ماهر عابد
mahr1275@yahoo.com
Blog Contributor since:
18 April 2012



Arab Times Blogs
كيف عملت السياسات الفلسطينية على تدمير القطاعات الإنتاجية؟

تعلن السلطة الفلسطينية عن تبنيها لنظام الاقتصاد الحر في سياساتها الاقتصادية, وتبعا لذلك فهي ترسم سياساتها العامة لدمج الاقتصاد الفلسطيني بالسوق الحرة العالمية, وبكلمات أخرى فهذه السياسات تعني غياب الحماية للمنتجات الفلسطينية الزراعية والصناعية, وجعلها في ميدان المنافسة التجارية العالمية وحيدة بقدراتها المحدودة, والمستهدفة دوما بإجراءات الاحتلال, دون النظر إلى أن جوهر الصراع مع الاحتلال يدور حول كيفية تعزيز صمود المواطن الفلسطيني في وطنه، وأن دعم القطاعات الإنتاجية هو جزء أساسي من النضال للتحرر من السيطرة الاحتلالية على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني, ولتثبيت الفلسطيني فوق أرضه متمتعا ولو بالحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.

 السياسة الاقتصادية الفلسطينية خلال السنوات السابقة عملت - عبرعملية مستمرة - لإعادة تكوين الاقتصاد الفلسطيني على أسس جديدة تهتم بقطاع الخدمات أساسا، وتهمش القطاعات الاقتصادية الإنتاجية, وبالذات القطاع الزراعي, وأي متتبع للسياسات التنموية والاقتصاديّة لحكومات السلطة الفلسطينيّة، يرى كيف تم توجيه الموارد المالية الفلسطينية- المحدودة - بالإضافة إلى التمويل الغربي، ليعيد رسم معالم هذا الاقتصاد بما يضمن خصخصته المطلقة، وتحكُّم القطاع الخاص في هامش الحرية الباقية للسوق. ويتضح هذا الأمر في خطة التنمية والإصلاح 2008- 2010 والتي لم تخصص سوى نسب محدودة جدا للقطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة, وأيضا من خلال التراجع الواضح في إسهام قطاعي الصناعة والزراعة في الناتج المحلي الإجمالي بصورة عامة منذ سنة 1999.

 تنعكس هذه السياسات على الواقع من خلال الاعتماد الكبير جدا على التمويل الأجنبي لدعم الموازنة السنوية, والتي أصبحت تعاني من عجز مستمر سببه أن الإنتاج الحقيقي بات محدودا جدا, ويقل كثيرا عن معدل الإنفاق العام الذي يتوجه كثير منه إلى الاستهلاك الترفي, وهذه القضية تشكل إحدى اخطر القضايا التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني, حيث أن المجتمع الفلسطيني ينتج أقل بكثير مما يستهلك, وهذا العجز الحاصل تتم تغطيته عبر المساعدات الدولية المشروطة, والتي تبقى سيفا مسلطا على الحقوق الوطنية الثابتة وعلى القضية الفلسطينية برمتها, كما أن هذه المساعدات أفرزت حالة يمكن أن نطلق عليها اسم اقتصاد التسول, وبات الفلسطينيون ينتظرون في نهاية كل شهر المساعدات القادمة من الخارج والتي تصرف على أناس غير منتجين, وعلى مشاريع استهلاكية ترفية.

 كما أن دخول بعض نخب المال والأعمال الفلسطينية إلى عالم السياسة, عزز من سيطرتها على الواقع الاقتصادي السياسي, وتولت زمام الأمور وقيادة المجتمع بما يحقق مصالحها ومصالح الفئات المرتبطة بها. والخطورة هنا أن كل هذا يتم وعملية التحرر من الاحتلال لم تكتمل ولم تنجز, وتحقيق الأهداف الوطنية من عملية التنمية كالحفاظ على الأرض, وتثبيت المجتمع الفلسطيني, والاعتماد على الذات والتحرر, أصبحت مجرد شعارات للمناسبات لا أكثر ولا أقل, وبرأي بعض الباحثين أن "هذه النخب ذات المصالح الاقتصادية الضخمة وذات النفوذ السياسي الفعال, باتت متقبلة لفكرة قيادة المجتمع الفلسطيني الخاضع للاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي الإسرائيلي". (انظر: فراس جابر, آيلين كتاب، إياد الرياحي, وآخرون, وهم التنمية, ص113).

ومن الواضح تماما أن السياسات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية لا تراعي سوى مصالح الفئات الاقتصادية المرتبطة بها بالدرجة الأولى, وهي تتناقض حتى مع مبادئ الاقتصاد الحر الذي تتبناه في حال تعارضه مع مصالح النخب المسيطرة, فالسلطة تبنت سياسة اقتصادية تقوم على بيع قطاعات مربحة ماليا إلى القطاع الخاص وبأثمان بخسة, وعملت في المقابل على تعزيز احتكار مجموعات رأسمالية لقطاعات اقتصادية كاملة, وهو مخالفة تامة لأحد ثوابت الأنظمة الرأسمالية, كما أنها قد ابتعدت عن الاستثمار بالزراعة والصناعة والإنتاج عموما, أي أنها خصخصت الاتصالات والكهرباء والسوق المالية, واستثمرت في الوكالات الخدمية والتجارية, وتجنبت العمل في الزراعة والصناعة, ووجد المستثمرون الفلسطينيون أنفسهم في حل من أي التزام أو توجه اقتصادي لبناء المجتمع الفلسطيني, وعملوا على توجيه استثماراتهم نحو القطاعات الأكثر ربحا والأقل مخاطرة, وبالتالي الأقل مساهمة تنمويا في بناء المجتمع الفلسطيني. مع الأخذ بعين الاعتبار أن السوق الفلسطينية ليست حرة لوقوعها في قلب الاقتصاد الإسرائيلي المتحكم بكل مدخلاته ومخرجاته, والقادر على رسم اتجاهات الاقتصاد الفلسطيني، ليخدم بتبعيّته اقتصاد الاحتلال.

ويبدو أن القطاع الاستثماري الفلسطيني في معظمه قد ولى ظهره عن حاجات المجتمع الفلسطيني الحقيقية، أي في الإنتاج وفي العمل الزراعي لتثبيت الأرض والإنسان، وبات تمويله منصبا على العقارات والسيارات والاتصالات والترفيه والاستيراد، وتحكمه سياسة السوق الحرة والخصخصة, وهذه الصورة تبدو واضحة في الواقع الاقتصادي المعاش في الضفة الغربية، وانتشار ثقافة الاستهلاك والمباهاة والبذخ في ظل تراجع للقطاعات الوطنية الإنتاجية الزراعية والصناعية، وتصاعد حمى الاستيراد الخارجي، كما تتأكد هذه الصورة عند الاطلاع على ما تنشره سلطة النقد الفلسطينية من بيانات حول القروض والتسهيلات الائتمانية للمصارف العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67, وكيف أن معظم استثماراتها تتوجه نحو التجارة العامة للبضائع الاستهلاكية الكمالية، في حين أن القطاعات الإنتاجية لا تحصل من هذه الاستثمارات إلا على الفتات.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز