نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الربيع العربي: صراع الهمجيات الأصولية

مقدمة لا بد منها:

 المقصود بالنظام، في هذا المقال، وكل مقال، ليس فرداً أو شخصاً بعينه أو عائلة وفئة وطائفة ومجموعة بشرية، ولكن هو منظومة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقائدية والموروثات التاريحية والرواسب المجتمعية والتقاليد والعادات...إلخ، التي تنتج السلطة والنظام السياسي وتكون عاكسة له، وكله حسب ماركس.

 أي أن النظام، برثاثته وحداثته، بتخلفه وحضارته، هو انعكاس متطابق وتجسيد لكل ذلك ولم يأت من فراغ ويهبط بـ"الباراشوت" من السماء هو نحن جميعاً بكل أمراضنا وعقدنا الخاصة والعامة. النظام بهذا المعنى هو ليس فرداً هو منتج تتضافر فيه كل تلك العوامل السابقة التي تنتج بدورها شبكة المصالح والمنافع والعلائقية الما قبل وطنية، ومن هنا لم يكن هناك أي قيمة لرحيل رموز الأنمة العربية، فالقادم، ومن بقي هو أخطر بكثير ممن رحل، طالما أن تلك المنظومة قائمة وباقية ويرفض أحد ما مناقشة أمر رحيلها لا بل يطالب "الثوريون" ببقائها والحفاظ عليها. ولذا فالدعوة لخروج ورحيل فرد بشخصه ودخول آخر لا قيمة ولا جدوى عملية لها في أية عملية تغيير.

ومن هنا أيضاً تتشابه معظم الأنظمة العربية البدوية في طبيعتها وطبائعها ولا فرق بين نظام وآخر، لا قبل الثورات ولا بعدها.

 ومن هنا لا يستطيع أي شخص، حتى لو كان "غراندايزر"، وسوبر مان، فعل أي شيء مع تلك التوليفات المركبة والمعقدة التي أنتجت الهمجيات الحاكمة المستبدة المسماة بالأنظمة العربية. وكل من يحاول اليوم شيطنة شخص ما، وعائلة، وفرد هو إنسان متجن منحاز وغير موضوعي، ولا يعلم شيئاً، إن لم نقل فيه أكثر من ذلك، فمهما بلغت طيبة وإنسانية وعفوية وبراءة أي إنسان اليوم، لن يستطيع فعل أي شيء مع هذه المنظومة الرثة، المتآكلة، المهترئة، الفظة، المتوحشة، المسماة بالمجتمعات العربية والإسلامية التي تتناهشها كل سفالات وعقد وأمراض وعاهات وآفات التاريخ القديم والحديث. نعم إنها معضلة كبيرة جداً أن يكون البديل المطروح عن (الأنظمة)، أو النظام في سوريا، وغير سوريا، هو أسوأ بكثير من النظام الذي تدعو وتجتمع اليوم 130 دولة في العالم، ولأول مرة في التاريخ، لإسقاطه.

وبصراحة، ومهما كانت دموية النظام ودرجة العنف التي مارسها، سابقاً ولاحقاً، فهي لن ترتقي إلى جزء يسير مما وصلت إليه دموية وعنف المعارضة الوهابية الظلامية المسلحة التي تستقي من تاريخ وموروث الصحراء كل تقاليد عنفها "الثوري"، ولن يصل النظام السوري إلى كعب إجرام "إتلاف" المعارضة المسلحة، كما سماه وعلى ذمة حمد بن جاسم، ونقل ذلك عنه "المشاغب" الثوريهيثم المناع.

وصدقاً لو كانت الثورة (أو الثورات)، سلمية، فعلاً، ومن الأساس، وقامت بها النخب وقادتها السورية، المهمشة تاريخياً، من مدرسين ومحامين وأطباء وكتاب وصحفيين واعلاميين ورجال فكر وأعمال وفنانين، لتقدم صفوفها كثيرون ممن يعارضون الحراك المسلح وللمطالبة بالتغيير والتخلص من ممارسات الفساد والمافيوزية والزبائنية والشللية والمحسوبية واختكار الثروات ةالقرار.

 وإن هذا الانقسام الشاقولي والأفقي الحاد حيال "الثورة"، وتخندق الفريقين وتشنجهما المفرط، يعكس مدى لا شرعية "الثورة"، وطبيعة تركيبتها الأحادية وبنيتها المادية والفكرية ومن ثم، توجهها السياسي. لكن أن يقودها الرعاع والغوغاء وبياعو المازوت والكاز و"الطنبرجية" وشيوخ الإرهاب والطائفية والمهربون "والفرارية" والمحكومون جنائياً و"الطليقون" والطلقاء وسقط المتاع وحثالات القاع الاجتماعي كما رأينا، وثبات وجود المرتزقة الأجانب وأن تصبغ نفسها بلون مذهبي واحد، مستقوية بقبائل الصحراء ومجرمي اليانكي والبلاك ووتر واتكائها على دعم الأطلسي والارتماء في حضن الأجنبي والتبعية والارتهان للدوائر "الليفية" المتصهينة إياها، فهذا ما لا ينبغي أن يمر هكذا مرور الكرام.

ولو كان البديل المطروح مقبولا وعقلانيا وحداثياً وتنويرياً ونهضوياً وسيادياً ومستقلاً ومختلفاً، فعلاً، عن النظام البدوي السلفي العروبي القائم، وجماهيريا لما استطاع النظام فعل أي شيء مع الحراك كما قلت في احد مقابلاتي التلفزيونية المبكرة وقبل أن أحجم نهائياً، عن الظهور الإعلامي المقصود والمستمر، كنت فد قلت لتلفزيون الحوار، مع موسى العمر، وكان الضيف المقابل الاستاذ زهير سالم، العضو البارز في الجماعة الإخوانية السورية،: سيسقط النظام حين تنزل نخب محترمة وناس "نضاف لابسين نضيف" سلميين بمئات الآلاف إلى سوارع وساحات المدن السورية ويعتصمون فيها عندها فقط سنقول وداعاً للنظام، ولما قدرت آلته القمعية (الله يرحمها أمام قمع المعارضة)،أن تفعل معه وله شيئاً وزد عليها كل قوة روسيا وإيران والبريكس.

لقد أعطى عنف المعارضة المسلحة مشروعية جماهيرية كبرى للنظام لدرجة أن أصبح التشبث به مطلباً وطنياً لدى شرائح سورية واسعة، وهذا في الحقيقة ما منع نشوب حرب أهلية حقيقية روجت له البروباغاندا "الثورية" كثيراً. نعم النظام كان سيسقط حتماً ولا يستطيع فعل شيء مع الاعتصامات الجماهيرية المدنية السلمية العارمة.

 أما أن خطأ "الثوار" الكبير أنهم لاعبوا النظام بألعابه، وبأدواته، وميدانه وهو العنف، والنظام كان أبرع فيه على الدوام وكان سيد العنف "أيام عزّه"، وكان العنف أداته الوحيدة في قيادة المجتمع وتطويع الناس، والعنف هنا يشمل أيضاً آليات ناعمة كالتجويع والإفقار والتهميش والتسريح من العمل ومنع السفر وفرض الضرائب الباهظة والقوانين والمراسيم الاشتراكية والقراقوشية الجائرة والغاشمة التي شلت الحياة العامة، تماماً، في سوريا وعطلـّت عجلة التنمية وفرملت تقدم المجتمع وتوقف الناس بموجبها، تماماً عن العمل والإبداع والإنتاج وتطوير حياتهم وتنمية مدخراتهم وأصبحت سوريا بموجب العنف "الناعم" واحدة من أفقر دول العالم قاطبة، بمعدل بطالة مرعب يصل إلى 70% من عدد السكان، وهي سابقة موجعة وفريدة ليس في تاريخ سوريا وحسب بل في تاريخ البشرية أن تصطف كل تلك الطوابير الجرارة في صفوف العاطلين عن العمل الناجم كلياً عن "العنف الناعم"، تماماً كما كان سيفعل أي عنف وحرب وإرهاب مادي منظم..إلخ

 لكن الآن والحق يقال فقد انتصرت المعارضة على النظام بالعنف ومن دون أن تمتلك أية أدوات عنفية "ناعمة" وحرمتها كلياً، وبدا عنف النظام القديم ملاكاً رحيماً أمام عنف المعارضة المسلحة، و لن تستطيع أن تهزمه لأن هناك مؤسسة وطنية سورية عظيمة وشريفة هي من تتصدى لعنف المعارضة المسلحة ودستورياً وباحتراف وبأدوات وأسلحة أقوى بكثير من المعارضة واكتسبت شرعية وطنية بسبب تطرف عنف المعارضة ودمويتها غير المسبوقة ء، ومع الإقرار بأن (الأنظمة)، أو النظام، وبسبب الخلفية الثقافية الماضوية الضحلة، كان سلفياً وظلامياً ومنغولياً ومتخلفاً عقلياً ومهترئ بنيوياً ومنحط أخلاقياً وشاذاً سلوكياً ومنفلت غرائزياً ولدرجة لا تطاق أحياناً، لكنه، ومع ذلك، يبقى أرحم بكثير قياساً ومقارنة بمعارضة شيوخ النفط والتأسلم الرث الإجرامي المأجور والمنحط.

 وحين قارن الشعب السوري عنف النظام وسلفيته وماضويته ووسائله البدائية والظريفة والمضحكة أحياناً في ممارسة العنف (يعني رفع فلقة، وتوقيف، وتسريح من العمل، منع سفر، شحط إلى الفرع، وضع المسدس على الجنب والتباهي...إلخ)، مع عنف المعارضة الدموي الصحراوي الفتاك (قطع رأس، قطع أطراف بالبلطات، ذبح بالساطور والسكاكين كالنعاج والخراف، ثقافة الدوشكا، و"الرامبوية"الأمريكية المستعربة والمتبدونة، التهديد بإسقاط الطائرات المدنية، تنكيل وتمثيل بالجثث، مجازر جماعية، خطف، رمي من طوابق عليا، تفجيرسيارات وسط المدنيين، عبوات ناسفة، قتل وذبح على الهوية فيما كان النظام يمارس جهالته وبطشه على عموم الشعب دون استثناء وتخصيص طائفة أو مذهب بعينه بذلك وهذا ضرب من العدل الاستبدادي لن تصله معارضة الدوشكا والعبوات الناسفة)، هنا، وبكل بساطة، فضل الناس عنف النظام اناعم والبدائي والمتخلف على عنف المعارضة الدموي الحديث المدروس في بروكينغز وفريدوم هاوس وبلاك ووتر. نعم كلاهما عنيف لكن هناك فروقات شاسعة وعميقة وتباين صارخ بين عنف هذا وذاك.

 أي أن الاختلاف بالدرجة وليس بالنوع رغم تماثل التكوين العقائدي والبنية الإيديولوجية للنظام والمعارضة فكلاهما أصوليان وسلفيان، ومن المعروف أن نظام البعث يرفع شعار بعث وإحياء إمبراطورية الغزو البدوية العسكريتارية التي أنشأها غزاة وقبائل الصحراء الجياع حين داهموا المنطقة في غفلة من التاريخ، فيما تسعى المعارضة الهمجية الوهابية المسلحة، أيضاً، لإحياء إمارات على ذات النمط العسكري والسلطويا البدوي الذي أنشأه البدو الأوائل، لكنه أشد ظلامية وماضوية وتطرفاً من إمبراطورية البعث البدوي. وحتى لجهة التدمير الممنهج للدولة والمجتمع، فالنظام كان يدمـّر كما قلنا أيضاً بآليات ناعمة ومعروفة كمنع تشكيل الأحزاب وفصم عرى المجتمع والقضاء على المجتمع المدني وحظر الاحتجاجات والتجمعات والمسيرات والإضراب وتغذية والتحالف مع التيارات الظلامية ومنع التنوير وتشريد رموزه وقهرهم وتجويعهم وضرب مرتكزات المجتمعات ومنع تآلفه وتجمعه ووحدته وعزله بعضه عن بعض، لكن المعارضة الوهابية المسلحة كانت كالإعصار والتسونامي المدمر الهائج وغرائزية تجتاح وتجرف زتنسف مادياً وتخرب بنيوياً وتدمر مؤسساتياً وتحرق كل ما يقع أمامها، وتدك البني التحتية التي هي ملك للمجتمع والشعب وليس للنظام.

هذا ما يمكم تسميته بصراع الهمجيات الأصولية، في ربيع العرب وما يقال عن سوريا يقال عن كل نظام استهدفاه رماح ربيع العرب. صراعات بين أصولية وبدائية النظام، وأصولية وبدائية وهمجية المعارضة (المعارضات) المسلحة. أي أن قدرنا، في هذه الجغرافية المنكوبة والمقهورة الرثة والمحطمة تاريخياً والمدمرة اجتماعياً والمنحطة ثقافياً هو أن نختار دائماً بين السيء والأسوأ، بين العتمة والظلام، بين الذبح والانتحار، بين الحزن والقهر، بين الجزية والسلب، بين الوأد والقتل، فالنتيجة دائماً هي الموت وليس بين الجيد والسيء، أو الأبيض والأسود، الخير والشر، الشيطان والملاك، والماضي واالحاضر، والتخلف والتحضر،، بل بين همجية وأختها، وأصولية وأخرى.

 إن المعارضة الوهابية الهمجية المسلحة تقف اليوم على يمين النظام بالتشدد والتطرف الظلامي والغلو العقائدي والإيديولوجي البدوي والعنفي وحين تم انتخاب معاذ الخطيب، فأول ما طلبه هو أسلحة أشد فتكاً كي تفتك بما تبقى من السوريين، وكي يبرهن على الهوية الهمجية لـ"إتلاف"، وكي يبز المجلس الوطني في عنفه وإجرامه، ومن هنا يبدو النظام، مقارنة، ونسبياً، أكثر حداثة، وأقرب إلى اللاعنف من المعارضة الوهابية المسلحة ولذا لم يسقط ولم ينهر، وتمسك ويتمسك به كثير من السوريين، ، وليس لأنه ملاكاً منزلاً طاهراً ومعصوماً.

وبين همجية المعارضة، وهمجية النظام، أيهما ستختار؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز