د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

 More articles 


Arab Times Blogs
إليعزر بن يهودا أبو اللغة العبرية الحديثة

ولد إليعزر إسحق ليف پيرلمان (بن يهودا لاحقا) في ليتوانيا لأسرة متديّنة عام ١٨٥٨ وتوفي في فلسطين عام ١٩٢٢ ودفن في مقبرة جبل الزيتون. ترعرع هذا الفتى الموهوب في أسرة متزمتة، مات أبوه عندما كان ابن خمس سنوات فأعاله خاله دافيد ولفسون وأدخله إلى مدرسة الكتّاب اليهودية حيث اطّلع على أفكار حقبة التنوير، ١٧٨٠-١٨٨١ وفلسفتها، لا سيما بصدد إحياء اللغة العبرية. تولّى رعايته بعد ذلك رجل الأعمال شلومو يوناس، وتعلم الفتى الفرنسية والألمانية والروسية. بدأ بن يهودا بدراسة العبرية والتوراة في الثالثة وعندما بلغ عمره اثنتي عشرة سنة كان قد قرأ معظم التوراة والمشناه (التوراة الشفوية) والتلمود وأمل والداه أن يصبح ابنهما رجل دين، رابي. وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره شرع يولي فكرة نهضة شعب إسرائيل في فلسطين مكانة مرموقة وأهمية ملحوظة.

 تجلّت هذه الفكرة بداية في مقالته الأولى ”مسألة محترمة“ (العنوان الأصلي كان:مسألة ملتهبة، شِئيلاه لوهطاه) التي نشرت في الدورية الشهرية شاحر/الفجر. ومما ورد في هذه المفالة التي عالج فيها بن يهودا موضوعاتٍ مثل نشأة القوميات، أهمية اللغة والجغرافيا للشعب اليهودي ما معناه ”لدينا لغة نستطيع أن نكتب بها اليوم كل ما يساورنا وكذلك في مقدورنا التحدث بها إن أردنا“. ننوّه في هذه العجالة أن فكرة إحياء العبرية في فلسطين لم تبدأ ببن يهودا في أواخر القرن التاسع عشر بل سبقه كثيرون مثل يهودا القلعي (١٧٩٨-١٨٧٨)، حاخام صربيا، الذي نشر مقالا بهذه الفحوى عام ١٨٤٥. انتقل بن يهودا عام ١٨٧٨ إلى باريس لدراسة الطب وبعد ثلاث سنوات قرر التوقف عن هذه الدراسة بسبب تدهور صحّته، أصيب بمرض السل وسافر إلى الجزائر للاستشفاء بالطقس الجاف هناك، وتبنّى اللفظ السفاردي وتكلم بالعبرية ونشر مقالين نادى فيهما بتبنّي اللغة العبرية في التعليم بدلا من اللغات الأجنبية.

 وفي جامعة السوربون درس بن يهودا أيضا العبرية وتاريخ الشرق الأوسط، ويُذكر أن بن يهودا كان قد تحدّث بالعبرية للمرة الأولى في أحد مقاهي باريس في شارع بولور مونمرتر مع أحد معارفه ووصف هذا الحدث بما معناه ”أصوات غريبة لهذه اللغة الشرقية القديمة الميتة امتزجت بجلبة الأصوات السارّة في اللغة الفرنسية الحية، الجميلة، الثرية“.

  وفي العام ١٨٨١ وصل بن يهودا إلى فلسطين عن طريق مصر حيث تزوّج في نفس العام من دفوراه واتّفقا على التكلم بالعبرية فقط مع نسلهما المستقبلي وهو الذي قال ”باللغة العبرية فقط يحيا يسرائيل في أرضه“. ووُلد لهما الابن بن تصيون الذي غيّر اسمه فيما بعد ليُصبح إيتمر بن أفي وهو الناطق الأول بالعبرية كلغة أم. عاش بن يهودا حياته بضنك، لاحقه اليهود الأرثوذكس المتزمتون الذين عارضوه في مشروعه ووصموه بامتهان قدسية العبرية ونعتوه بـ“المجنون“ ووشوا به للسلطات العثمانية مدّعين أنه يخطّط للقيام بتمرد ضد الأتراك فاعتقل وحُكم عليه بالسجن لمدة عام إلا أن البارون روتشيلد تدخّل ولم ينفذ الحكم.

  ويُذكر أن بن يهودا كان معارضا لخطة تقسيم البلاد ووافق على أوغندا وطنا لليهود. وفي الوقت ذاته ربط بن يهودا العودة إلى فلسطين بالعودة إلى العبرية. بعد وفاة زوجته عام ١٨٩١ تزوّج من أختها بيلاه/پاوله/حمداه التي كانت تصغره بأربع عشرة سنة عام ١٨٩٢. وفي العام ١٩١٩ توّجه بن يهودا للمندوب السامي، هربرت صامويل، للإعلان عن العبرية واحدة من اللغات الرسمية في فلسطين وهكذا كان بعد بضع سنوات. أسّس ”لجنة اللغة“ التي تحوّلت عام ١٩٥٣ إلى ”مجمع اللغة العبرية“ في القدس وأنجز القسم الأكبر من قاموس العبرية القديمة والحديثة وساهم في إيجاد قرابة ثلاثمائة كلمة وقد كُتب لمائة وستين منها البقاء والحياة، منها، على سبيل المثال، ما معناه بالعربية: أديب (من العربية)، أوركسترا، برقية، بلدية، بوظة، تأييد، تصريح، تقدّم، ثانية، جرثومة، جندي، جوارب، خارطة، دبوس، دغدغة، دفيئة، دقيقة/لحظة، رسمي (من العربية)، زكام، سأم، ستار/برداية، شرطة، صحن، عنوان (المكان)، فرشاة، فروة، قاموس، قبعة، قطار، قلم رصاص، قنبلة، كرة، كفوف (لليد)، مبادرة، محرمة، محلقة، مراسل، مرّشَحون، مسدس، مطعم، منشفة، مهاجرون، هوية. ويذكر أن ”ميلون“ أي قاموس كانت أولى الكلمات التي أوجدها بن يهودا بدلا من ”كتاب كلمات“ وهي ترجمة حرفية للمصطلح الألماني Wörterbuch. تُعزى بداية التحول اللغوي العبري في فلسطين إلى وصول إليعزر بن يهودا إلى البلاد في تشرين الأول عام ١٨٨١ ويُدعى عادة بلقب “أبو اللغة العبرية الحديثة” رغم أنه لم يكن وحيدا في الميدان فقد سبقه على الأقل ثلاثة من المربين المعروفين: يوسيف هليفي، باروخ بن إسحاق مطراني ونسيم بخار.

 (أنظر: شلومو هرماتي، ثلاثة سبقوا بن يهودا. القدس ١٩٧٨، بالعبرية). في الميثولوجيا الشعبية هناك أبطال في مجالات متعددة، هرتصل ملك أسطوري، بيالك شاعر نبي، وإليعزر بن يهودا أبو نهضة اللغة العبرية. عندما هبّ بن يهودا اللغوي والصحفي في تنفيذ مشروعه الطموح كانت اللغة العبرية المكتوبة قد قطعت شوطا طويلا وهاما في حقبة التنوير. من المعروف أن إليعزر وزوجته الأولى دفوراه قررا تعليم ابنهما إيتمار (بن تصيون سابقا) الملقب فيما بعد بالولد العبري الأول، اللغة العبرية المحكية، وهما في الواقع لم يكونا ناطقين لها بالفطرة كما هي الحال بالنسبة للغات الطبيعية التي تنتقل من الأب للابن. من الواضح أن الصبي قد قاسى نفسياً الكثير من هذه التجربة الفريدة (أنظر: حمداه بن يهودا، حامل العلم - حياة إيتمر بن أف“ي، ١٩٤٤، بالعبرية؛ دفورا عومر، الابن البكر في عائلة أف“ي. عام عوفيد ١٩٧١، بالعبرية) إذ أن لغة الأم بالنسبة لبن يهودا كانت الإيدش، خليط من العبرية والألمانية الوسطى، كما وأجاد الروسية كلغة أم تقريبا أما زوجته فلم تعرف العبرية عند ولادة الابن. ويبدو أن تجمع أولاد الهجرة الثانية عام ١٩٠٤ وانخراطهم سوية في سلك التعليم حيث اللغة السائدة كانت العبرية كانا السبب الرئيسي في تبلور العبرية المحكية الحديثة في خضمّ ما عرف آنذاك بمعركة اللغات، ١٩٠٨-١٩١٤ بصدد لغة التدريس.

 وفي هذا الشأن يمكن مقارنة تجربة بن يهودا بتجربة بعد قرن تقريبا قام بها الدكتور عبد الله مصطفى الدنّان الفلسطيني ومخاطبة ابنيه بالعربية الفصحى. وفي معركة اللغات تلك كانت الغلبة للعبرية في كافة مستويات التعليم ابتداء بروضة الأطفال وانتهاء بالجامعة. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى، ١٩١٤ بلغ عدد الناطقين بالعبرية كلغة أم قرابة العشرين ألفا ومكث بن يهودا خلال فترة الحرب في الغرب، أمريكا وأوروبا. وفي العام ١٩٢٢ اعترف الانتداب البريطاني باللغة العبرية كإحدى اللغات الرسمية الثلاث في البلاد. ويذكر أن قسما لا يستهان به من أولياء أمور الطلاب أخذ بتعلم العبرية من أولادهم وهذه حالة غير طبيعية في عملية انتقال اللغة من الكبار للصغار.

 في تقديرنا ما يسمّى عادة بإحياء اللغة العبرية المحكية الحديثة ما هو في واقع الأمر سوى تحويل لغة الكتابة في العصر التنويري إلى لغة محكية. وفي العام ١٩١١ بدأت لجنة اللغة بتصويب الأخطاء، في المجال الفونيطيقي، نرى تطابقا شبه تام بين العبرية الإسرائيلية والإيدش، وفي الصرف مثلا هناك واوالعطف الملفوظة دائما ve. والجدير بالذكر، وجود شهادات أدلى بها رحّالة بأن العبرية كانت محكية في أوساط اليهود في القدس وصفد، على سبيل المثال.من أولائك الرحالة الذين زاروا البلاد المقدسة نشير إلى أرنولد فون هارپ الألماني الذي مكث في البلاد ما بين ١٤٨٨-١٤٩٩. وفي كتابه المعدّ للسواح ألحق عيّنة من الجمل العبرية الشائعة. أضف إلى ذلك أن بعض المبشّرين المسيحيين وكذلك رؤساء دول مثل قيصر البرازيل پدرو الثاني وملكة إنجلترا، جين چري، قد كانوا على معرفة ما بالتكلم بالعبرية.

  في العبرية الحديثة المكتوبة والمنطوقة بمسنوياتهما المختلفة هناك عنصر خارجي قوي جدا لا سيما من حيث المعجم والنحو. قبيل وفاة بن يهودا تسنّى له الاستمتاع بمشاهدة ثمرة جهوده، براعم المتحدثين بالعبرية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز