نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
رسالة مع الحمام الزاجل الدمشقي الى طرزان الربيع العربي وقروده


كيف أعيد رسم الكلام وكيف أخترع حروفا جديدة للعرب .. لم يبق حرف الا وتعب وأنهك ونحن نحمّل على أكتافه الحقيقة وسبائك الذهب ونبعثه مرسالا فيعود محملا بالغبار والعار أو مذبوحا من عنقه من الوريد الى الوريد .. صرت أسمع لهاث الكلام وملله من نفس الرحلة على نفس الخطى والدروب والسطور .. فهل يقرأ العرب الكلام؟؟ وهل يسمع العرب الكلام .. وهل لآذان العرب مداخل وأبواب؟ أم أن ثقوب الآذان في رؤوس العرب صارت كهوفا ومغاور في جبال صماء ..؟؟ أم أن حواجز مسلحة تقف على مداخل عقولهم تفتك بالكلام وتكبّر ولا تسمح الا بدخول العواء والنباح القادم من الفضاء؟؟

تبدو الكلمات عاجزة عن دخول رؤوس العرب كأن الكلمات قطعان من الفيلة وآذان العرب ثقوب الابر ؟؟ ماذا فعل العرب بآذانهم؟ ومن قطعها؟ ومن صب في ثقوبها الرصاص؟ وماذا فعل العرب بعيونهم؟ ومن فقأها لهم وسملها؟ ومن صادر البؤبؤ من عيون أطفالهم وشبابهم؟؟ من هؤلاء الذين ينطقون بالعربية ولايفهمونها؟ ومن هؤلاء الذين يكتبون بالحرف العربي ويسقونه بالسمّ قبل أن يشربه الناس ..أو يجعلون منه انتحاريا ينسف نفسه وينسف عقول العرب؟؟

كيف نعيد رسم الكلام .. وكيف نخترع حروفا جديدة للعرب؟؟ وكيف نفتح آذان العرب ونعيد للعيون البؤبؤ المفقود .. وكيف نقنع الكلام برحلات السفر من جديد الى موانئ في عقول العرب؟ وليس في تلك الموانئ منارات ولا أرصفة منذ أن داهمها القراصنة .. ورفعوا علم القراصنة الأسود .. الذي كتب عليه باللون الأبيض (أشهد أن لااله الا الله .. وأشهد أن محمدا رسول الله) .. وهل هي الصدفة وحدها هي التي جعلت علم لون تنظيم "القاعدة" يشبه كثيرا علم القراصنة المعروف بالسواد وبجمجمته وعظمتيه البيضاوين؟ .. علم قراصنة العقل العربي لاتشبهه الا أعلام المحاربين في بلاد العرب وفي ربيع العرب؟؟

كيف نعيد رسم الكلام .. وكيف نخترع كلاما جديدا للعرب منحوتا من رخام بعدما فتك الربيع بالكلام وحطم أعمدة الرخام ؟؟ كيف نحرر الكلام بعدما رأينا كلمات القرآن كالسبايا مسربلة بقيود وأصفاد من فتاوى القرضاوي ولعابه وسلاسل من صوت الأئمة والدعاة والحواة .. كلها سبيت كما سبت بابل مملكة أورشليم .. واقتادتها الى حصون بابل .. والى شتات عظيم..فهل من فارس يجمع شتات السبايا ويعيدها الى مصحف عثمان؟؟..
 
كيف تغير الكلام وصار رملا تذروه "جزيرة" وقراصنة في العيون؟؟ وهل تفيد اللغة التي تتفتت كالرمل قبل أن تخرج من أفواهنا؟؟ والتي تتلوى كالثعابين والديدان وهي تغادر أفواه الثورجيين المليئة بديدان اللغة وثعابينها .. ثعابين الحرية وأفاعي الديمقراطية وديدان الثورة..

وماذا يمكن أن يحمل الحمام الزاجل من دمشق المحاصرة بالمؤامرة والبداوة وقراصنة الكلام؟ ..

لمن لايقرأ الا أوراق الحمام الزاجل في زمن غربان الجزيرة والعربية ومخلوقات الفضاء .. هذه رسالة تحملها حمامة زاجلة .. ومقال الحمام الزاجل يطير مباشرة من ساحات الجامع الأموي يبحث عن عرب يقرؤون رسائل مكتوبة بلغة عربية صحيحة ومعطرة .. ليس فيها اعوجاج ولارطانة الثورجيين المتفرنسين ولا من تترّك لسانه وتسلجق .. ولن يسمع تكبيرات محمد بن عبد الوهاب ولا هياج المسعورين .. سأكتب فيها للعرب كلاما لن يسمعوه بآذانهم الصماء .. ولن تراه عيونهم الزائغة الدائخة .. بل سيتسلل من مساماتهم ويسبح في عروقهم .. عله يصل الى أدمغتهم..ان بقي منها شيء والتي لايشبهها الا حطام المدن الأثرية في بلادنا والتي يسرق مابقي منها الثورجيون ليبيعوه في سوق اللصوص.....
 
****************************

من دون مجاملة أو نفاق ومن دون أن أخشى اللائمين ومن سيشهقون تعجبا فسأقول: لم تعد تعنيني الديمقراطية بكل أشكالها ولا الحريات ولا صناديق الاقتراع .. ولاتهمني ان وصلت الديمقراطية السورية أو العربية الى الدرجة الحمراء أو الخضراء أو تفوقنا على ديمقراطية مجلس اللوردات البريطاني أو هبطنا الى ديمقراطية قبائل الزولو أو ديمقراطية قطر العظمى .. لأننا يجب ان نعترف أننا نواجه ماهو أخطر من الاصلاح السياسي والديمقراطي .. انه معركة استعادة المستقبل لأن ماخربناه اليوم ليس الحاضر بل المستقبل .. فماذا أصنع بالحرية والديمقراطية من غير وطن أو مستقبل أو وطنية؟؟ لقد انتهى عهد من الحلم العربي أثار جدلا كبيرا بدأ بالاستقلال عن العثمانيين وانذارات غورو عبر عصبة الأمم وانتهى بعد قرن الى حيث بدأنا بالعودة الى حكم القبائل ورجال الدين والصراع مع العثمانيين الأتراك وعودة الانتداب عبر مجلس الأمن .. وكأننا كنا على محيط دائرة .. فكانت نقطة النهاية هي نفسها نقطة البداية ..
 
فالذي أسسته المعارضات العربية هو مرحلة من أخطر مراحل الحياة السياسية وهي الثورة من مجلس الأمن .. ومن مجلس جامعة الدول العربية .. وربما تأسست لدى العرب مدرسة سياسية لاسابق لها تم تخريج الدفعة الأولى منها في العراق وتلتها الدفعة الثانية في ليبيا وهي أن من وصل الى السلطة بالناتو لايسقط الا بالناتو .. وحكام اليوم الذين أسقطوا من الجو الى القصور بالمظلات مع وابل قصف قاذفات الناتو .. سيسقط عليهم وابل قاذفات الناتو التي يأتيهم بها الحكام القادمون لاقتلاعهم .. المعادلة السياسية اليوم في عالم العرب هي التالية:

سلطة اليوم يأتي بها الناتو .. ومعارضتها تنتظر دورها في السلطة لدى الناتو .. والطرفان سيتناوبان في بيع الاستقلال الوطني للناتو .. فيما تتقدم العروض بالظرف المختوم الى مناقصات السلطة في مقر الناتو .. في الماضي كانت اما السلطة وحدها أو المعارضة وحدها ملكا للناتو .. واليوم قبض الناتو عليهما معا ووضعهما في القفص ذاته..كما توضع الديكة في الأقفاص ..
 
في المنهج العلمي والعقلي لمحاكمة الأشياء هناك مبدأ مقدس .. فللوصول الى نتيجة صحيحة لأية مقدمة لابد من استعمال وسائل صحيحة للوصول اليها .. وبطلان الطريقة الصحيحة يجعل النتيجة بلا قيمة .. وقد تعلمت هذا المبدأ عند دراستي للبحث العلمي المنهجي في الغرب حيث الأبحاث العلمية البديعة .. وأذكر أننا خلال دراساتنا كنا عندما ندرس فرضية ونحاول الاجابة على سؤال علمي ما كان أكثر مانعمل على أن يكون متينا متماسكا هو طريقة اجراء البحث العلمي وأدوات التجربة .. فاستعمال طريقة ضعيفة أو أدوات تتهم بأن فيها عيوبا كان يضعف أية نتيجة ويذيبها كالشمع في الفرن .. ومهما كانت نتائج الأبحاث عظيمة وقاطعة فان سؤالا واحدا عن نقطة ضعف موجعة في الطريقة أو أداة مستعملة معروفة بقلة دقتها كانت تجعل كل جهد لا معنى له وفاقد القيمة ...وهذا يلخص مبدأ معروفا في ثقافتنا البسيطة وهو: مابني على باطل فهو باطل .. ولعل أكثر مبدأ محتقر في البحث العلمي المنهجي هو مبدأ الغاية تبرر الوسيلة .. فالغاية لايمكن في البحوث العلمية أن تبرر للباحث استعمال أية وسيلة مهما كانت نتائجه باهرة وغايته نبيلة .. لأن نقاء ومتانة الطريقة هي التي تثبت نقاء النتيجة ومتانتها والعكس بالعكس..وماحدث في الربيع العربي هو تكريس الباطل المبني على باطل وأن الغاية (الحرية) تبرر الوسيلة (الخيانة)..

واذا ماقمنا بتطبيق المبدأ العلمي الصارم في التجربة على تجربة الربيع العربي لوجدنا أن من يقول ان النتيجة منحرفة سيستنتج أن النتيجة منحرفة لأن الطريقة منحرفة أصلا والأدوات أدوات فاسدة .. فكل الثوار خرجوا من رحم دول الخليج الفاسدة أخلاقيا وسياسيا والفاقدة للبنية الاجتماعية والنخب المتفوقة .. وما خرج من بطن السعودية ورحم قطر لايمكن أن يكون ثوريا .. ولايمكن أن يؤمن بالتعددية والاصغاء للآخر .. لأن اساسيات التجربة منحرفة أصلا .. أما من يقول ان الطريقة لم تعد تهم طالما أننا وصلنا الى الغاية فانه يهدم مبدأ المنهج العقلي وسلامة النتيجة ..فلايمكن أن تصل طريقة مختلة الا الى نتائج مختلة ..فما بني على باطل ..باطل .. كما أن الغاية لايمكن أن تبرر الوسيلة ..الا عند قراء التلمود وبروتوكولات صهيون ..وأتباعهم ..

وهناك حقيقة تحير معظم الذين يبحثون عن دفاع مستميت عن ثورات الربيع العربي وهي أن الاعتراف بالثورات تم بسرعة من قبل صناع الانقلابات الشهيرة في أوروبة واميريكا (الثلاثي اميريكا فرنسا بريطانيا) .. ولايجد المتحمسون للثورات الا حجة مترنحة عرجاء تقول بأن الغرب لم يكن له خيار الا الاعتراف بقوة التغيير وقرر عدم مواجهة القطار المندفع بل الترحيب به على محطاته .. ولكن حتى هؤلاء يعرفون في قرارة نفوسهم أن ذلك خداع للنفس لأن الغرب لايجامل في هذه القضايا بدليل أنه قاطع الثورة الايرانية وحارب ثورة هوغو تشافيز كل هذه العقود وتحمل خسارة القطيعة مع ايران الثرية ولم يفكر بمغازلة ايران .. أما مع عربان الربيع واسلامييهم فلم يستغرق الاعتراف به وبهم الا بضعة أسابيع .. بل أن أول الواصلين الى عواصم الربيع العربي كانوا وزراء خارجية الثلاثي الشهير (فرنسا - بريطانيا وأميريكا) ..

أمام هذا الاعتراف الغربي السخي كان اللاوعي العربي مشوشا وغير راض فعجزت الثورات عن خلق اعتراف جماهيري شامل افقي وعمودي في المجتمعات العربية كأي ثورات كبرى لها طابع الولاء الساحق .. فباستثناء المجتمعات ذات الصبغة المتخلفة و(المحتلة عسكريا) في الخليج العربي والمجموعات الدينية، ظل حماس القطاعات المتنورة والعلمانية عموما غير قابل للتطويع وغير قابل للتصديق ببراءة الربيع من نكهة العمل الاستخباري الغربي بدليل أن المصريين مثلا رحبوا بتغيير النظام لكن نصفهم لم يشاركوا في انتخابات مابعد الثورة وهذه حالة ليست ثورية اطلاقا (عندما يغيب أكثر من نصف المجتمع الثائر عن صندوق الانتخابات) لأن النتيجة كانت مثيرة للحيرة فبعد كل هذه الثورة كانت النتيجة مثيرة للاستغراب وهي الوصول الى انتخابات اما أن تعيد انتاج عهد مبارك (احمد شفيق) أو تنتخب النموذج الرديء (الاخوان) كممر اجباري بعيدا عن اعادة انتاج حسني مبارك .. وقراءة متأنية للانتخابات تظهر أن نصف هؤلاء الذين شاركوا في الانتخابات صوتوا ضد انتاج الثورة الرئيسي (محمد مرسي) الذي تم اصطفاؤه في عملية دقيقة وفق صفقة بدأت تتضح .. وكثير منهم لم يصوتوا له اعجابا ببرنامجه بل صوتوا له نكاية بشفيق ..
 
كما أن الانتصار السريع القياسي للربيع العربي خلال أسابيع في مصر وتونس يثير أسئلة كبيرة عن ماهية هذه الثورات والتي بعكس ثورات الدنيا انتهت بانقلاب عسكري وليس باجتياح الجماهير للقصور .. وتقف ثورة ليبيا مجللة بالعار اذ لم تستطع اقتلاع نظام ماكان يسمى الديكتاتور الا عبر مذبحة الناتو الشهيرة بحق الليبيين ..أي عبر غزو خارجي ليس بسبب قوة القذافي بل بسبب ضعف القيمة الثورية للربيع الليبي وامتلائه بالانتهازيين .. ولاتزال ماتسمى بالثورة السورية عاجزة عن اطلاق جماهيرية الثورة فاستعجلت بسبب ذلك الوهن الجماهيري الانتقال الى العنف المسلح لغياب الاحتضان الشامل الشعبي (باستثناء البؤر المتدينة والفقيرة تعليميا) وهذا الضعف الجماهيري هو الذي نقلها من مرحلة السرية مع أجهزة الاستخبارات الى العلنية في الارتماء في حضن كل أجهزة الاستخبارات الدولية ..دون خجل..

سأعيد تذكير الناس بالحقائق رغم أنني لاأحب تكرار الكلام .. لكن غياب العقل يستدعي حقن الرؤوس بدواء العقلانية على جرعات متكررة حتى يتم شفاء الرؤوس المحشوة بالمتفجرات الثورية:

الثورات الأصيلة لاتبالي بالاعتراف الخارجي بها بل تفرضه بتحديها للحصار والرفض المفروض عليها .. وربما كانت أهم ميزة للثورات الحقيقية أن أعداءها الخارجيين أكثر بكثير من أصدقائها لما تثيره دوما من حمى التغيير وتصدير نفسها بالعدوى الثورية .. فالثورة الفرنسية واجهتها كل أوروبة وكل ممالكها وأماراتها وتزعّم التصدي لها رئيس وزراء النمسا مترنيخ .. أما الثورة البلشفية فعانت ماعانته من حرب شعواء عليها من كل أوروبة وامبراطوريات بقايا القرن التاسع عشر (البريطانية والفرنسية) وحاول هتلر نفسه اخضاعها لاحقا .. ولدينا حديثا نموذج الثورة الايرانية التي واجهتها أوروبة بكل ثقلها وتصدى لها ملوك العرب أجمعين وتم توريط القوميين العرب عبر الرئيس العراقي صدام حسين بالتعامل معها حربا .. ولاتزال هذه الثورة تحت حصار الملوك العرب ومطارق الغرب..وربما أهم سلاح أنتجته اوروبة لمواجهة نتائج الثورة الايرانية هو .. الربيع العربي نفسه الذي وضع ايران كهدف للمواجهة وأسقط من حساباته مواجهة الغرب واسرائيل ..
 
الربيع العربي على عكس كل ثورات العالم يتمتع بصداقات حميمة كثيرة وعلى رأس أصدقائه كل زعماء أوروبة الغربية الذين هدموا كل الثورات التحررية سابقا .. وتلقى ربيع العرب أحر ترحيب وأكثر العواطف الغربية دفئا بل وتبرع البعض بالاسهام فيه .. وهؤلاء اليوم يربتون على كتفيه ويقلدونه أوسمة البطولة ويضعون على رأسه الفارغ أكاليل الغار ويقدمون له هدايا الاعتراف وعلب الشوكولاتة والحلوى والقبل الديبلوماسية ..والغرامية ..والعناق الطويل الدافئ..

وانفردت ماتسمى الثورة السورية بأنها أكثر ثورة في التاريخ حظيت بترحيب كل الدول الغربية والعربية بشكل هستيري وتدافعت 130 دولة لتأييدها ..ومن المفارقات أن البعض يعتبر هذا الموقف الدولي دليلا على نبذ النظام لأنه قمعي .. وهذا قطعا مناف للناموس الطبيعي والمنطقي لتطور الثورات التي تكون سببا في التوجس من أفكارها ذات البعد الدولي العام والتي تخيف بتوثبها قادة العالم وكلاسيكيي السياسات التقليدية فيمارسون سياسة "النأي بالنفس أو الترقب والتثبت" من طبيعة الثورات أو المجاهرة مباشرة بعدم الارتياح .. والحال الآن هو أن المعادلة انقلبت بشكل مثير للدهشة فالنظام السوري يحظى بعدوانية دولية لاتحصى (130 دولة) لاتنالها الا الثورات الشعبية الكاسحة .. ولكنه في الداخل ينفرد بالتفاف الناس حوله بشكل ملفت للنظر .. ان مقومات الثورة يمتلكها النظام أكثر مماتمتلكه قوى الربيع العربي مجتمعة ..
 
ولاينكر أحد أن الثورات العربية قاطبة اعتمدت بقوة منهج الحرب الاعلامية والدعم الغربي غير المسبوق اعلاميا لتبرير نشاطها .. ولكن الثورة التي تقوم على سطوة الاعلام الغربي ليست ثورة طبيعية بل ثورة صناعية .. لأن الثورة الحقيقية لا تنتشر عبر جوقة الفضائيات لأن هذا يعني أنها مشبعة بالكذب وتفوح منها رائحة ألاعيب الدجالين والشعوذة البصرية.. وصار أشهر انجاز لربيع العرب هو اشاعة ثقافة الكذب وفقه الكذب وافساد المجتمع وصدقيته .. ولايمكن ان يكون المجتمع القادم الا مجتمعا مليئا بالمرض الثوري الذي سيلجأ الى نفس اللعبة والتكتيك .. ولن ينجب الا أطفالا كذابين .. ولن ينمو في المجتمع الا الكذابون والكذابات ..وأبناء الكذابين والكذابات ..

***************************
 
بالطبع سأتلقى (كما لاأزال أتلقى) الكثير من الرسائل المحتجة والرسائل الحائرة حول تشكيكي بالثورات العربية .. لكن ذلك الجدال والحوار والاعتراض أو القبول بانتقاد الربيع يشير بوضوح على أن هناك أزمة اعتراف عامة وأزمة معنوية تعيشها الثورات العربية وادراكا عميقا للمعضلة الثورية الأخلاقية .. ولعل ثمار الربيع وخاصة التي قطفها بيريز"العظيم" من صديقه الوفي محمد مرسي في رسالة الاعتراف التي حملها أول سفير لثوار الربيع العربي وللاخوان المسلمين صارت تحرج كل المتحمسين للربيع والذين صدقوا أكاذيبه ولايعرفون دفاعا فولاذيا لها .. وتؤكد على أن رفضنا كمجتمع سوري لهذا الربيع لم يكن رفضا عاطفيا وتعصبا لنظام بل رؤية بعيدة وثاقبة .. بل صار اسقاط الربيع بهجوم معاكس أكثر ضرورة والحاحا من قبل الجميع قبل أن يفتك الربيع بالجيل القادم ..صار هناك شعور عام بالخطر من الربيع العربي والقوى التي سيطرت على المجتمع والتي يبدو أنها أكثر تدميرا للفرد والمجتمع من أية ديكتاتورية ..
 
ومع هذا فان هذا الاعتراف الخجول من قبل المتحمسين للربيع بحد ذاته تقدم مهم حيث قبل هؤلاء أن منتجاتها رديئة للغاية ولايمكن الدفاع عنها.. وهؤلاء الناس رغم اقرارهم بهذه النتيجة فانه يعز عليهم أن يصلوا الى حقيقة أنهم خدعوا وأنهم كانوا يهرولون في مسرح الكاميرا الخفية لبرنامج الربيع العربي ومخرجيه في دوائر الاستخبارات .. الكاميرا الخفية تصور شعوبا تهرول وتثور ثم تتسلح وتتقاتل وتدمر جيوشها وبنيتها وتطلق لحاها وتكبر الله أكبر. . فالثورات العربية الآن تجهد بعد خيبات الأمل لتحصل على الاعتراف بها كثورات أصيلة لأنها تدرك في وعيها ولاوعيها أنها لاتنتمي الى فصيلة الثورات وأنها تنتمي الى عالم المخابرات الخفي .. وفن تصنيع الانقلابات الدولية العصرية..
 
فلايزال البعض يقولون اننا لانستطيع التهرب من أن "جذر" التحرك العربي في ربيعنا العربي بريء وأن هذه الثورات صادقة .. وصار البعض يقبل بالتسليم بأن أصل الثورات نقي صاف لكن تفرعاتها مسمومة .. أي يقبل بالتفسير الشائع بأن الغرب فوجئ بالثورات العربية ولذلك سارع الى ركوبها والتعاطي معها بواقعية حتى تمكن من ترويضها وحرفها ..
 
ويبلغ الغضب ببعض الذين يناقشونني أنهم يذكرونني بمئات آلاف المصريين في الشوارع الثائرة .. ويقول بعضهم متحديا: وماذا تسمي ذلك الحشد اذا؟؟ مؤامرة؟؟ وكيف تتخلص المؤامرة من عملاء الغرب في نظام مبارك وبن علي ؟؟ ويستحضر البعض الآخر البوعزيزي ويأتي بنيرانه ليرميها في وجهي فورا كشاهد لايرد من السماء ليقال انه صاحب الثورات .. فهل أحرق هذا الشاب نفسه ضمن تخطيط المؤامرة؟؟؟ ويضيف آخرون .. ان الشعب العربي وصل به الامر أنه وجد انه لامناص من الثورات فانتفض !! فلماذا تنكرون عليه هذا الحق الطبيعي بالثورة .. وهذا الواجب الطبيعي تجاه نفسه وأجياله؟ ولماذا هذا الاحتقار لارادته وقدراته ؟؟
 
ماحدث في ربيع العرب هو انقلاب عسكري تم التمهيد له بمسرحية التجمعات الكبرى .. فكما نعلم لم يعد مقبولا في عالم اليوم استعمال لغة الانقلاب العسكري الصرف مثل عالم الخمسينات والستينات حيث يصدر فورا البيان (رقم واحد) لمجموعة من الضباط ويتولى العسكر العملية الثورية .. بل صار ضروريا التقديم للانقلاب العسكري بمسرحية ثورية مقنعة .. تمهد لها مشاهد للمتظاهرين الكومبارس وتضخم الكاميرات الأحداث ويتبع الناس العواطف ويتم تحضير المسرح الثوري في الساحات ليأتي العسكر ويتم الانقلاب الثوري كما حدث في تونس .. ثم مصر .. ثم ليبيا التي لم يقبل العسكر باللعبة فقام الناتو بدور العسكر بعد أن مهدت له ملاعبات الاعلام وصورت المظاهرات على أنها ثورة شاملة وتجاهلت أن مؤيدي العقيد لم يكونوا قلة على الاطلاق .. العسكر في ربيع العرب هم من نفذ الانقلاب دوما بعد ان تقدمتهم الجماهير ليبدو مايفعلونه استجابة لطلب الجمهور فقط ..
 
كل مايقال في الدفاع عن الثورات العربية بدأ يترنح أمام رياح الأسئلة المحرجة .. ولايزال المنافحون عن الربيع وثوراته من تونس حتى سورية مرورا بمصر "كامب ديفيد الاسلامية" يزرعون حوله مصدات الرياح كيلا ينهار في عاصفة الأسئلة التي لاتعرف المزاح والمجاملة .. ولايزالون يبنون الجدران السميكة حوله والخرسانات الاسمنتية بالمقالات والمدائح ورقصات السامبا وموسيقا الجاز خوفا عليه من أن يسمع أصوات الضحايا ولعنات الاحتقار .. ويستمر هؤلاء المنافحون وتجار الكلام بحفر المناجم الثورية بلا كلل ولاملل في أرض الربيع العربي بحثا عن الماس المدفون في رماله .. رمال ألاعيب صناديق الانتخاب وأكياس الرز والسكر .. وكلما وجدوا ماسة متلألئة يرفعونها في وجوهنا للتباهي ولاسكات بريق عيوننا بالأسئلة .. ولكن متى كان بريق الحجارة أقوى من بريق العيون ؟؟ بريق عيوننا لايزال يقول .. ان قلوبنا لم تطمئن ..ولاتطمئن .. ولن تطمئن ..
 
كلام هذه الثورات جميل برّاق كالماس وشعاراتها الذهبية تذهب بالأبصار .. ولكن الحصول على الماس ياأصدقائي يعني أن نحفر نحو الأعمق في المناجم .. وكلما غاص المنقبون عن الماس في مناجم الأرض صاروا يرون القليل من مساحة السماء الزرقاء ومن ضوء النهار .. حيث الشمس .. الى أن يصلوا الى الظلام الدامس المطلق في الأعماق السحيقة .. حيث الظلام وحيث تحيط بهم المجوهرات النفيسة وعروق الماس والذهب والفلزات الثمينة (الحرية والديموقراطية وصناديق الانتخاب).. لكن لايصلهم شيء من ضوء الشمس .. وضوء العقل .. أو شيئا من شعاع الوطن..

من جديد دعوني أنتشلكم من الحفرة العميقة التي تواظبون الحفر فيها أيها الثورجيون وأنتم تجمعون الماس أو قطع الزجاج المهشم وتعتقدون أنه ماس ثمين في الاعماق السحيقة المظلمة .. ودعوني أيها الثورجيون أرفعكم الى سطح الأرض بيديّ وانتصبوا بقاماتكم بجانبي .. وافتحوا صدوركم وتنشقوا هواء عذبا ليس فيه أبخرة المناجم وغبار الذهب وعروق الماس ورائحة عروق النفط .. فلاشيء أبهى من نور الشمس الماسة العظيمة والمصباح .. ولاشيء أعذب من نسيم الأرض الذعذاع ..

لقد قامت الثورات العربية بحجة غياب صناديق الانتخاب وبحجة غياب مبدأ الرأي والرأي والآخر لكن ماحصل هو تمرد رأي على كل الآراء وهو رأي المؤسسات الدينية ورأي التزمت والتعصب والتكفير .. والثورات التي قامت بحجة التمرد على بيع استقلال الوطن وكرامته باعت الاستقلال الوطني رخيصا بدليل سفيري الخضوع والاذعان بين يدي شيمون بيريز الصديق العظيم للاسلاميين العرب .. وبدليل الاستماتة لاستجلاب الناتو كما وصفه بالضبط مقال الليكودي اللبناني فؤاد عجمي الذي قال عبر مقالة زاخرة بكل أصناف السموم والزرنيخ نشرت له في موقع ال بي بي سي قال فيها: ان السوريين يحسون بالحسد من الليبيين الذين غمرهم الناتو بالعطف وقام بتحريرهم !!..

تمكن الربيع من تغيير الثوابت وخلخلة أسنان الثقافة العربية .. فجاهر المقنعون بخلع الأقنعة فتغيرت القيم والبدهيات الوطنية وتم استبدال العدو الخارجي بالعدو الداخلي في استنساخ مذهل معكوس لتجربة الثوار العرب الاوائل ضد المسعمر الغربي .. ومن يتابع الصور التذكارية للثوار السوريين وهم يقفون تحزمهم أشرطة الرصاص ويحملون البنادق تماما كما كنا نرى صور ثوار الغوطة وجبل الزاوية يفعلون دون أي انحراف الا في صورة العدو الذي صار الجيش الوطني .. وصار من يمده بالسلاح هو من كان يحارب جده .. انقلاب مثير للاستغراب من بلاهة العقول التي أنشأها عرب الربيع ..

أنشأ الربيع فقه الخيانة .. فالتعامل مع الناتو واستحضار الفصل السابع هو مطلب كل الثوار العرب .. وتحول الجمهور الى قبول الرشوة السياسية .. فمن اجل السلطة تم التخلي عن الغاية الرئيسية من الوصول الى السلطة وهي الاستقلال السياسي والاقتصادي .. حتى القرآن تم اخضاعه ولي ذراعه .. وهذا تطور خطير في العقل العربي والمجتمع العربي ..

وعندما تكون ثمرة الثورات أن يهاجم الجمهور الثوري شخصا مثل سمير القنطار وهو الأسير المحرر والمقاتل المخضرم .. وحسن نصر الله .. وبشار الاسد .. فان ذيل الثورات تمسك به اسرائيل .. فماذا يعني أن تشترك اسرائيل وثوار العرب في العداء لنفس الشخص وبالذات بعد ربيع العرب؟؟
 
لذلك مهما دافع الثورجيون عن ربيع العرب فان المنتج النهائي من الثورات منحرف ولايمكن الدفاع عنه .. كما أن اللوحة الفنية التي تم الترويج لها ليست على ذلك القدر من الابداع والجمال والشاعرية الثورية .. وأن المولود الذي في أحضان الشعوب العربية لاينتمي لها .. بل ان ماحصلنا عليه هو عكس أسطورة طرزان ربيب القرود .. حيث أرضعت قردة ابنا بشريا فنشأ انسانا بين القرود .. فاذا بنا عرب نرضع قردا وضعه برنار هنري ليفي في حجرنا وتبنيناه .. وسميناه .. طرزان العرب .. وهو الذي صار ربيع العرب..
 
في أسطورة طرزان (ابن اللورد الانكليزي غريستوك) يتفوق الرجل الأبيض الانكليزي (طرزان) على الزنوج والأفارقة الأغبياء كما تريد الأسطورة قوله .. وفي أسطورة الربيع العربي يريد طرزاننا العربي ربيب الجزيرة (القردة بنت اللورد حمد) أن يقنعنا أنه متفوق علينا ويعلمنا كيف نختار حياتنا ..مع قردته ودببته.. ومفكريه العرب ..
 
***************

أخيرا .. وفي آخر سطور رسالة الحمام الزاجل الدمشقية كلام لايشبه الكلام الثوري بل كلاما اسمه الكلام الدمشقي .. يقول:

ان الكلام الدمشقي مسبوك من اسم دمشق ومسكوب من رحيق الياسمين .. واسم دمشق انسكب من دم هابيل عندما قتله شقيقه قابيل فنزف "دم الشقيق" على جبل قاسيون .. والتحمت الحروف وتمازجت وصارت "دم .. شقيق" أو "دمشق"

لكن دمشق اليوم تنسكب من شرايين السوريين .. فتأخذ دالها من "دم الشهداء" .. وتأخذ ميمها من ممانعة .. وتأخذ من شام الشرق الشين .. ومن "قاسيون" ومن "قلوب" الأحرار .. ومن "قوة الشعب" ..حرف القاف..
 
فانتظروا ماتقوله دمشق لربيعكم .. أيها العرب

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز