نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
من هم هؤلاء القتلى؟

يثير القتل والموت، من دون أدنى شك، عواطف ومشاعر إنسانية مهما كانت الأرقام ضئيلة، ومهما كانت هوية القتيل، ومكان الجريمة. ولاشك، ايضاً، أنه، وفي كل الصراعات التي تجري اليوم في غير مكان من العالم، أو تلك التي يتم تأجيجها، والنفخ في كيرها، كما في الحالة السورية، هناك، دائماً، ضحايا يتساقطون، وهناك ارقام تتصاعد، وقتلى يموتون بارقام تعمد وسائل الإعلام على تهويلها وتضخيمها في أحايين كثيرة. ولا يكاد يمر يوم، في الحرب السورية المستعرة على مدى واحد وعشرين شهراً، من دون سماع أنباء جديدة عن أعداد متزايدة من "القتلى" الذين يسقطون جراء تلك الحرب.

 وتكتفي وسائل الإعلام، التي تسيطر على الفضاء الإعلامي، بسرد أعداد القتلى، وعلى نحو درامي مؤثر، من دون الإشارة إلى هوياتهم وأسمائهم، ومن هم، وأين وكيف سقطوا سوى الإشارة إلى أنهم سقطوا بنيران "الجيش السوري"؟ أما في حال كان القتلى من ضحايا الجيش الوطني النظامي الحكومي السوري، فسرعان ما تذكر تلك الوسائل هوية الضحايا، وتصورها للتوثيق، وتنشر "تيوبات" مرافقة لذلك وتتفاخر بها، وتقول بأن ما يسمى بـ"الجيش الحر"، قد هاجم الموقع الحكومي الفلاني، وقضى على "كذا" من جنود أو قوات "الأسد" حسب تعبير تلك الوسائل الإعلامية، لكن في كثير من الحالات الأخرى، تبقى الهوية مبهمة، ولا نعرف من هؤلاء الأموات الذين تتحدث عنهم وسائل الإعلام. وبرغم أن هناك دعاية تفخيمية هائلة وكبيرة، لما يسمى بـ"الجيش الحر"، وقوات المعارضة المسلحة، كما تسميها وسائل الإعلام، وجسمها السياسي، الذي تمت إعادة هيكلته مؤخراً تحت اسم "الإئتلاف" الوطني، فإنه من الصعب أن تجد، في وسائل الإعلام المختلفة، التي تنقل على مدار 24 ساعة أنباء الصراع الدائر في سوريا، أية إشارة لسقوط ضحايا من هذا "الجيش" الذي لا يموت أحد منه كما يبدو ويظهر.

 لا بل تكتفي المنظملت الحقوقية، التي تقبع على بعد آلاف الأميال من دائرة الصراع، بإعطاء حصيلة مبهمة وغير واضحة، او موثقة عن قتلى هذا اليوم، مثلاً، مكتفية بالقول أنهم 120، أو غير ذلك صعوداً وهبوطاً، وحسب ما يتيسر من أمر. وبات في حكم المؤكد، والمألوف، أيضاً، أن تسمع كل يوم، عن تصريح من هذه العاصمة الغربية، أو تلك، عن "سعي"، أو "رغبة" أو "نية" و"توجه" من هذه الحكومة الأطلسية، أو تلك، لدعم جماعات المعارضة في سوريا بالسلاح "الثقيل والنوعي"، لمواجهة قوات "النظام"، كما يرد في الأنباء.

 وفي الحقيقة، فإن هذا الأمر يكون قد حصل للتو، أي أن تلك الجماعات، لديها ما يكفي من الأسلحة النوعية، والثقيلة، والتسهيلات اللوجستية، أيضاً، للوصول إلى الداخل السوري، والاشتباك مع قوات الجيش الوطني النظامي السوري، وبالطبع ستكون نتيجة هذه الاشتبكات، ضحايا وقتلى، من الجانبين، تكتفي وسائل الإعلام المومأ إليها، بالإشارة إلى أنهم من عناصر الجيش النظامي، ولكن ماذا عن الضحايا في الجانب الآخر؟ لماذا لا تتم الإشارة إلى أن هوية الأموات والقتلى، الذين يسقطون، يومياً، هم مما يسمى بـ"الجيش الحر"، وهم بهذه الحالة ليسوا ضحايا لعمليات قتل واستهداف من الجيش النظامي، بقدر ما هم قتلى جراء مواجهات عسكرية، بين قوات نظامية حكومية، وأخرى ميليشياوية، شبه عسكرية، لديها من التدريب والتأهيل الكافي، لخوض معارك مع جيوش نظامية.

 ويصبح الأمر أكثر من حقيقة، حين نأخذ بالاعتبار، مئات التقارير الموثقة، والمصوّرة، والأخبار التي تتحدث عن دخول مقاتلين غير سوريين إلى سوريا، وقد تم عرض وتوثيق صور وهويات وعرض جوازات سفر لكثيرين منهم، ونعتهم أسرتهم وذووهم في غير دولة عربية وغير عربية. إذن، هناك محاولة واضحة لإخفاء هوية "قتلى" وضحايا بعينهم، في مواجهات عسكرية حقيقية تجري على الأرض السورية، بين قوات نظامية حكومية، وميليشيات شبه عسكرية ومدربة تدريباً جيداً. وفي هذه الحالة، ومع إدراك سبب التعتيم على هوية هؤلاء القتلى، ربما للمحافظة على معنويات المقاتلين وشد إزرهم، أولاً، وثانياً، كي يظل الصراع في إطاره النمطي، الذي يحاول البعض رسمه، والقائل بأن "قوات الأسد"، كما يـُنقل، تقوم بعملية قتل منظم في سوريا، ولكن من دون معرفة وإيضاح ضد من، ومن دون تحديد هوية لهؤلاء؟ وهنا يكمن اللغز الكبير.

 وعليه، فإنه من المتوجب، والإنصاف، إعادة النظر بمجمل التقييم الأخلاقي للصراع، كما يحاول البعض ترويجه، مع "ضحاياه"، وبالتالي، التركيز، على البعد القانوني له ومشروعيته وأين تكمن عدالة ذاك الصراع الدامي، والذي لو أحيط بتقييم موضوعي، ووفق ما ذكر أعلاه، فإن المرء سيتبين على الفور، بأن قوات الجيش النظامي الوطني السوري، ليست، في أسوأ الأحوال، إلا في حال من الدفاع عن النفس، وأن كثيرين من أولئك "القتلى" الذين تصوّرهم وسائل الإعلام ليسوا إلا أولئك "المهاجمين" حملة السلاح، المزودين بأحدث وسائل التدمير والهجوم والتسليح النوعي والثقيل.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز