نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
إلى من يهمه الأمر: توضيحات لا بد منها

بشأن اختلاط المواقف وتشوش الرؤية عند البعض، وفيما يتعلق ببعض المواقف والكتابات والمقالات التي تبدو "مؤيدة" وبعض البوستات الغاضبة التي ترونها أحياناً على صفحتي على الفيسبوك، وهي من صميم الواقع والمعاناة التي امتدت لعقود، والتي- أي البوستات- لا تروق للبعض ولا يمكن له تفهمها في ظل طغيان العقلية الشمولية الأحادية التي ترفع شعار إما مع أو ضد ولا يوجد بينهما أية مواقف، أو فراغات أو مساحات مهملة ومظلمة يمكن أن يتواجد فيها البعض، وهذه اللعبة، كما العقلية خطرة جداً، وهذا الحال والوضع يهم شريحة واسعة جداً اليوم من الوطنيين والمعارضين السوريين. وأرجو ألا يصب هذا الكلام في طواحين أي فريق وألا يستغل بأية شبهة فهذه ليست الغاية منهم بقدر ما كانت الغاية توضيح بعض التشويش والضبابية وانعدام الرؤية والقدرة على التمييز عند البعض البعيض.

 فهناك، وبكل أسى وأسف وألم، من لا يريد أن يصدق أن هناك سوريين وطنيين أشراف ليسوا لا في عير المعارضة ولا في نفير النظام، وهناك الكثير من المسافات والمحددات وخطوط الفصل تبعدهم عن هذا وذاك، هذه حقيقة سياسية أفرزتها الأحداث، حتى لو بدا، وظهر البعض، أحياناً، ومن خلال خطابه، ومواقفه، أنه يتموضع في هذا الخندق أو ذاك.

ومن هنا يمكن القول ليس كل من انتقد النظام قد أصبح من "الثوار" الرسميين أصحاب المشروع العرعوري الوهابي الأطلسي، فهؤلاء -أي العراعرة- معروفون تماماً وللجميع، ومتورطون بالمخطط حتى شحمة أذنيهم وقبضوا وأثروا وووو ... ولا داعي للمزيد. وبالمقابل أيضاً، فليس كل من وقف ضد هؤلاء "الثوار" وفضح مخططهم "الثوري" المشبوه صار مؤيداً و"منحبكجي" ومن الموالاة وعظام رقبة النظام وأصبح مرضياً، ومن المحبوبين، والمحظيين والمدللين من قبل النظام وأجهزته، فللنظام أزلامه وزبائنه ومحاسيبه ومحظيوه ومحظياته الذين ترونهم وتعرفونهم جيداً ويتمتعون برعاية مطلقة من النظام وأجهزته، فعقلية النظام الأمنية، برموزها المعروفة، لا تزال تقبض على الأوكسجين والهواء وتوزعه على من تشاء من العباد، وتتحكم بكل شاردة وواردة بحياة السوري البائس المنكوب ولم تحصل أية بادرة وانعطافة واستدارة كبرى وتحول استراتيجي لافت يوحي بحدوث أي قدر من التغيير البنيوي والنوعي على الإطلاق.

إذ ليس كل من دافع عن سوريا من السوريين في وجه هذه الهجمة البربرية الظلامية المجرمة، التي بات يعي أبعادها ويقر بها حتى أطراف العدوان، قد تمت ترقيته إلى مرتبة "الصدّيقين" والموالاة الحميمين للنظام يحظون برعايته وعطفه وحنانه، ويا عيني عليه، واهتمامه وثقته وعطاءاته الجزلى والسخية التي يهبها وحصرها بأتباعه الخلـّص الميامين.. فالنظام، وأجهزته المعروفة، حتى الآن، لم يتسامح مع كثير من النشطاء والمعارضين الوطنيين ولم يعد لهم الاعتبار، ولم يرد لهم حقوقهم المسلوبة كما يعيد الاعتبار ويسوي أوضاع الكثير من "العراعير" الذين حملوا السلاح في وجه النظام، ويا سلام ويا عيني على التسامح والكرم البعثي العظيم، أي والله، وما زال حتى اللحظة يفرض إجراءات منع السفر والعمل وحجز الرواتب وقطع الأرزاق ومطاردة الكثير من النشطاء الوطنيين الذين يقفون بقوة وحزم ضد الهجمة البدوية الظلامية المجرمة ضد سوريا.

ومن هنا مثلاً، ورغم التشابه والتوحد في المواقف، فلا يمكن اعتبار الصديق بسام القاضي، رغم مواقفه الحالية شديدة الولاء لسوريا وشعبها، في مرتبة أي مرتزق لبناني كناصر قنديل منحه النظام امبراطورية إعلامية كاملة ويعامل معاملة رؤساء الدول ويحتفي به بمهرجانية غريبة لا توصف، كما لا يمكن وضع أبواق النظام المعروفين المدللين جداً والمعروفين للجميع في سلة واحدة من كتاب وإعلاميين سوريين يقفون قلباً وقالباً مع سورياً، ومعروفين هم أيضاً للجميع.

 فللنظام اعتباراته وحساباته ورؤاه المطلقة ويقينياته التي لم تتزحزح ولا يبدو أن الأزمة قد غيرت فيه شيء حتى الآن وله خطوطه وحدوده الفاصلة التي تفصل، بوضوح، هذا عن ذاك، فترفع هذا لعنان السماء وتخسف الأرض بذاك إلى أسفل الأدراك. وليس من قبيل الصدف أبداً، بهذا الصدد، أن يلتقي معارضون مخضرمون وشرفاء كبار سجنوا لسنوات طويلة من قبل أجهزة النظام وجنرالاته المرعبين التاريخيين، وسجناء رأي كعادل نعيسة 23 سنة، وفاتح جاموس 19 سنة، ونزار نيوف10 سنوات(1)، بسام القاضي 8 سنوات، عبد العزيز الخير 16 سنة على ما أعتقد، (أرجو ألا أكون أخطأت بالسنوات فكلها من وحي الذاكرة "المضروبة"، واستطراداً، أيضاً، ليس من قبيل المصادفة أيضاً أن يكونوا جميعاً من الطائفة العلوية الكريمة)، في رؤاهم ومواقفهم مع النظام، والوقوف صفاً واحداً لأن المعركة اليوم هي معركة وطنية كبرى وجود أو لا وجود لسوريا. وليست معركة النظام وحسب.

 كما أن هناك الكثيرين من السوريين الشرفاء، في المغتربات والمنافي وعلى أرصفة الموانئ من المهجرين بفعل القمع والتهميش وحملات التجويع وقطع الأرزاق التي كان يشنها جنرالات الأمن ضد النشطاء والشرفاء والفقراء، وجدوا أنفسهم في خندق واحد مع النظام للدفاع عن وطنهم السوري العظيم في وجه أعتى هجمة بربرية عدوانية تشن على بلد ما في العالم. لقد وعى كل أولئك الشرفاء هذه الحقيقة وأدركوا بحسهم الوطني السليم وضميرهم الحي حقيقة ما يحصل ولم يكن خيارهم الانتقام والثأر من النظام وقلب ظهر المجن له كما فعل فاسدوه ولصوصه الكبار الذين انقلبوا عليه في وقت الشدائد والمحن (حجاب، الفارس، آل طلاس، نعسان آغا، إياد غزال، وبعض من مدلليله وأزلامه ومخبريه الأمنيين كنضال معلوف الذي صار بقدرة قادر ثائراً عرعورياً لا يشق له غبار، والثنائي الشهير بهية وعمار وجمال سليمان...إلخ والقائمة طويلة جداً)، بل كان خيار أولئك المعارضين الوطنيين، وبسبب خلفيتهم الأخلاقية النقية والطيبة ومنبتهم الشريف وأصلهم النظيف، الوقوف في المكان والجانب الصحيح من التاريخ، متناسين كل ما حاق بهم في يوم من الأيام من جور وظلم وإنكار وتنكيل جنرالات النظام المرعبين المعروفين الكبار الذين لم يبد أن لدى بعض منهم من هم وعمل، على الدوام، سوى مطاردة الشرفاء والأحرار والتنكيل والإيقاع بهم وتجويعهم وقطع أرزاقهم وتهجيرهم من وطنهم وأرض آبائهم وأجدادهم السوريين العظام، والذين لا زال بعض منهم-الجنرالات- يتربع اليوم، وبكل أسف، على ذات القمم الأمنية المعروفة السوداء والتي لا يحمل الكثير من السوريين لها أي قدر من الود والاطمئنان والاحترام.

 هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وفي ظل هذه الحالة المرعبة من الاستقطاب المذهبي الممنهج والمشغول عليه، نحن ننتمي بحكم المولد والنسب العائلي، إلى الطائفة العلوية الكريمة، وهي إحدى الفرق الشيعية كما هو معروف، ولكن هذا أيضاً لا يجعلنا، تلقائياً، وأوتوماتيكياً في القطيع الشيعي والإيراني ومع حزب الله حتى لو حرر لي حسن نصر الله القدس غداً صباحاً فلي موقف من كل جماعات الإسلام السياسي على تنويعاتها وتلاوينها واتجاهاتها، ولا يعني أننا صرنا لتلك الاعتبارات الاعتباطية والمسبقة من قبل البعض من مؤيديهم الفكريين والثقافيين والعقائدييين وأتباعهم الخلص المخلصين(2) حتى وإن كان هناك بعض التلاقي في السياسة فروسيا الأرثوذكسية تتحالف اليوم مع إيران الشغعية والصين البوذية والشيوعية، وإن كنا نقدر الدور الإيجابي والهام الذي تقفه الحكومة الإيرانية وإن نظرتنا للإسلام السياسي وفصائله ومنظماته وأحزابه الإرهابية واحدة، سواء كانت سنية أو شيعية، ومن هنا فلا نجد كبير فرق من حيث المبدأ بين فصائل إسلامية تدعي المقاومة وإن كانت هناك بعض التموضعات والاختلافات في مواقفها فإلى اليوم ما زالت حماس تتاجر بعقائد البشر وتستثمرها سياسياً، ولذا كنا ندعو، دائماً، لتشكيل أحزاب مدنية وعلمانية خالصة وأن يبقى الدين في الجوامع والحسينيات وألا يفارقها.

هناك حدود وفواصل تاريخية بين النظام وكثير من السوريين(1)، وهو من وضعها وحافظ عليها بأمانة وليس نحن، وما زالت، وبرغم كل ما حصل، موجودة ويجب التذكير بها والإعلان عنها بين فترة وأختها. فمن الممكن جداً أن تكون وطنياً سورياً متحمساً للوطن ولا تكون من حواشي وأتباع وأزلام النظام أو من المحسوبين عليه.

 فسوريا، وشعبها العظيم المغوار، بكل تأكيد، ليست هي النظام وهي موجودة قبل وجود هذا النظام بوقت طويل، وستبقى سوريا المجد والحضارة والعز والتسامح والإباء، باقية حتى نهاية الحياة وليست مرهونة ببقاء وزوال أي نظام. فالوقوف مع النظام شيء له محدداته ومواصفاته وأثمانه، والوقوف مع سوريا شيء آخر. سوريا شيء والنظام شيء آخر ولا يجب الخلط بينهما على الإطلاق.

 (1)- أعاد هذا الكاتب والصحفي الشجاع، برغم حدة وتطرف خطابه أحياناً، جائزة مراسلون بلا حدود الممنوحة له احتجاجاً على موقف هذه المنظمة المشين من الأوضاع في سوريا وتزييفها للوقائع والأحداث التي تجري هناك، وهذا موقف مشرف وللتاريخ، يحسب له، ولا أملك إلا أن أحسده عليه. هل هذا لا يعني أن الصديق "اللدود" نيوف صار من الموالاة و"منخبكجي"، ومن عظام رقبة النظام؟ انتبهوا جيداً هذا ما نريد توضيحه.

 (2)- كان حزب الله وقناته السلفية الظلامية، وتضامناً مع القنوات والإعلام الوهابي، من أولى القنوات التحريضية والتضليلية الكاذبة التي نشرت تقارير تتهم فيه مجموعة من الكتاب والإعلاميين السوريين بالعمالة لإسرائيل في حملة السلفيين والظلاميين والقوميين المعروفة يومذاك وشهّرت تلك القناة الظلامية بهم عامداً متعمداً ومن دون أي إثبات وتوثيق ووجه حق إلا الترديد ببلاهة وغباء ما يقوله رعاع الشارع السلفي. مالفرق بين الإعلام المقاوم والإعلام الوهابي في هذه الحال؟

 (3)- تحدث السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد، رئيس الجمهورية، بوضوح شديد في لقائه الثاني إبان الأزمة، مع مجلس عادل سفر، وحرفياً، عن وجود "فجوة" كبيرة بين المواطن والمسؤول، وهنا مربط الفرس وتصب في جوهر هذا المقال وهي -أي الفجوة- أحد أهم أسباب الأزمة الوطنية الخانقة والصعبة التي تعيشها سوريا اليوم، ومع ذلك لم نر، وبكل أسف، أية إجراءات ملموسة وعملية لردم وجسر تلك الفجوة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز