موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
على حافة الصمت

 تلك كانت فجيعتها التي ساقتها اليها يد التكنولوجيا الآثمة...                                                                     

بين الدهشة والدهشة, تلعثمت.. ثم تهاوت حمّى الكلمات و حمّى المرارة و الحزن.                                           

 في تلك الليلة الباردة من شهر شباط  هوت على الكرسيّ تنظر اليه بأسى, بحرقة وبحنق من شعر بأنّ المياه تجري    من تحت قدميه , تتأمله مربكا, يتوارى خلف انكاراته... بصمت حينا و بكلمات لا معنى لها حينا آخر... كانت تلك الليلة التي لم تذق فيها طعم النوم بداية رحلة طويلة من الأرق و الخوف.. و الخيبة و الألم.. ألمٌ فاق حدّ الوصف.                                                                                                                            

في أول دوامة الأسئلة اليتيمة من الأجوبة, عادت الى شوارع ذاكرتها, الى ذلك الأيلول البعيد الذي التقت به, ليلتها, باركهما المطر الأول.. كم كان حبيبها يشبه أيلول, بلون شعره و لحيته الذي يشبه أوراقه.. بحزنه الساكن في عينيه, بنظرته الهائمة, الباحثة عن وطن, الواقفة على الحد الفاصل بين الصيف و الشتاء... ثم توقفت كثيرا عند ذلك الأيلول الذي هاجرت يه الى الشمال في موسم الهجرة الى الجنوب... مذاك و هي.. في كل أيلول, ترقب الأوراق تتساقط و ترصف الشوارع بحزنها,  تبحث بكآبةٍ عن أسراب الطيور المهاجرة و هي ترصد طائراً جديداً يشدّ عضدها, تنظر الى الطيورتبتعد نحو الدفء و تقترب هي من الصقيع ...                                                 

مع مرور الفصول و الأيام و في رحلتها الغريبة معه, ذات الطرق الوعرة اكتشفت حقائق كثيرة.. عرفت كيف تهجر المدن سكانها, كيف تتنكّر البيوت لقاطنيها و تعلمت أننا في رحلة البحث عن وطن نتوغل في الغربة أكثر حتى نصبح أيتاما بلا وطن.. كانت آخر الحقائق التي اكتشفتها انه اختار حديقة خلفية صغيرة وطناً له!!!!                               

في مواجهاتهما العنيفة , على وقع الصراخ و الدموع... اعترف لها أنّ القدر ساقه الى حديقته تلك.... القدر؟! القدر؟! أي فاجعةٍ هذه!! القدر؟! حليفها الأزلي, سندها الأبديّ, سلاحها القوي, هي من كانت تظن أنها أتت على حصان القدر, تنجب له أولاد القدر... خذلها القدر هذه المرة... فقد أتت الأخرى أيضا على حصان القدر... و صار مقابل المطر الجنوبي الأول, هناك "مركز الأعمال"... "قدرٌ بقدرٍ يا موسى".. قدر” بقدرٍ يا... أم موسى... قصتهما هو و الأخرى باركها القدر أيضاً, بلقائات من دون مواعبد, بتواريخ منتقاةٍ بعناية, بأماكن لها صبغة التاريخ... "قدرٌ بقدرٍ يا موسى".. قدر” بقدرٍ يا... أم موسى...                                                                                                            

انكسرت اذن..وسط زحام الصور و الرسائل... انكسرت... وصارت تنظر الى نفسها في المرآة و قد تهاوت السنين على وجهها و عمّقت فيه التجاعيد.. باتت تتأمّل في قصّتها الأيلولية تلك فتراها فيلماً بالياً بالأبيض و الأسود خالياً من أي لمساتٍ فنية....... لقد سرقت منها تلك الأخرى كل أشيائها الجميلة, سرقت منها أمنياتها الدفينة بتفاصيل منمنمة لم و لن تتحقق.. سرقت منها أجمل لحظاتها التي كانت تتلحف بها في أيام الصقيع .. سرقت منها اللهفة الأولى, اللمسة الأولى, القبلة الأولى.. ففي أيام الوحدة, و فصول القسوة, و ليالي الحاح الشهوة, كانت تعود بذاكرتها الى القبلة الأولى, فتعطيها الذكرى أملاً بغدٍ أجمل, أكثر دفئاً و حناناً... لا قبلة كالقبلة الأولى, لها نبضٌ مختلف, لها طعمٌ مختلف, طعم الانتظار الطويل, طعم العفّة و الخفر... تذكر جيدا كيف أنّه قبل تلك الكلمة التي تفتح أبواب الحلال و الحرام, كانت توقظه للصلاة فجراً دون أن تلمسه و كم كانت تودّ وقتها أن توقظه بلمسة جبين أو قبلة... بعد ذلك اليوم الشهير من أيلول, صارت تفرح عندما يعتصر رأسها في صدره فترنّ دقات قلبه في أذنها.... كان عليها الآن أن ترثي قبلتها تلك و تقيم لها عزاءً يليق بها, فلقد سُرِقَت منها و لكن على جناح القدر... "قدرٌ بقدرٍ يا موسى".. قدر” بقدرٍ يا... أم موسى...          

 بين ركام تعليلات الجغرافيا و التاريخ قالت له: " ومن أكون أنا اذن؟"

 " لا تبالغي يا عزيزتي, فنحن بدأنا من حيث كان يجب أن ننتهي.."                                                                  

نعم, تلك كانت أمرّ الحقائق على الاطلاق..فهي أم الأولاد, هي" للسيف و الضيف و غدرات الزمن".. هو طبعا يحبّها و يهمس في أذنها أنّه يحبّها لكن ليس دون أن يكون خنجره الذي في يده واقفا متأهبا عند حدود خاصرتها... هو يحبّها لكن من دون شوق, من دون غيرة, من دون رسائل حب وردية, من دون أن يشعر بالحاجة أن يكلمها ثلاث مرّات باليوم, من دون أن يفتقدها في أيام الغياب..                                                                                                            

في معركتها الطويلة حدّ الانهاك, معركة الوجود, و اثبات الوجود, و ترسيخ الوجود, حارت بين الصراخ و العويل, و البكاء و النحيب, بين الدعاء و الابتهال, و الطلب و الرجاء... و في جوف ليلٍ عميق, بين وحدتها و توحّدها ارتجت الخالق العظيم , و استحلفته بأيام لا يعرفها غيره, و أنين لم يسمعه غيره, بفصول لم يشهدها غيره و دموع لم يرها غيره, أن يخفف عنها عبء الأقدار, و وحشيتها و قسوتها... بقيت تهلل و تسبّح حتى خارت قواها ولم يعد جسدها الناحل يقوى على الصلوات الطويلة, و لا على الصراخ, و لا على بعثرة الورود.. لم تعد قادرة على البحث بين التواريخ على أثر رسالة أو صورة أو حتى قبلة هنا أو هناك.. صارت تترقب القدر أوقع معها أو عليها..                                               

و في ليلة أرّقها انتظاره , ذهبت بأفكارها بعيدا هذه المرّة, كانت تحسّ به, تشعر بحزنه المتخفي بين أهدابه, حزن لا يستطيع ان يشاطرها اياه هذه المرّة... ماذا لو؟... ماذا لو كان وحيدا في معركة لا يعرفها سواه, في معركة خلع عادات الحب, تلك العادات الصغيرة و التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحب.. ماذا لو كان فريدا في ارساء معادلة النسيان الصعبة و الغرق مجددا في الغربة بعد الاستئناس... كل ذلك بكتمان موجع و عجز عن البوح... فبكت بكاء طويلا يشبه بكاءها عشية الاحتفالات بالذكرى العشرين لسقوط حائط برلين, حينما هالها المشهد, مشهد غربته الطويل و تقلبه بين البلدان يتيم الوطن...                                                                                                                     

عندما مسحت دموعها, شعرت بثقل الزمن عليها, فبعد مخاض عسير حد الاحتضار أرخى التعب ظلّه عليها... كانت في الأيام الأخيرة تتقلّب بين فصول ثورة و غضب, وغضب و وجع, و وجع و صمت... حتى أطبق عليها الصمت أخيراً... ذات أيلول بارد







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز