحوارية .. تشارلي تشابلن لايمكن أن تشاهده الآن الا لدقائق .. و كل هوليوود لاتصمد أمام اجتياح مفردات مسرحية من مسرحيات شكسبير .. بل دعني أحيلك الى كلمة ذكرتها في احدى مقالاتي وهي عبارة "أبو عمر" لزوجته: ألف حبل مشنقة و لا يقولو أبو عمر خاين يا خديجة .. ماذا يساوي المشهد المذكور من غير عبارته التي تحفر الذاكرة .. الا اذا كنت تحب افلام الكاوبوي التي يطلق فيها مسلح النار من أول الفيلم الى آخره و على الجميع بمن فيهم المخرج و المؤلف و المشاهدين .. أو الأفلام الهندية و شامي كابور و رقصاته وأغنية سوكو سوكو..

يجب حقن اللغة بالحياة.. و يجب حقن الحياة باللغة ..و لعل سر اللغة يكمن في حقيقة أن من يقرأ اللغة هم نخب اجتماعية ومتعلمون وهم من يصنع الرأي ويقود عملية صياغة الثقافة في أي مجتمع .. و عندما نكتب فإننا نكتب لهؤلاء .. و الاستحواذ على عقلهم يعني استعمال هذه العقول كممرات ومنصات للوصول الى الجمهور .. وهي ربما طريقة لمعاكسة تأثير الصورة والميديا والاعلام في المجتمع وخلق لتوازن ضروري .. وعدم حقن هذه النخب المتعلمة باللغة والرأي القوي سيجعلها منقادة لعقل الجمهور والغوغاء الذي تقوده الميديا والصورة كما تقود الحبال المواشي .. كما هو ربيع العرب ..

   سابقاً قال أدونيس أن اللغة هي وطنه .. ما هو وطن نارام؟ أو بمعنى آخر: هل يعتبر نارام سرجون نفسه "مؤدلجاً" بفكرة قومية ما؟

 لا أدري ان كان أحدنا يكتب من غير إيديولوجيا .. خاصة إذا كان يتناول الشأن السياسي في كتابته .. كل كتابة هي عصارة ايديولوجيا ..حتى عنترة العبسي كان مؤدلجا بالتمرد والاحتجاج وثورة الحب ..وأنا لم اقدر في عصر تنمو فيه اسرائيل بجانبي وتهاجمني كل عام .. وتهاجمني كل أزمات المجتمع العربي وحروبه المتلاحقة .. لم أقدر الا أن أكون متأثرا بكل الايديولوجيات .. أنتقي منها وأتفيأ بظلالها ..

ان كان أدونيس يستوطن اللغة فانني لست أدونيس فهو من ملاك اللغة واقطاعييها ويمكنه أن يكون كأوناسيس يملك جزيرة كاملة في مملكة اللغة .. وأنا لست من الملّاك كما تعرف فأنا لاأملك سوى مجموعة من المقالات والآراء .. ولذلك فانني لاأستوطن اللغة بل ان اللغة تستوطنني وتسبح في شراييني ..وتتنشف بقمصاني بعد كل حمّام سباحة على ضفاف عروقي .. و تعبث بأوتار قلبي كلما أرادت أن تلهو و تسترخي..

  كيف يقيّم نارام الجيل الجديد من الشباب و الشابات الذين يكتبون اليوم سواء في الساحة الافتراضية – و بعضهم ينشر في صفحتك – أو في منابر أخرى؟ و ما هي نظرة نارام لاتحاد الكتّاب العرب و دوره في هذه الأحداث التي تعصف بسورية؟

 لاأقدر على الاحاطة بما يكتب لكن ماأراه من أسراب الكلام الذي يطير من حولي برشاقة ويحط بسرعة على أغصان الانتباه يستحق أن يوصف بأنه ولادة لثورة في الكلام ..هناك شيء يريد أن ينمو ويطلع من مفاصل الصخر.. وهناك مارد يتململ ..أحاول مع غيري عبر محاولاتنا أن نكسر مفاصل الصخر لينبثق ..

تسألني عن اتحاد كتاب العرب .. وهل بقي للعرب كتّاب في اتحاد؟؟ لم يبق للعرب أي نوع من أنواع الاتحاد .. لاسياسي ولااقتصادي ولاثقافي ولاعلمي .. لم يبق لنا الا اتحاد علماء المسلمين بقيادة القرضاوي ... ماذا يعني اتحاد الكتاب العرب ؟؟ ماهذا الاتحاد الذي هزمه اتحاد علماء المسلمين بزعامة شيخ رديء بمستوى القرضاوي ومن قلب جزيرة لو ألقينا عليها دواوين العرب فقط لغرقت في البحر من الأثقال .. كيف لاتحاد كتاب أن يهزمه مشعوذون مثل عمرو خالد يوزع كلاما في شرق مصر وغربها أكثر مما وزعه طه حسين وعباس محمود العقاد وابراهيم المازني ونجيب محفوظ مجتمعين ؟؟ كيف لاتحاد كتاب يستطيع أن ينجب كتابا يختلفون في أولوية العقل على النص المقدس؟؟ .. فبعد كل هذا النزاع الشهير بين فلسفتي ابن رشد والغزالي وادراكنا لخطورة أن يهزم النص المقدس حرية العقل عدنا الى تقديس النصوص .. ولكن هذه المرة النصوص المقدسة ليست لاهوتية بل مكتوبة في مخادع الأمم المتحدة .. يخرج علينا كتّاب ينتصرون لنصوص مقدسة مكتوبة في جنيف عن ثرثرات حقوق الانسان وعن اللعبة الديمقراطية التي يصنعها المال فقط .. وينتصرون لفكرة الحرية حتى ان كانت مخفورة بالناتو .. ولاينتصرون للعقل الذي يختلف مع نصوص هذه المؤسسات ويقول بأن الوطن قبل الديمقراطية .. والأمان قبل الحرية والانفلات..

ولو رفضنا هذه النصوص المقدسة عن الحرية و اللبرالية السياسية المفصلة على مقاس الغرب واسرائيل لما خسرنا العراق وليبيا ولما تم تبرير الخيانة في مجالس الحكم من مجلس حكم بريمر في بغداد الى مجلس حكم غليون في استانبول .. تقديس النص القانوني لصندوق الانتخاب والديمقراطية ألغى عمل العقل الوطني .. فالعقل يقول ان الصراعات الداخلية والأزمات في أية أمة تطور طبيعي لكنها ليست طبيعية عندما تقفز الى منصات التدخل الخارجي واستيراد الحلول كاملة من ثقافة غير ثقافتها بدل تهجين الثقافة الذاتية..

لم يستطع اتحاد كتاب العرب أن يوقف انحطاط النخب و انهيارها فانهارت القواعد وطنيا و أخلاقيا و حتى دينيا .. فانتعشت الوهابية و التطرف والطوائف وصارت الجزيرة سوق عكاظنا .. بل وتسابق الكتاب العرب واتحادهم الى سوق عكاظ حمد بن خليفة بدل أن يهدموا أعمدته ويقتلعوا أوتاده ويرموه على ظهور ابله ليتشرد معها..

لاألوم الديكتاتوريات على غياب اتحاد كتاب قوي وابداعات الكتابة .. ففي عصر ديكتاتورية عبد الناصر ظهرت ابداعات الكتاب العرب .. وفي عصر أزمات العراق وصراعات البعث العراقي مع القوى السياسية نهض الجواهري وبلند الحيدري ومظفر النواب .. و في عصر القياصرة ظهرت "الجريمة و العقاب" و ظهرت "الحرب و السلام" ..و كان يفترض في عصر ديكتاتوريات العرب أن ينهض اتحاد كتاب العرب ليقود المعركة وي علن ثورة بدل أن ينتظر ان يقود موسم الجنادرية و كتاب حمد بن جاسم و موزة بنت مسند ثورة الفكر و ثورة العرب .. فأكلت هذه الثورات العرب وكتابهم واتحاد كتابهم ..

  ما هو الأمر الذي يمكن أن يجعل "نارام" يلوذ إلى الصمت؟ و هل كتبت وصية لتلاميذك؟

  ياصديقي .. هل انا صامت؟؟ لو لم يكن لكلماتي صدى لما وصلت اليك و لما وصلت أنت الي .. الا اذا كنت تعتبر الظهور المسرحي و الاعلامي عملية ضرورية لكسر الصمت ..

أما سؤالك عن الوصية فأزعم أنك تقصد (توصية) لأن الوصايا تخيفني .. ليس لأنها تعني ادراك اقتراب الرحيل .. فمن منا لن يرحل ؟؟.. بل لأنها تقول ان الأفكار تموت بموت صاحبها فيسقيها بوصية كأن الوصية اكسير الحياة .. ونبتة الخلود التي فتش عنها جلجاميش ..

لا ياصديقي لاأكتب وصية .. ولن أكتب .. لأن ماكتبت هو وصيتي .. و من يقرأ ما كتبت يعرف أن حدود وصيتي تقع بين أول كلمة كتبتها و حتى آخر كلمة سأكتبها .. و اذا كنت تعني بالوصية (توصية) فان ظهور التاء هنا يخيفني أكثر..لأنني لست منظرا لحزب و لا صاحب نظرية كي أكتب توصية .. كتابة التوصيات عمل جبار و خطير و يكاد يكون من اختصاص الأنبياء و الكتب المقدسة .. كمن يقول (اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الاسلام دينا) ..أما أن يكون لي تلاميذ فهذا ليس طموحي .. واذا كنت أريد التعريف الدقيق لمن يواكبني في كتاباتي و يقرأ لي فهم رفاق الدرب و أصدقاء المرحلة .. و هم من يقومون لي مساراتي و ينهضونني في كبواتي و انا حريص على قراءتهم في تعليقاتهم لأنني اتعلم منهم و أحس بأحاسيس التلاميذ أمام بعضهم و هم ينتقدون أو يؤيدون و يباركون عندما يؤيدون و عندما يعارضون ..

دعنا نخرج من اطار أن من يكتب يكتب لأتباع وتلاميذ ويجلس مثل بوذا في معبده أو مثل وعاظ المنابر الدينية .. اننا نكتب منذ اليوم لنتعلم .. القارئ استاذ و معلم وموجه .. وأنا في كل مقالة أكتبها أتوتر كمن يتقدم بامتحان لأساتذته .. و لا أرمي كلامي على عواهنه لأن القارئ ليس ملزماً باستهلاك إنتاجي كأنني صاحب مصنع يصنع الشوكوكلاته .. عندما أكتب يصيبني القلق ليس لأنني أريد أن أكتب ما يريده الجمهور .. و ليس لأنني أريد أن ألتقط الاستحسان بل لأنني أريد ان أضع أفكاري في مختبر التجربة لأرى صوابها و دقة معاييرها و حساباتها و بياناتها.. فإن نجحت الأفكار التي أكتبها في الاحتكاك بأحجار صوان الآخرين وقدح الشرر من الاحتكاك وأضاءت النار من النقاش أضاء الدرب لي ولغيري وتقدمنا خطوة اضافية الى الامام في الاتجاه الصحيح في هذه العتمة .. وان لم اجد الشرر ولم يحصل الاحتكاك في مخبر التجربة سواء بالتأييد أو بالاعتراض فان الفكرة التي سقتها ميتة و اجابتي في الامتحان تستحق علامة الصفر ..و أعوذ بالله من علامة الصفر ..

 شبكة شام الإخبارية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز