د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
العراق، القديم الذي يعيش في الجديد

يقول لنا علماء الإجتماع إن هوية الإنسان هي عماد حياته الإجتماعية والنفسية، إنْ هي إنهارت تنهار معها تلك الحياة. ويقول لنا هؤلاء أيضا إن هوية الإنسان ليست بسيطة وأحادية العنصر، بل هي معقدة، وتتركب من عناصر مختلفة، وتشكل طبقات عديدة تأتي بعضها فوق بعض، بمعنى أن الإنسان يكتسب على الدوام عناصر وطبقات جديدة في هويته، دون أن تُفرض عليه. ويقولون أيضا إن الطبقة المكتسبة أخيرا في الهوية تكون هي الطاغية دون أن تلغي الطبقات التي تحتها، بل إن أيا من تلك الطبقات القديمة قد تجد منفذا لها في الظروف التي يعيش في ظلها الإنسان فتقفز إلى الأعلى، وتطغى من جديد. والإنسان يميل بشكل طبيعي إلى إبراز ما يناسب من هويته الوسطَ الذي يعيش فيه - دون أن يعني ذلك دائما التلوّن أو الإنتهازية.
 
 وحين يقول العلماء كل ذلك فإنهم لم يخمنوه، أو يستنتجوه من النقاشات والثرثرة، بل من أبحاث ودراسات تناولت أعدادا كبيرة من الناس، واستخدموا فيها مناهج البحث العلمي، ولذلك فإن أيا منا يمكن أن يجد بنفسه أمثلة عديدة تشهد على صحة ما يقولونه. ألم تر في الوسط الذي تعيش فيه، صديقي القارئ، أشخاصا كانوا شيوعيين، مثلا، تحسبهم ورثة ماركس ولينين، وأمميين كأن الواحد منهم آدم، وكل البشرية أولاده، لا يفرق بينهم، لكنه وعلى حين غرة صار يصرّح بأنه مسيحي قبل أن يكون أي شيء آخر، أو أنه "شيعي" قبل أن يكون أي شيء آخر، أو أنه "سني"، ويكره "الروافض"، و"الصفويين"، و"المجوس"، بل وراح الواحد منهم ينقّب هنا وهناك بحثا عن لقب يشير به إلى العشيرة، أو القبيلة التي ينحدر منها جده العاشر؟ ثم راحوا جميعا يتناحرون تحت رايات هوياتهم المقدسة؟
 
 نعم، الهوية وعناصرها بدءً من الإسم والأسرة، وعبر القرية، والمدينة، والعشيرة، والبلد، إلى فضاءات الفكر، هي عماد حياتنا، وتتحكم بنا في أغلب الأحيان أكثر مما نتحكم بها. وهذه الهوية هي، في تعريف بسيط، ما نشعر بأننا ننتمي إليه، وفي أحيان كثيرة نكون غير واعين بمحتويات بعض طبقاتها لأنها تحوي عناصر لا حصر لها دخلت فيها من أبواب التاريخ البعيد، أو من أبواب متفرقة، سياسية، ودينية، وخلقية، ونفسية. تكلم مع أي عراقي، صديقي القارئ، عن بابل، وستجده معنيا بالأمر لأن بابل عنصر أساسي في هوية الإنسان العراقي، مع أن أقلية بسيطة من العراقيين ينتسبون عرقيا إلى بابل، ولا ينتمي إليها أحد دينيا. بابل رمز الحضارة العراقية القديمة.
 
 هناك فرق كبير بين نظرة العالِم والعاقل إلى الهوية وتقلباتها وبين نظرة غير العالم والجاهل. فالأولان ينظران إلى الأمر كشيء طبيعي لأن الإنسان حين ينتمي إلى شيء، جيدا كان، أو سيئا، أو حياديا في قيمته الإجتماعية، فإن ذلك الإنتماء يبقى، ويصبح واحدا من إنتماءات عديدة له، ولكن لا يلزم الإنسان أن يبرز كل إنتماءاته دون أن تكون هناك مناسَبة لذلك، فيبقى الإنسان في الغالب بهوية فوقية يحب أن يبرزها لأنها الأخيرة التي يرضاها.

 ولكي تطغى طبقة معينة في هوية الإنسان وتثبت، فإن الإنسان يحتاج إلى وضع ثقل هائل من القناعة والإيمان في هذه الطبقة بحيث يستحيل، أو يصعب إحداث فجوة، أو خرق، أو شرخ فيها تتسرب من خلاله محتويات الطبقات الأخرى، وتطغى، إن كانت غير مرغوب فيها، فهذا الشخص الذي بعد سنوات من الكفاح تحت راية الشيوعية والتي كان من الممكن أن يسقط فيها ضحية "الصراعات الطبقية"، يأتي الآن، ويصرح أنه مسيحي قبل كل شيء آخر، يعبر عن حالة طبيعية إلى أبعد الحدود، فقد ولد في أسرة مسيحية وليست شيوعية، وتشبع على مدى ربع قرن، مثلا، بـ "المسيحية" فأصبح الإنتماء إلى المسيحية في الحقيقة طبقة راسخة ومتماسكة في هويته، ثم جاءت الطبقة الشيوعية، ولم تحظَ بفرصة للترسخ مثل المسيحية، فبقيت طبقة رقيقة لم تستطع كبح ضغط الطبقة التي تحتها حين استفزتها التهديدات والمخاطر التي تواجه المسيحيين في العراق، وسورية، ومصر، وغيرها، فصار في وضع جعله بسهولة يخرق بنفسه طبقته العليا، ويسمح بتدفق ما تحتها إلى الأعلى، لتحدد قراره بإنتمائه - إلى المسيحية قبل كل شيء. ونفس الشيء يحصل للشيعي، وللسني، ولغيرهم.
 
 أن نقول إن هذه الحالة طبيعية لا تعني أبدا تبريرها، إنما تعني فقط أن هذه الحالة هي السائدة في الواقع، فلو أخذنا عددا من الناس لننظر إلى تقلبات الهوية التي يمرون بها نجد أن القسم الأعظم منهم، ربما ثمانين بالمئة، يمكن أن يعانوا من التقلب في هوياتهم لأتفه الأسباب، وكأن الهوية الطاغية في حياتهم كانت زائفة، بينما يحافظ الآخرون على درجات متفاوتة من ثبات الهوية بانتظار أسباب أقوى، وقد يسقط الشخص ما قبل الأخير بين المئة عندما يصاب شخصيا بأذى من أشخاص يحملون هويات معينة، مناقضة لهوية سابقة كانت ذات يوم قوية في حياته، فيعود إلى تلك الهوية السابقة، ويعرّف نفسه بها. ولا شك أن واحدا بين أولئك المئة سيبقى متمسكا إلى النفس الأخير بهويته الغالبة، الأممية، أو الإنسانية، أو الشيوعية، فيبقى مصرا على أن المصيبة التي نمر بها لا تخص المسيحيين، أو الشيعة، أو السنة، أو العرب، أو غيرهم وحدهم، بل إن قوى شيطانية في العالم تخطط لإبادتنا جميعا، ونحن في الواقع نساعدها بالعودة إلى طبقات بدائية في هوياتنا، والتناحر.

 وبالمناسبة فإن الطبقة الطاغية في هوية الإنسان لا تكون بالضرورة سياسية أو دينية، أو عرقية، بل يمكن أن يشكلها أي نشاط يقوم به الإنسان، العمل مثلا، فالكاتب، والأكاديمي، والفنان، ورجل الدين، كل منهم يلعب ما ينشطون في مجاله الدور الأساسي في بلورة الطبقة الطاغية في هويتهم. بل إن المرض نفسه قد يكون جزء مهما، وطاغيا، في هوية الإنسان، فهناك من يتعامل مع نفسه كشخص مريض - ربما لطول المرض، ويريد أن ينظر الآخرون إليه أيضا كمريض ويعاملوه على ذلك الأساس. وغير ذلك، فإن الطبقة الطاغية لا تلزم أن تكون إيجابية وجميلة في كل الأحوال، فالقبلية، والطائفية طبقات بدائية، ومتخلفة في هوية الإنسان بكل المقاييس الإنسانية، وكثيرون لا تعلو على هذه الطبقة في هوياتهم طبقة غيرها، ورجل الأمن وخبير التعذيب يستحم في طبقة من القذارة تفوح منها رائحة العفونة، وهناك قصص عن جلادين في أقبية التعذيب في الأنظمة العربية أفاقوا ذات يوم، وتنبهوا إلى أن تحت تلك الطبقة من حمام الوساخة التي يسبحون فيها طبقة نظيفة، أو على الأقل أقل وساخة! فأصيبوا بالإنهيار النفسي، وانقلبوا إلى أشخاص يبحثون عن فرص التوبة والغفران. وغير ذلك أيضا، فإن الطبقات القديمة في هوية الإنسان لا تكون بالضرورة سيئة، أو متخلفة، بل هي أجزاء ارتقى عليها الإنسان إلى ما هو أسمى، وأعم، وأشمل؛ كذلك فإنها قد تكون حيادية في قيمتها الإجتماعية والسياسية، كأن يكون جزءً من هوية الإنسان أنه خريج جامعة معينة في بلده، أو في بلد آخر.
 
 إن الإنسان، بلا شك، هو صاحب الحق الوحيد في تعريف نفسه، وهويته كما يراها - حتى لو كانت بدائية في نظر الآخرين، ولا يحق لأحد أن يعرّف لأحد هويته، أو يحددها، كما يشاء إلا إذا كان يهدف إلى الباطل. ومن أصعب الأمور تجريد الإنسان من هويته. إن محاولة تجريد أحد من هويته هي محاولة لقتله إجتماعيا، بل هي أفظع. ومثل ذلك في الفظاعة ما يمكن أن يفعله أحد بحق إنسان آخر بأن يفرض عليه هوية غير التي يراها، ويرتضيها الشخص المعني، ومن ثم التعامل معه على أساس هوية ليست هويته. من القصص التي رويت لنا في زمن الراحل صدام حسين أن أجهزة الأمن، حين كانت تفشل في إسقاط معارض عن طريق التعذيب، كانت تلجأ معه إلى طريقة مسخ الهوية بأن تعطيه، وهو في قبضتها، هوية ذميمة وتعامله وكأنه فعلا حامل تلك الهوية، وإسماعه ذلك في كل التعامل معه ليل نهار حتى يصل المعارض حدا يريد معه الخروج من السجن بأي ثمن لأنه لا يطيق ما يخاطبونه به. والغريب أن نرى الشيء نفسه يمارسه بعض الجلادين خارج أقبية التعذيب حين يفرضون هوية ما على أحد، ظنا منهم أنهم يمارسون التعذيب، وسيحصلون بنفس الطريقة على ما كان يحصل عليه أقرانهم في أقبية التعذيب.

 والهوية، صديقي القارئ، لا تخص الأفراد وحدهم، بل إن الجماعات، والشعوب، والأمم لها هوياتها، وهي ليست أقل تعقيدا، ولا أقل استعصاءً على التغيير بالقوة، لكنها تتطور وتتغير حسب قوانينها الخاصة بها. ولا يمكن لأحد أن يمسخ هوية شعب من الشعوب مهما اتبع من وسائل. إن الإستعمار الفرنسي أدخل في هوية الشعب الجزائري بعض العناصر الجديدة نتيجة حكمه لهذا الشعب لقرن ونصف قرن، لكنه لم يستطع تغيير الهوية الجزائرية. والأمثلة على هذا كثيرة. وكذلك التطورات الدرامية السلبية، مثل الغزو والإحتلال أو الحرب الأهلية، التي تحدث في إطار بلد ما، أو شعب ما، لا تغير هوية ذلك الشعب بشكل درامي إلى نقيضها، بل يمكن أن تعيد فئات عريضة من ذلك الشعب إلى طبقات قديمة في هويتها. أما التغيرات الإيجابية، مثل بروز هوية وطنية واحدة لشعب ممزق، فإنها يلزمها وقت طويل كي تترسخ - ومرة أخرى دون أن تمحي ما قبلها نهائيا. إن القديم يعيش دائما في الجديد، أو على مقربة كبيرة منه، تحته أو بجانبه.

 ومن كل هذا يمكن للمرء أن يتساءل عن كيفية التعامل مع مسألة الهوية بكل تعقيداتها، وهل يمكن للمرء فعلا أن يصر على هوية راقية معينة حين تسلط الظروف ضغوطا عليه تنعكس في إنسحابه إلى هوية قديمة؟ ربما يقول لنا العلماء إن تجنب الحركة الديناميكية لهوية الإنسان في تفاعله مع ظروفه أمر مستحيل، ويجب القبول به والنظر إليه كظاهرة عادية على المستوى الشخصي. إن الجانب الخطر في مسألة الهوية يكمن فقط في تدخل قوى فاعلة بإصرار وبشكل واع في محاولة التحكم في تحديد الناس لهوياتهم الطاغية فيما يتعلق بالطبقات العرقية، والدينية، والطائفية، والعشائرية، فالذي يُرسل مجرما ليفجر نفسه وسط مجلس عزاء للشيعة يستفز الطبقة الشيعية في هويات آلاف من الناس تجاوزوا في الواقع هذه الطبقة. واغتصاب إمرأة من قبل سجان شيعي وقيام قناة تلفزيونية، فرضا، بالتركيز على كون تلك المرأة "سنية" يستفز الطبقة السنية في هوية كثيرين كادوا ينسون أنهم "سنة". والناس ينسون أن الجلادين في سجون نظام حزب البعث في العراق، مثلا، كانوا شيعة وسنة، وكانوا ينتهكون إنسانية السجناء، سنة وشيعة، دون تمييز. والسيطرة على هذا الجانب الخطر في التعامل مع الهوية تتوقف على القادة السياسيين لأي مجتمع، فإن كان أولئك القادة أنفسهم بين الثمانين بالمئة الذين قلنا إنهم يغيرون هوياتهم لأتفه الأسباب، أو أن الطبقة الطاغية في هويتهم كانت على الدوام بدائية ومتخلفة، فعلى شعوبنا السلام.
 
 في حياتنا السياسية الحاضرة برزت منذ ثمانينيات القرن الماضي أيضا ظاهرة غريبة تتعلق بالهوية الإسلامية لبعض الشعوب المسلمة في المنطقة، وارتبطت تلك الظاهرة بنزعات التكفير التي مصدرها شبه الجزيرة العربية، وتحديدا الحركة الوهابية التي كانت على مدى قرن كامل قبل ذلك في حالة تشبه الخمود، أو حتى الضمور والإندثار. وإلى هذه النزعة وصوتها النشاز انضمت تدريجيا، عن وعي أو غير وعي، فئات سياسية وإجتماعية مؤثرة تحمل هويات عصرية أبعد ما تكون عن ظلامية الحركة الوهابية، فقد صرنا منذ عام 1980 نسمع عبارة "الفرس المجوس" في الخطاب السياسي العراقي - بقيادة حزب البعث العربي الإشتراكي، سرعان ما أصيبت بعدواها فئات مماثلة في بلدان عربية أخرى. وصرنا خلال العقد الماضي أيضا نسمع بكثافة غير عادية عبارة "الصفويين" في وصف الإيرانيين. إن ذلك جرى، ويجري بشكل مدروس، والهدف منه هو خلق التناحر على مستويات مختلفة، شخصية، وفي صفوف فئات الناس في الوطن الواحد، وعلى مستوى الإقليم.
 
 مما صرنا نراه بوضوح الآن أن ذلك النهج المشؤوم الذي بدأه نظام الراحل صدام حسين، أثناء حرب الثماني سنوات مع إيران 1980-1988، في العودة إلى طبقات مندثرة في هوية قسم من العراقيين وتغليبها على الهوية الوطنية لكل العراقيين، كان إمعانا في تدمير الهوية العراقية التي كان من المفترض أن تبني على عنصر الإنتماء إلى العراق المعاصر، كما هي الحال في كل دولة عصرية. إن العزف على وتر القعقاع وحربه مع المجوس فتح الباب على مصراعيه أمام كل العراقيين للعودة كل إلى ماضيه، وإلى طبقات هويته القديمة، وحتى المندثرة. وهنا، كان لا بد من التساؤل ما هي علاقة المواطن الكردي بالقعقاع حتى يشارك في قادسيته الثانية1؟ وما علاقة المواطن التركماني بابن الوقاص؟ وما علاقة العراقي غير المسلم بالقادسيةأصلا؟ بل وماذا عن أولئك العراقيين الذين كانوا يحملون شهادة الجنسية العراقية من فئة "ب"، أي إنهم كانوا يُعتبرون تبعية فارسية؟ وماذا عن أولئك الذين يتميزون عن الفرس بالعرق واللغة، ولكن يشتركون معهم في العواطف الطائفية؟ بل وماذا عن الآخرين الذين لمسوا تمسك الإيرانيين بهويتهم الإسلامية أثناء الحرب، عدا عن أن ثورتهم قامت على أساس إسلامي؟ هذا طبعا ناهيك عن لا عقلانية الحرب نفسها. كان ذلك إستهتارا بالهوية الوطنية للعراقيين ونبشا في طبقات مندثرة لا فائدة منها.
 
 ظن الراحل صدام2 أنه يستطيع أن يجعل القعقاع المثل الأعلى لكل العراقيين، أو أن إسمه كان يشكل أصلا عنصرا، أو حتى طبقة راسخة في هوية كل العراقيين، ولم يكن الأمر يحتاج إلا إلى بعض الأغاني الحماسية، وبعض القصائد الشعبية لجعل تلك الطبقة تتجدد، وتتدفق إلى وجدان العراقيين كلهم كأنها عين ماء يعلو على كل شيء! قيل إنه كسب الحرب، لكن ذلك لم يكن قطعا بفضل القعقاع، لأن القعقاع في قادسيته الثانية لم يهزم الفرس، بل أنزل من العلياء إلى القاع الهوية الوطنية للعراقيين والتي كانت في طور التشكل من سبعة عقود، وهشمها كم يتهشم الفخار.
  
قلنا في أعلاه إن حديث القعقاع كان إمعانا في تدمير الهوية الوطنية العراقية، ذلك أن العبث بهوية المواطن العراقي بدأ، في الحقيقة، قبل ذلك بوقت طويل، حين فُرض الدخول في حزب البعث على كل عراقي، بالترهيب، بعد فترة طويلة كان فيها دفع الناس إلى الإنتماء إلى الحزب بالترغيب، وتحصيل المكتسبات الشخصية. وجُعل الإنتماء إلى ذلك الحزب مقياس الوطنية، وأسقطت الوطنية عن كل من لم ينتم إليه، وحرم من خيرات وطنه. لا يُنكر أن عراقيين كثيرين لم تكن لديهم، طوعا أو كرها، مشكلة في التلون بلون البعث كطبقة خارجية يخفون تحتها هويات أخرى، لكن أواخر السبعينيات شهدت فظاعة لا تطاق في العبث بهوية العراقيين، إذ كان يُفرض على المعارضين بعد إسقاطهم واستحصال المعلومات منهم عن أحزابهم بمختلف الوسائل، يُفرض عليهم الإنتماء إلى حزب البعث، أو إلى منظمة تابعة له لتأهيلهم للقبول في صفوف البعث، كذلك فُرض على كثيرين وبمختلف الوسائل، وبالإبتزاز، العمل لصالح أجهزة الأمن السيئة الصيت. تصور صديقي القارئ الشاب - أخاطبك أنت لأن الجيل السابق يعرف هذه القصص، أن إنسانا يعتبر نفسه مستقلا، أو متدينا، أو شيوعيا من خيرة أبناء البشرية، يجد نفسه، رغما عنه، وقد أصبح منتميا إلى حزب من أهم ممارسات أعضائه كتابة التقارير عن الجيران، وزملاء العمل، بل وعن الأهل، أو أسوأ من ذلك، أنه أصبح مخبرا مباشرا لأجهزة الأمن التي عذبته، وأهانته، وحطمت كبرياءه، وجردته من هويته، وكل ذلك مخافة أن يتعرض هو أو عائلته لما هو أفظع من ذلك.
 
 لا ينبغي لنا أن نلوم الأجنبي في تفرقنا، فهذا ما جنيناه نحن على أنفسنا، وحين جاء المحتل الأمريكي إلى أرضنا قبل عشر سنوات رآها ممهدة لمشروعه لتقسيمنا، ولم يفعل الساسة، خلفاء صدام حسين، إلا أن زادوا الشرخ عمقا، ووضوحا منذ مشاركتهم فيما سميّ بـ"مجلس الحكم" المشؤوم، وسقوطهم في هاوية المحاصصة الطائفية. تصوّر، صديقي القارئ الشاب، أن الشيوعيين الذين هربوا من أن يصبحوا مخبرين لنظام صدام كرها، عادوا فأصبحوا، طوعا، عملاء للاستخبارات الأمريكية؛ والذين رفعوا السلاح في البداية للدفاع عن الوطن ضد المحتل سرعان ما انسحبوا إلى طبقة متخلفة في هويتهم، وشكلوا ميليشيات ما أطلق عليها بـ "الصحوات"، ووضعوا أنفسهم تحت قدمي الجلاد بوش.
 
 إن تغليب أي عنصر في هوية المواطن على عنصر الإنتماء إلى الوطن جريمة تاريخية نكراء، وسوف تلعننا أجيالنا القادمة بسببها، واللعن هو ما سيستطيعون فعله، إذ سيصعب عليهم، إن لم يرثوا أخلاقنا الفجة، إخراجنا من قبورنا لمحاكمتنا، كما نفعل نحن اليوم لأن بعضنا عاد القهقرى حتى إلى الطبقة الجاهلية في هويته، وصار ينبش قبور من ماتوا من مئات السنين لأنه يختلف معهم طائفيا.
 
 إنه لمؤسف حقا أننا لا نرى بين القادة السياسيين في المجتمع العراقي في الوقت الحاضر من ينتمي إلى فئة "الأخير بين المئة" الذي يصر على أن إنتماءه إلى العراق فوق كل شيء آخر، وقبله، وبعده.
 
1 نستغرب أن الشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد يحمّل نفسه مسؤولية هذه الجريمة التاريخية الفاضحة، فيدعي أنه هو من إخترع عبارة "القادسية الثانية" لصدام حسين.
 
2 لا بد أن نذكر هنا أن صدام حسين كان قبل ذلك بوقت طويل أول عراقي أسقط عن إسمه نسبته إلى مدينة (التكريتي)، وكان ذلك في نظر البعض مؤشرا إيجابيا على أنه يسمو عن الإنتماء إلى مدينة في بلد يحكمه كله، لكن ذلك كان على ما يبدو مجرد إستغناء عن تعريف زائد، ولم يكن نهجا يتعلق بالهوية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز