نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
العراق وسوريا: عملاق إقليمي صاعد

  سار قطار ما يمكن تسميته بـ”الربيع العربي” بغير ما تشتهي سفن عملية “أخونة” الشرق الأوسط، وأفضى إلى ولادة عالم جديد من الثنائية القطبية الدولية الجديدة يقف على إحدى ضفتيها العملاقان الروسي والصيني، ويضم دولاً أخرى أقل نفوذاً، وشأناً وقوة، فيما تقف على الضفة الأخرى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأيضاً، الدول الأصغر الدائرة في الفلك الغربي. ومن هنا، كان من المحتم أيضاً، كما في تقاليد الحرب الباردة، وسياسة المحاور، أن تنشأ على هامشها أحلاف، وأقطاب أصغر تقوم بدور الوكالة، في مناطق جيوستراتيجة أخرى، تعكس مصالح وتوجهات، وسياسات هذه الأقطاب.

 ولذا، تتداول، اليوم، أوساط متعددة، تقارير سياسية، قد تكون بمثابة بالونات اختبار وتلويح بتهدد ما، تتحدث عن وجود اتصالات عالية المستوى، بين سوريا والعراق لتشكيل ما يمكن أن يكون وحدة، أو اتحاداً كونفيدرالياً بين الدولتين الجارتين، سيكون من أهم مسؤولياته، على ما يبدو، التصدي للتحديات المشتركة، التي تواجه البلدين في ظل بروز مصالح جيوستراتيجية مستجدة وضاغطة، وظهور تهديد وجودي حقيقي، و “خصوم” مشتركين أيضاً لنواة، وقلب، ما كان يطلق عليه، سابقاً، اسم الهلال الخصيب، الأمر الذي استدعى، مؤخراً، وبعد أن طفح الكيل به على ما يبدو، تصريحاً نارياً تحذيرياً أطلقه نوري المالكي ضد أردوغان يدعوه إلى ضرورة الكفّ عن التدخل في شؤون العراق الداخلية.

 لقد أفرزت أحداث “الربيع العربي” حاجة ملحة لاصطفافات وجملة من التوازنات الجديدة، وأطاحت، في الوقت نفسه، بجملة أخرى من التوازنات السابقة، وصار هناك ضرورة، بعد تجاوز كل جروح وآلام الماضي، لإعادة هيكلة استراتيجية لقوى الإقليم واصطفافاتها، وقولبة ورسم للخرائط الجيوستراتيجية الجديدة وفق توزع تلك القوى، وإحداثياتها وجغرافيتها، ومنها، تحديداً، الخرائط السورية والعراقية.

ولن نتعرض ها هنا للإمكانات الهائلة البشرية والمادية الخرافية التي يتمتع بها البلدان الجاران، وذلك موضوع لمقال وبحث آخر، ولكن يمكن القول، إجمالاً، وإن صح هذا الكلام، وهذه التقارير، وسارت الأمور كما يخطط ويؤمل لها، بأننا سنكون، بالمطلق، أمام عملاق سياسي إقليمي جديد وجيب اقتصادي بشري طويل، مرعب، ومتصل جيوستراتيجياً بإيران، ويوصل، ولأول مرة في العصر الحديث، بين البحر المتوسط والخليج، وله مصالح وتوجهات مشتركة، وربما “خصوم” ومنافسون إقليميون مشتركون سيقلب هذا الواقع الجديد، فيما لو حصل، كل التوازنات القائمة وسيكون بمثابة مفاجأة وصدمة استراتيجية لن يطيق كثيرون على تحملها وقد تصيب كثيرين بحال من السكتة والدهشة والوجوم، وسيكون، بهذا، سحر “الربيع العربي” الذي أطاح فقط بأصدقاء الغرب، ومنظومة الاعتدال، قد انقلب على أصحابه، في واشنطن، ولندن، وباريس، والعواصم الإقليمية، وكلاء الغرب في المنطقة.

ولا يمكن ها هنا، وفي هذا السياق، والسجال، إلا التعريج على مشروع مدّ الغاز الإيراني إلى سوريا عبر العراق، والذي يـُحكى بأنه قد وضع موضع التنفيذه فعلاً، وهذا ما سيعطي للأمر أهمية استثنائية، ويزيد من حدة السباق، نحو، أو فرملة هذا المشروع، وبالقدر ذاته الذي يزيد من إغرائه وإثارته السياسية والاستراتيجية، ويقال بأنه قد يكون “أوبك” غازي جديدة منافس، في ظل الكلام المتداول بكثرة، عن اكتشاف أحواض هائلة وخرافية من الغاز والبترول قبالة مدينة اللاذقية على الساحل السوري، إضافة للاحتياطي العراقي الضخم الذي يعتير ثالثاً على مستوى العالم بعد روسيا والسعودية..

 وفي الحقيقة، فقد كان هناك محاولات قديمة، لتوحيد ضفتي البعث سابقاً، لكن بدا فيها الأمر أشبه بالمستحيل في ظل تلك الظروف والمعطيات الجيوستراتيجية التي كانت سائدة، لكن جرت مياه كثيرة في نهر تلك الظروف، منذ ذلك الحين، وباتت البراغماتية السياسية، والعقلانية، والأخطار والتهديدات المختلفة، وصراع الوجود بالنسبة للطرفين، مطلباً ملحاً، ومقدّمـَاً على أي إرث سياسي ومهما بدت شدّة ظلاميته وسوداويته، وفوق أية اعتبارات إيديولوجية وسياسية أخرى. لقد وحـّدت الأخطار، والاندفاع الغربي، والإقليمي المحموم، هذا المحور الإقليمي الجديد الناهض، الذي يبدو، اليوم، مضطراً، وفي حال من الدفاع الوجودي عن النفس، أمام تحديات شتى، يجب التوحد حيالها بأي شكل.

 ولئن تحققت أسوأ مآلات “الربيع العربي”، عبر الحلف الجديد، فسيكون هذا حالة إضعاف جديدة أخرى، وإرباك للمحور الغربي لا يطيق على احتماله، والتي سارت رياح “ربيعه” كما قلنا بغير ما اشتهت سفنه، لأنه سينشأ كيان سياسي جديد أقوى ومنطقة نفوذ إقليمي جديد و”لوبي” ضغط عملاق جديد قد يعيق ويؤثر في مسارات الكثير من السياسات والتوجهات، ويجب أن يكون بمثابة رادع استراتيجي لكثيرين باتوا يعبثون بأمن واستقرار المنطقة. سيفتح، ولاشك، هذا الكوريدور السباسي الجديد، آفاقاً بلا حدود، لا يمكن التنبؤ حالياً بحجمها، وامتداداتها، وماهيتها، ومديات تأثيرها، لكنه، من المؤكد، سيكون بمثابة تحول جيوستراتيجي جذري، لم يكن يخطر ببال أشد المتحمسين لمشروع “الربيع العربي”، تحولٌ قد يعيد صياغة، وينسف كافة التصورات والمخططات والترتيبات القائمة لمستقبل المنطقة. ومن هنا، قد لا يكون السؤال حول إمكانية نجاح أو فشل هذه الوحدة والاتحاد، ذا أية قيمة وفائدة، أمام السؤال الأكبر، هل ستسمح القوى الغربية، والإقليمية النافذة واللاعبة الرئيسية في ملفات الإقليم، بولادة هذا العملاق الجديد، أم لا؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز