موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
أحيانا... وربما غالبا

مرة إثر أخرى, نزعل ونرضى. كرة بعد كرّة  ننحب ونأسى ثم نعفو, نصفح وننسى. الآن حان الوقت لكي يرمي كل منا بقفّزاته جانبا ويعتمر قبعته جيدا  ويرتدي معطفه الأنيق ويلتحف بشاله الوثير ويتبادل عبارة "عش سعيدا" ثم  يمض  في أهوال الثلج وأعاصير الضباب ولكن كل في طريقه   المتفرّد ودربه الأوحد البعيد.  

تعبتي؟؟.... وأنا تعبتْ.... سئمتي؟؟.... وأنا سئمت... كرهتي؟؟..... لم أكره... ولكنني في أعماق الغياب مضيت وتواريت.

كنت  في الفيلا وحيدا.. ممددا على ظهري أحدّق في السقف آخر الليل. وكان المطر يواصل انهماره الغزير مدغدغا بأنامله زجاج نافذتي. مرّت سيارة في الشارع, انعكس ضوءها في السقف, راح الضوء يزحف مضمحلا ومتواريا مع أنين المحرك في الزقاق الجميل. صار سقف غرفتي شاشة للعرض, تزاحمت فيها ذرات الماء المنعكسة بالضوء, اختلجت شاشة السقف, تشوّشت وتوتّرت كأنها أصيبت بعطل فنيّ, ثم ظهر وجهك باسما وراح يزداد حدّة ووضوحا:

هل تحبني؟؟؟

+ أحبك

فقط؟!!

+ لا.. أحبك كثيرا.... كثيرا جدا.

يضحك وجهك المراوغ ثم يختفي من الشاشة قبل أن يطل مجددا ولكن هذه المرة ناضرا وحزينا:

خمس سنين ونحن نبني بيتا من وهم وقلاعا من سراب.

خمس سنين ؟؟  نعم ربما...ولكننا لم نبن بيتا من وهم وقلاعا من سراب بل كنا ندور حول بيتنا الصغير  في الحديقة, نلهو ونلعب لعبة المريض والدكتورة, انام على الرمل, تنزعين سماعات الفحص البلاستيكية عن أذنيك, تضعين رأسك على صدري كأنه وسادة, تستمعين إلى دقات قلبي, ترفعين الرأس المغرور بمرح: أيها السيد الصغير, حالتك ميؤوس منها فأنت مغرم حتى الموت.  

كان البيت قائما ومشيدا... كان نابضا وحقيقيا ولكننا نحن الذين تغييرنا وتكبّرنا عليه.

صغر البيت وأقفرت الحديقة, كبرنا, كبرت أجسادنا, صارت رؤوسنا المثقلة بالهموم كبيرة وعصية على الدخول من باب ذلك البيت الخشبي الصغير.

مرّت سيارة أخرى, انعكس ضوءها في السقف, بهت وجهك ولكنه لم يختف, صارت ذرات الضوء المنعكس في السقف  شريطا قديما من زمن السينما الصامتة العتيقة, لم أفهم ما قالته حركات شفتيك, لم أفهم الاشارات المتكررة من أصابعك ويديك.  مرة كانت تبدو كأنها إشارات غضب ومرة ترفد نظراتك الحالمة الحنونة  ومرات عديدة كانت تضّج بالأسى كأنها إشارات استغاثة أخيرة.

غابت السيارة في الزقاق, غابت ملامح وجهك في الجدار, غرق السقف في الظلام, غبت أنا في السرير, غاب السرير في الفيلا, غابت الفيلا  في المدينة, اختفت المدينة في الخارطة, ضاعت الخارطة في الكرة الأرضية, دارت الأرض كرة زرقاء دورات عديدة وهي تخرج من تطبيقات جوجل إيرث قبل أن تستقر جاهزة أمامي في شاشة الكومبيوتر.

هنا أوروبا.. مرحبا بك أيتها الحقيقة العارية المجردة.....ووداعا أيتها اللحظات الحالمة السعيدة.

هنا أوروبا.... و"من هنا تبدأ الخارطة والكلمات".

لم يبقى من ثورة اللحم البض والدم الطازج الفائر وجنون العاطفة المشبوبة المجنونة في لقاءاتنا الدموية العنيفة حين يختلط التثريب بالصراخ والوعيد والدموع بالعناق والقبلات المتوحشة سوى حفنّة من التطبيقات المجانية البائسة يضعها بتصرفنا  سكايب وياهو ماسينجر.

لم يبقى من ذلك التغوّل الشهوي المسعور ولهاث الأنفاس المتسارعة الرهيبة حين نتعانق ونتشظى كوكبين من لهفة ودمار سوى لقاء فاتر لخطين ممتدين بين قارتين, بين فتاة ترسل من سيبر كافيه قليل الجودة الى رجل يقعد أمام جهازه الجيد ولكنه قليل الحيلة.

كنت حريصا عليك, حذرا لأجلك واليوم صرت عاجزا عنك, ضعيفا لا أستطيع الوصول اليك. اصيبت روحي بالشلل وصار قلبي عنينا. تباعدت أيدينا وافترقت أصابعنا.

في ساعات لقائنا الأخير... وفي لحظات جنوننا المنفلتة وبراكين الشبق المتلظية في حواسنا وأنفاسنا:

ألا أحلّ لك؟؟؟

+ بلى

إذا ماذا ننتظر؟؟

+ لا أستطيع.. لا بد وأن تلبسي ثوبك الأبيض أولا.

انهمر الثلج أبيضا فوق الألزاس. غمر البياض الشوارع والبيوت. تجرّأت إوزة بيضاء, خرجت من نهر الراين سعيدة, راحت تتمشّى منتشية فوق الطرقات المغطاة بطرحة ناصعة نقية.

تقطّع الارسال الضعيف أصلا في خطوط الانترنت,  تقطّع الصوت, توقّفت خدمة الفيديو, صار لابد من الكتابة. صار التفاهم شاقا وصعبا, صارت الكلمات القليلة المكتوبة في مرّبع ياهو الصغير تحتاج الى ترجمات طويلة وعريضة. خمدت مشاعر الشوق وخبت حرائق الرغبات.

 

صرنا نقطتين صغيرتين على يسار الصفحة, نقطتان تصفرّان وتنطفآن تبعا للإتصال بالإنترنت أو الانفصال عنه.   

متى تكون أون لاين؟؟

+ أحيانا أكون وأحيانا لا أكون ولكن..

ابتداء من اليوم سأكون غالبا  خارج التغطية.... الى أن أصبح خارج الخدمة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز