د. حسيب شحادة
Haseeb.Shehadeh@Helsinki.Fi
Blog Contributor since:
10 February 2012

استاذ في جامعة هلسنكي

 More articles 


Arab Times Blogs
التدريس الجامعي بالعربية

التدريس الجامعي بالعربية ضرورة التنسيق في التعريب بين كافّة الدول العربية

 قضية ما يسمّى عادة بـ”تعريب التعليم الجامعي” هي قضية قديمة ذات صلة وثيقة بين مفهومين أساسيين، الحداثة أو العصرنة من جهة والتراث أو الأصالة من جهة ثانية. وعند استعمالنا لعبارة ”تعريب التعليم الجامعي” فإننا نقصد استخدام نمط معيّن من أنماط اللغة العربية في تدريس المواد العلمية كالطب والصيدلة والفيزياء والكيمياء والرياضيات إلى آخره في الجامعات العربية. إن اليباب الثقافي والعلمي ينعكس جليا إن عاجلاً أو آجلاً في اللغة، فهي أداة الفكر والوجدان ووعاؤهما وليست بمثابة مجرّد وسيلة تواصل بين بني البشر. وكما قال أدونيس، علي أحمد سعيد، عن العربية بأنها ”تُعاني إبداعياً منذ ألف سنة حالة عسيرة من الركود” )النص القرآني وآفاق الكتابة، بيروت، ط. أولى، 1993 ص. 84. وفي تقديري، يكمن الإشكال الرئيسي في عملية نقل الفكر الغربي إلى اللغة العربية في أن الحداثة الغربية ”دَنْيَوة” في حين أن العربية ”ديْننة”.

 والمصطلحان الموفقان الواردان بين معقوفتين للشاعر أدونيس، نفس المصدر ص. 107. إن اجترارالتراث مهما كان ثريا لا يُضيف في آخر المطاف أية نتيجة فعلية بل لا بدّ من حواره وسبره على أسس علمية لاستخلاص ما ينفع في العملية الثقافية التراكمية الحالية وترك ما عفا عليه الزمن يبدو لنا أن لجامعة دمشق في هذا الصدد قصب السبق. ومما يجدر ذكرُه أن التعليم بالعربية في سوريا كان معمولا به منذ الانتداب الفرنسي، وكانت مدرسة الآداب الكليةَ الأولى التي أقيمت أثناء الحرب العالمية الأولى وتلتها كليتا الحقوق والطبّ، وكان التدريس بالعربية.

وكانت عملية الترجمة آنذاك نشطة فوضعت المعاجم للمصطلحات الطبية وتزامن ذلك مع إنشاء المجمع اللغوي في دمشق الذي أبلى بلاء حسنا في هذا المضمار لا يختلف اثنان بأن تدريس العلوم باللغة العربية يؤدي في خاتمة الطريق إلى بزوغ حركة بحث علمي جادّ وترسيخها، إذ أن الادعاء الذي يطلقه في بعض الأحيان بعض المستشرقين وآخرون بأن العربية الفصحى لا تصلُح للعلم وللبحث العلمي لا يستند على أي دليل ذي بال. ويتمخّض من مثل هذه الحركة بناء جيل من المبدعين والمبتكرين وعادة يتمّ الإبداع في اللغة القومية وهذا لا يعني بالطبع إهمال لغات عالمية كالإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية والإسبانية قلنا بوجود أنماط متنوعة أو إن شئت فقل مستويات للعربية وهذا أمر بدهي في اللغات الحية، ولا يُعقل أن يدرّس أستاذ الفيزياء النووية أو الكيمياء العضوية، على سبيل المثال، باللغة العربية الفصيحة المعربة، إذ أنه أولا وفي الغالب الأعم ّ، يجهلها وثانيا إنها ليست الوسيلة المناسبة والناجحة لهذا الغرض.

 إننا نرى أنه لا بدّ من استخدام ما يُطلق عليه عادة في الأبحاث اللغوية العصرية بالعربية الميسرة، اللغة المشتركة، اللغة الوسطى، لغة بين بين، لغة المثقفين الخ. بعبارة موجزة وربما أكثر وضوحاً في هذه العجالة لغة الصحف المشار إليها في الغرب بـ MSA-Modern Standard Arabic ينظر، د. محمد كامل حسن، اللغة العربية المعاصرة، القاهرة 1976؛ د. إبراهيم أنيس، محاضرات عن مستقبل اللغة العربية المشتركة، القاهرة 1960؛ د. أنيس فريحة، محاضرات عن مستقبل اللغة العربية المشتركة، القاهرة 1959؛ د. محمد السعيد بدوي، مستويات العربية المعاصرة في مصر، القاهرة 1973 إن تدريس المواد العلمية باللغات الأجنبية لا سيما بالإنجليزية أو بالفرنسية في الجامعات العربية كان نتيجة لعواملَ تاريخية موضوعية. ففي تلك الفترة كان العالم العربي بمشرقه ومغربه تحت الاستعمار/الاستدمار الإنجليزي والفرنسي حتى حصوله على الاستقلال في أواسط القرن العشرين.

 تُضاف إلى ذلك حقيقة تاريخية هامة وهي أن هذا العالم بل الدويلات كانت ترزح قبل ذلك تحت حكم الإمبراطورية العثمانية مدة أربعة قرون تقريبا. ومن المعروف أن المستوى العلمي والثقافي واللغوي العربي في غضون هذه القرون قد كان في الحضيض، إذ أن التتريك شمل كل مناحي الحياة. وكانت الغالبية العظمى من المدرسين الجامعيين قد أتمت دراستها الأكاديمية في الغرب وكان من السهل عليها، بطبيعة الحال، مزاولة التدريس الجامعي باللغات الأجنبية لعدم تمكنها من اللغة العربية الأدبية. أضف إلى ذلك أن جميع المصادر في المواضيع العلمية كانت باللغات الأجنبية وخصوصا بالفرنسية والإنجليزية والألمانية.

 وبمرور الزمن نمت عملية الترجمة واتسعت، ترجمة مواد العلوم التطبيقية المختلفة إلى اللغة العربية. في الواقع هناك مصدران أساسيان لتعريب العلوم، الجامعات والمجامع اللغوية العربية في القاهرة ودمشق وبغداد ومكتب التعريب في الرباط الخ. وتختلف طبيعة العمل لدى أفراد فريق كل من المصدرين فالجامعيون يعملون تحت وطأة التقدم العلمي التكنولوجي الرهيب في سرعته واتساعه وتطوراته ولا بدّ من المواكبة الواعية والحثيثة وفرز السمين عن الغث. إنهم بحاجة ماسّة لإيجاد المصطلحات والعبارات البديلة، البدائل العربية الملائمة والناجحة للمصطلحات الأجنبية بأسرع وقت ممكن. مثال على ذلك ما جرى بشأن الكلمات التالية التي اقترحت كبدائل للكلمة )تلفون( اليونانية الأصل والتي تعني ”الصوت من بعيد”.

هذه الألفاظ المقترحة كانت: هاتف، مقول، مسرة، مخبرة، أرزيز، مهتف، مهتاف، مهتفة. لفظتان فقط كُتب لهما الحياة وهما: هاتف وتلفون، والأولى كسيحة لحد كبير وبقيت الألفاظ الأخرى في طيّ النسيان أو في بطون المجلات وسجلات المجامع اللغوية. ومن الممكن تسمية ذلك البحث اللغوي باسم ”الركام اللغوي” قياسا على ”الركام الحجري” ونعتقد أن د. رمضان عبد التوّاب كان السبّاق في هذه التسمية قبل قرابة ثلاثة عقود )أنظر المجلة العربية، عدد أول، سنة ثانية، الرياض 1977، ص. 55( ونفس الأمر قد يحدث بصدد الكلمات المقترحة بدلا من: تلفون موبايل، مثل: الهاتف المتنقل، النقّال، المحمول، اليدوي، الخلوي، الخليوي، الجوّال، البلفون، البلفول، الموبايل نرى أنه من الواجب القومي اللجوء إلى التنسيق في التعريب بين العرب في شتّى أقطارهم، 22 دولة، ما شاء الله، .

 لا يُعقل أن تعمل كل دولة عربية لوحدها في هذا المجال الثقافي شديد الخطورة والتداعيات على مستقبل الأمّة العربية. مثل هذا العمل الانفرادي يؤدي لا محالة إلى نتائجَ لا تُحمد عُقباها في المستقبل البعيد. لا بد من الاستفادة من معطيات التقنية الحديثة فيما يسمّى ”الترجمة الآلية” في نقل العلوم وصفوة الآداب الغربية إلى العربية إن تظافر الجهود في نطاق المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، على سبل المثال، أنتج بسرعة مذهلة ”المعجم العسكري”.

علينا أن نذكر مثلا بأن الموادّ العلمية في الجامعات الإسرائيلية تُدرّسُ باللغة العبرية منذ تأسيس الجامعة العبرية في القدس عام 1925. والجدير بالذكر أن اللغة العبرية كانت لغة مكتوبة فقط، غير محكية، على مرّ سبعة عشر قرنا من الزمان، من القرن الثاني للميلاد وحتى أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأت تُستعمل كلغة محكية إثر جهود إحيائها من قِبل زمرة من المثقفين والغيورين على شعبهم ودينهم وعلى رأسهم إليعزر بن يهودا.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز