د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
في انتظار أتاتورك
مصطفى كمال اتاتورك أو أبو الأتراك كما يعني اسمه هو البطل القومي التركي الذي حرر تركيا من الاحتلال الأوروبي في حقبة مابعد الحرب العالمية الأولى ، وهو الشخص المثير للجدل والمكروه بشكل خاص من جماعات الإسلام السياسي التي تتاجر باسم الدين للتسلط على الشعوب وإبعادها عن ركب التقدم والتحديث والتصالح مع العصر ، اتهموه بالعلمانية والكفر وبأنه صنيعة الانجليز بالرغم من أنه تعلم في بداية حياته بالمدارس الدينية وحفظ القرآن الكريم ، لكنهم لم يغفروا له إلغاءه للخلافة الإسلامية وتحرير الأتراك من سيطرة رجال الدين وإعلان تركيا دولة علمانية وحصر الدين في المساجد ومنع كل أشكال النقاب وإن كان قد سمح بالحجاب العادي أو تغطية الرأس ثم أطلق نهضة تركيا الحديثة بعيداً عن كل مايجرها إلى الخلف وماتسبب في انحدارها من دولة عظمى في العصور الوسطى إلى دولة محتلة بعد الحرب العالمية الأولى ، وفي سبيل تحريرها فقد خاض أتاتورك حروباً طاحنة على عدة جبهات ليكون انتصاره إيذاناً بوضع تركيا على طريق نهضتها الحديثة .
الدولة العثمانية قادت العالم الإسلامي في مرحلة تاريخية وصل فيها الجهاد الديني ذروته في العالمين الغربي والشرقي ، فرأينا فتوحات عثمانية إسلامية تجتاح شرق اوروبا بهدف السيطرة على أوروبا كلها والوصول إلى الدولة الإسلامية في الأندلس لإنقاذها من الانهيار ، وفي المقابل وجدنا حملات صليبية برعاية بابا روما تحاول استخلاص بيت المقدس من أيدي المسلمين والسيطرة على العالم الإسلامي ..كلا الصراعين كان صراعاً دينياً في مرحلة تاريخية كان الجهاد فيها من الجانبين مشروعاً لمن يملك أدواته وقد كنا نملكها في تلك الفترة ، لكن الجانب الإسلامي مع شديد الحسرة والأسف لم يطور أساليبه ولم يعش العصر ،ولم ينتقل إلى مرحلة العلم الحديث يتطوير أدواته لتواكب مايجري في العالم من ثورة صناعية كبرى واعتبر هذه العلوم والاشتغال بها رجس من عمل الشيطان وبدع لاينبغي السير وراءها والعلم الوحيد المطلوب دراسته وإتقانه هو العلم الشرعي فحدث اختلال في موازين القوى وصارت الغلبة لمن يملك ادوات العصر وبدات الدولة العثمانية في التآكل والاضمحلال حتى ورث تركتها من يملكون أدوات العصر .
انهارت دولة الإسلام العظيمة في الأندلس وطُرد المسلمون منها شر طردة وصارت الدولة العثمانية رجل أوروبا المريض ، فكان وجود شخص مثل كمال اتاتورك الذي تخلص من بقية تركة الدولة العثمانية وواكب الغرب وسايره في مسيرته التي أبعدت الدين بشكله القديم عن دواوين الحكم ممانقل تركيا إلى مصاف الدول الأوروبية ،بينما ظل الحالمون بإحياء مجد الدولة العثمانية سادرون في أحلامهم القديمة ومحاولة العودة إلى المجد القديم دون حتى أن يتمكنوا من صنع " فانوس رمضان أو كحك العيد فهذه الأشياء يتم استيرادها من الصين وتايوان لأن العالم الإسلامي مايزال يؤمن ان العلم الوحيد المطلوب هو العلم الشرعي ولاشيء غيره .
انتهت الحرب العالمية الأولى بتوزيع تركة الدولة العثمانية إلى دول صارت غنائم للغرب المنتصر وزرعت إسرائيل في قلب المنطقة العربية كدولة تجمع يهود العالم ،ومع ذلك ظل النائمون والحالمون على حالهم لم يستخلصوا الدرس ولم يتعلموا أن الأمل الوحيد لهم إن كان ثمة أمل هو في اللحاق بركب الحضارة والتحديث ومنازلة الغرب بأدوات العصر وبسلاح العلم والمعرفة لا الإرتداد للخلف قروناً من الزمان لبعث تاريخ مجيد انتهى تاريخ صلاحيته . 
وهذه الأيام نحن نعيش النقلة الثانية للصراع بين الشرق والغرب حيث سيتم تفتيت العالم الإسلامي مرة اخرى بنفس المنطق القديم إلى دويلات حقيرة حتى لاتقوم له قائمة ويسكت صوته للأبد ، فقد فهم الغرب اللعبة ونحن مع الأسف لم نفهم شيئاً ، فنحن نحارب بنفس الآليات التي فككت الدولة العثمانية ونريد أن نعيد دولة الخلافة والحلم العثماني دون أن نملك أي مقومات مادية او علمية ودون حتى أن نتمكن من توفير الخبز لشعوبنا ، وبعض المتمسكين بهذا الحلم ينامون في العسل ولايعرفون قوانين ازدهار الحضارات واضمحلالها حيث تولد كل حضارة ومعها بذرة زوالها ومالم يتم التصالح مع العصر والعمل بأساليبه وادواته وعلومه ، ويبقى الدين محترماً في المساجد والكنائس ليغذي الناس روحياً بالقيم العليا فقط بعيداً عن إدارة الحضارة ، مالم يحدث هذا فسيظل مسلسل التفتيت والانحدار إلى ماشاء الله ..
استحق اتاتورك إذن هذا اللقب الذي لم يمنح لشخص غيره وهو " أبو الأتراك " اما نحن فليتنا نظل كما نحن دولاً موحدة بل إن غباءنا قد أضاع منا وحدة العراق ووحدة ليبيا ووحدة سوريا ووحدة السودان ووحدة الصومال وقد جاء الدور على مصر مع شديد الأسف إذ يتم الآن تغذية التيارات السلفية الإسلامية لتتغابى أكثر وأكثر وبرعاية غربية وتخطيط صهيوني ، لتتحول مصر الموحدة العظيمة إلى دولة للنوبة ودولة للأقباط ودولة صحراوية في سيناء ، بينما نواجه هذه الحرب بالحديث عن اللحية والجلباب والنقاب والحجاب ، ورضاعة الكبير وزواج القاصرات ونكاح الوداع وحجب المواقع الإباحية في حين أننا لانهتم بحجب الأمراض أو حجب الفقر ومذلة لقمة العيش التي يعاني منها السواد الأعظم من شبابنا .
الفقراء يزدادون فقراً والمتعلمون يتسولون فرصة عمل بائسة من يد كفيل أو وكيل ونحن نستعد للنوم في العسل قروناً أخرى في انتظار آلة الزمان التي ستنقلنا إلى مرحلة من التاريخ كانت لها أسبابها ومبرراتها ، لكنها بالتأكيد لن تعود أبداً ، ومالم يظهر على أرضنا أتاتورك مصري فقل علينا يارحمن يارحيم .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز