نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
امبراطوريات أردوغان ولعنة التاريخ .. أهي سياط النهايات؟

لاشيء يدل على بدء الانهيار السياسي وبدء الكوارث لأي منظومة سياسية أو اجتماعية أو مشروع طموح الا ظهور معالم الشطط في تقديرات زعمائها وتصرفات جنون العظمة لقياداتها .. ومن دلائل واعراض جنون العظمة لقيادة المشاريع النهضوية الاعتقاد أن تجميع شظايا وحطام الامبراطوريات المتوفاة سهل للغاية .. كل من حاول اعادة احياء امبراطورية عبر كل التاريخ سقط وانتهى بقسوة ولم يستثن التاريخ أحدا .. في التاريخ درس قيم وهو أهم تعاليمه على الاطلاق .. انه درس احياء الامبراطوريات التي ماتت .. والدرس يقول: الامبراطوريات كالأفراد لاتبعث بعد أن تصبح عظما رميما الا يوم القيامة .. لم تمت امبراطورية ثم عادت الى الحياة ..

نعم لقد ماتت الامبراطورية الرومانية ولم تعد .. ولن تعود .. والامبراطورية الفارسية كذلك .. وماتت امبراطورية المكدونيين التي بناها الاسكندر الأكبر ولم تعد.. وماتت الامبراطورية العربية ولم يمكن "بعثها" كما اعتقد الراحل زكي الارسوزي !! وماتت الامبراطورية الاسلامية وتحولت الى نتف مبعثرة متهالكة ولن تعود الا في أحلام مجانين المسلمين الهائمين الذين يعتقدون أنهم يقيمونها بسيارات الدفع الرباعي ومدافع الدوشكا واطالة اللحى .. وفي الغرب توفيت الامبراطورية الجرمانية المقدسة التي لم يتمكن هتلر من استعادتها رغم قوته وطموحه الذي بلغ الشمس ودفن من أجلها امبراطوريتي فرنسا وبريطانيا معا .. ماتت الامبراطورية الفرنسية ودفنها هتلر بنفسه ولم يقدر على احيائها لاديغول ولاميتيران ولاشيراك وبالطبع لاساركوزي ولاهولاند .. الامبراطورية البريطانية التي لاتغيب عنها الشمس انتهت كذلك الى الأبد وعاد الانكليز الى جزيرتهم .. وفي أقصى الشرق انتهت الامبراطورية اليابانية وامبراطورية منشورية ولن تعودا .. وماتت امبراطورية الرفاق الشيوعيين السوفييت ولن تعود .. فلماذا يعتقد الامبراطور أردوغان أن الامبراطورية العثمانية أو السلجوقية ستعاند التاريخ كله وتكسر التقليد الأزلي للوجود وتحيا من جديد؟؟

أردوغان ومجموعته هما وصفة مثالية لاطلاق انهيار عاصف للدولة وانفلات الأزمات الكبرى .. ستشهدها المدن التركية والمجتمع التركي .. فأحلام احياء الامبراطوريات هي التي تفتك بما تبقى من فتات الامبراطوريات..وهي مايسبق شهقة الموت لما بقي من حطامها..

من استمع الى خطاب أردوغان الأخير في مؤتمر حزب العدالة والتنمية يرى أن الرجل قد حلق في الخيال الجامح وأصيب بجنون العظمة .. فالرجل صار يتحدث عن عقود قادمة مطوبة له ولحزبه .. وأعلن الحرب على الأكراد بالتذكير بمعركة ملاذكرد ..وصار يرصع الكلام بالسلاجقة والشرق القديم وووصل الى حد التعالي على أوروبة (المظلمة) .. ولكن كل من أصغى اليه من العقلاء والمحللين صار يشبه خطابه بالخطابات الأخيرة للرئيس المصري أنور السادات قبل رحيله بطلقات خالد الاسلامبولي .. كل من سمع خطابات السادات عرف أن الرجل يهوي وأنه يدخل رجله في الهاوية لما ملأ خطاباته من تحدّ واستفزاز ولهجة العظمة غير الواقعية ..

والبعض صار يتحسس نهاية أردوغان بطريقة ما .. أردوغان يريد أن يدخل عنوة الى حيث دفن التاريخ أمه السلجوقية وأباه العثماني .. أو بالتسلل عبر البوابة السورية للتاريخ ومحاولة تحطيمها ليوقظ الموتى العثمانيين من قبورهم .. وبعض الاسلاميين يعتقد واهما أن الامبراطورية الاسلامية التي صارت عظامها مكاحل ستنطلق من جديد من الأناضول وعلى يد أردوغان لتضع جوهرة العواصم الشرقية دمشق على تاجها العثماني .. وهنا يرتجف التاريخ غضبا على غضب .. وينهض ليرفع سوطه ويجلد ظهور العصاة والمارقين والمعتوهين .. والتاريخ اذا غضب حل الغضب على الأمم .. وأفرادها المجانين..وليس هناك أكثر جنونا من الاسلاميين هذه الأيام ..الا زعيمهم التركي أردوغان..

ويتساءل البعض هل من قبيل الصدفة أن يتم تتويجه زعيما للعالم الاسلامي بشهادة خالد مشعل ورئيس الاخوانيين العرب محمد مرسي .. ثم تحدث تفجيرات حلب؟ وهل من قبيل الصدفة أن تتوالى الأحداث على الحدود السورية التركية وتسقط قذائف سورية عليه فيما أردوغان لايزال في ثياب العرس؟؟ .. ماذا تعني الأحداث الأخيرة؟ والى أين المسير؟

كنا جميعا نتابع تطورات التصعيد على الحدود السورية التركية واستمعنا الى عشرات وربما مئات التحليلات .. وكانت على العموم متباينة لكنها تختصر في ثلاثة احتمالات وقراءات:

1- ان أردوغان يريد التصعيد لأنه أدرك أن معركة حلب ستشارف على النهاية قريبا لمصلحة لدولة الوطنية السورية وهذا يعني نهاية اللعبة عندما يقفل الجيش السوري الحدود الى الأبد ويحبس تركيا خلف طوروس..أردوغان سيكون في قفصه خلف طوروس هذه المرة وخلفه الظلام الأوروبي - كما قال هو - الذي سيبقى مظلما في وجهه .. وفي هذا القفص سيجد نفسه مع نمر شرس اسمه حزب العمال الكردستاني الذي أدخله السوريون الى قفصه .. ولذلك سارع أردوغان المتوتر بالقاء الوعود للتفاوض مع عبد الله أوجالان قبل اغلاق باب القفص عليهما..

وهذا تفسير معقول لكن يناقض حقيقة أن اردوغان لايريد التورط بأي حرب ويفضل البقاء في الخطوط الخلفية الاقل كلفة حيث هو الآن .. لأن التقدم الى الخطوط الامامية للمواجهة مع السوريين لن يكون مجانيا .. خاصة أن هناك احتمالا كبيرا للغاية لتدخل ايراني ومشاركة روسية ما في ردعه..

2- ان أردوغان استشعر ضعف السوريين وأنه آن الأوان لتوجيه ضربته بعد انهاك الجيش السوري ولذلك فانه بالغ في التصعيد..والبعض يعتقد ان القذيفة من تدبير معارضين سوريين بالتنسيق مع أردوغان لجر تركيا عنوة الى النزاع أو لتسهيل تبرير الحرب من قبل أردوغان امام شعبه .. ولكن هذا الاحتمال سينمائي الطابع .. لأن السوريين لم يسارعوا الى اعلان براءتهم واتهام طرف ثالث (يحاول الاساءة الى علاقة الشعبين والجارين السوري والتركي كما تحاول اللغة الديبلوماسية المتصالحة) .. بل اكتفوا بتقديم التعازي للضحايا وليس للحكومة التركية ورفضوا الاعتذار منها بتحدّ.. وقالوا باقتضاب فيه لامبالاة انهم سيحققون في الأمر وملابساته .. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بأنهم مصدر النار وليس الطرف الثالث..أي اننا المسؤولون عن الحادث..

3- ان اردوغان قد استدرج الى فخ الحرب مع السوريين كالغبي لأن السوريين تواقون لاخراج أزمتهم الى الحدود ومنازلته ومن ثم ارغامه على التفاوض لاغلاق ملف المعارضة السورية المسلحة ..ولكن هذه القراءة ناقصة الدسم لأن السوريين يريدون الحسم في الداخل على مبدأ بتر الأيدي والأرجل التركية المتدلية في الداخل السوري..وكما انتهت بابا عمرو ستنتهي حلب ..كما أن رهان القيادة السورية هو على تنامي الاحتجاجات ضد سياسات أردوغان والحفاظ على عدم تجييش الشعب التركي بالحرب..وبدا ذلك الخط جليا في أحاديث الرئيس الأسد للصحافة التركية التي بالغ فيها في اظهار وده للشعب التركي وفصله عن أردوغان المغامر الأناني .. ولو كان الواقع غيرذلك لتسربت كلمات في حديث الأسد فيها تهديد أو وعيد لاستدراج القيادة التركية واحراجها أمام شعبها مباشرة ..أوحاولت اثارة العسكر وحزب العدالة والتنمية لاستدراجهما الى المنازلة لاخراج الازمة السورية الى الحدود التركية..

لكن اين هو الصواب من كل ماقيل؟ فكلها قراءات معقولة ..

الميل هو ان ماحدث هو تبادل حوار بالقذائف بدأه السوريون بعد تفجيرات حلب ومؤتمر الاسلاميين في تركيا .. القذيفة السورية ليست عرضية ولم تسافر الى تركيا للسياحة ولالأنها انشقت عن النظام كما قد يحلو للبعض التهكم .. القذائف السورية على الأراضي التركية حدثت بعد ساعات قليلة من تفجيرات حلب وفي فترة لايزال أردوغان يمضغ خطابات الثناء عليه والعسل المقطر في فمه من اسلاميي العرب في مؤتمره الأخير .. فاذا به قد تلقى لطمة على فكه وهو يسير نحو العرش ويراقص أحلامه..القذيفة التي انفجرت في مؤخرته خرجت منها رسالة كبيرة وقد قرأها أردوغان جيدا .. الرسالة واضحة للغاية: ان هذه الرسالة هي اذلال لأردوغان وتحد له بعد عنترياته في عرسه الاسلامي الأخير وتنصيبه خليفة ..فهاهو خليفتكم يسقط طربوشه وشرواله بقذيفة وسترون أنه لن يفعل الكثير لاسترداد طربوشه وسيرفع شرواله ويتابع سيره .. والتفجيرات في حلب لن تمر دون عقاب علني ومتحد ومباشر وليس بطريقة السيارات المفخخة التي يتبئ خلفها أردوغان..

ان القذيفة تسخر من أردوغان علنا ..لأن من أمر باطلاق القذيفة يعرف أنها جاءت بعد اسقاط الطائرة التركية المذل .. وبعد العديد من تحذيرات تركية بسقوط رصاص وقذائف على الأراضي التركية التي لم تكن قاتلة .. وهذه القذيفة القاتلة لرفع سوية التحدي ولسوية الاذلال لأردوغان ولاحراجه .. فقد كان من المتوقع أن أردوغان سيسارع لطلب الناتو لمساعدته في الرد وتفويضه بالحرب .. لكن المعلومات التي يعرفها السوريون والروس والايرانيون لايشوبها الغبش ولاالأوهام وهي بالضبط ماقاله مراسل صحيفة الغارديان على الحدود السورية التركية عندما سئل عن رد فعل الناتو المتوقع فقال ساخرا: "كلنا نعرف أنه لاتوجد لدى أي عضو في الناتو شهية لهذه الحرب .. حلف الناتو فقد شهية الحرب في سورية تماما .. وأروغان دعانا عدة مرات الى مائدته السورية فاعتذر الجميع بتهذيب وتعلل بانشغالات خاصة" .. وفي كل مرة كان يبقى وحده على الطاولة مع أحمد داود اوغلو ورياض الشقفة .. واليوم انضم اليه تابعه المخلص خالد مشعل .. لكن لاأحد من المدعوين الكبار لبى الدعوة .. وكراسي المدعوين كلها فارغة ..

وبالفعل هرول راسموسن والغربيون الى التقاط الصور التضامنية مع أردوغان وأوغلو كما في كل مرة ورأينا الأيدي تعصر الأيدي في المصافحة وتهتز بتواتر شديد اثناء المصافحة لتطمين الأتراك وللتهويل على السوريين .. لكن هذا هو كل شيء..وسيعود الجميع بصور تذكارية جميلة ولكن من دون الجلوس الى مائدة عشاء أردوغان ..الذي طبخ القدور ونفخ النار حتى احمرت وجنتاه .. وضاع طبيخه هباء وبقيت القدور مليئة حتى برد الطعام .. والقاعة بقيت خاوية من الزوار..

ولذلك اختار أردوغان مرغما طلب تطبيق المادة الرابعة من اتفاق حلف الناتو وليس الخامسة (الصارمة والملزمة) وهما مادتان مختلفتان كليا لأنه سمع سلفا نصيحة بعدم اذلال نفسه أكثر من ذلك ..

القذيفة السورية التي سافرت الى تركيا قالت بوضوح لأردوغان ومجانينه بعد تفجيرات حلب: انظر قبل أن تتابع مشوارك .. الجيش السوري سينهي معركة حلب قريبا شئت أم ابيت .. هاأنت ستترك وحدك .. وسترى بعينك بعد هذه القذيفة أن لاأحد سيهرول للحرب رغم أنها تحد واضح لك وللناتو وتكفي لكم لايجاد المبرر للحرب .. انك قد تجاوزت كل حد .. والقذيفة القادمة بعدي لن تكون وحدها ..لكنك ستكون وحدك!!...

وطبعا كان على أردوغان الرد بأي طريقة لتخفيف مرارة الاذلال .. واختار اطلاق بعض القذائف التي قال عنها اعلامه انها استمرت لساعات و(ربما قتلت) العديد من الجنود السوريين .. أخبار للاستهلاك المحلي ليتسلى بها الناس المحتقنون من الذل الذي وصلت اليه تركيا بسبب أردوغان.. وماصار يخشاه مستشارو اردوغان هو سيناريو أكثر اذلالا .. فالسؤال الآن الذي يثيره مثقفون أتراك هو ماذا لو أقدم السوريون على اطلاق صلية من القذائف ثانية وبمعدل اكبر ..وبضحايا أكبر؟؟ من المؤكد أن الناتو لن يعبأ كثيرا وسيغدق وصاياه بضبط النفس وسنكون مضطرين لدخول الحرب وحدنا صونا لكرامتنا .. صار واضحا أن الناتو استعمل تركيا دائما في كل نزاعاته ولكنه لم يدخل في أي من نزاعاتها على الاطلاق (أزمة قبرص مثالا والتوتر مع اليونان)..

وغني عن القول ان الجيش التركي يعرف ان مواجهته مع الجيش السوري لن تكون سهلة على الاطلاق خاصة بعد تطوير الدفاعات الجوية السورية مؤخرا التي تذوقت بعض طعمها الطائرات التركية على شواطئ سورية .. وكان المذاق لاذعا حارقا انتهى بحمّام بحري .. ويقول أحد التقارير العسكرية التركية الذي يتداوله بعض أقطاب المعارضة التركية .. ان الحرب مع سورية قد تكلف الجيش التركي خسائر باهظة لأن الجيش السوري مصمم لمواجهة خصم قوي هو اسرائيل ولذلك فانه ليس جيشا عاديا ولاسهلا خاصة ان القوات "الاستراتيجية" لاتزال على حالها .. ويمكن القول انه عبارة عن نموذج لقوة حزب الله بمئة مرة .. وحزب الله لم تقدر عليه اسرائيل نفسها .. وقد نرى أن مجزرة وادي الحجير التي أقامت حفل شواء للدبابات الاسرائيلية عام 2006 تتكرر في تركيا ..

ولعل النقطة التي أثارها التقرير العسكري التركي بقلق هي أن عددا من جنرالات الصف الأول المحيطين بالرئيس الأسد صاروا يعبرون عن رغبتهم في منازلة أردوغان وتلقينه درسا في الحرب بسبب الغضب الشديد مما يصفه الجنرالات (زعرنة تركية باستعمال الارهابيين كمتاريس بدل المنازلة) .. غضب العسكر لاتعجبه الحلول السياسة .. الجنرالات السوريون يريدون حربا رادعة للمستقبل لكل زعيم تركي يريد التطلع جنوبا .. فليست الحرب فقط لاسكات الأزمات العابرة بل لردع التجاوزات القادمة من بعيد .. وغضب الجنرالات يعرف دوما أنه يخلق مزاج الحرب ويعكس روحا قتالية لدى الجنود ومزاج الجمهورعلى العموم ..

واذا ماوقعت مواجهة فستتراوح - حسب التقرير- تقديرات الخسائر في الجانب التركي بين 500 - 700 قتيل في الأيام الثلاثة الأولى اذا مااستخدم الجيش السوري طاقته النارية الهائلة .. وقد يتعرض السوريون لخسائر هامة أيضا لكن الجمهور التركي لم ير النعوش العائدة لمئات الجنود الأتراك منذ عشرات السنين .. وربما تفجر هذه النعوش العائدة من الجبهة كل تركيا .. لأنه ربما يستحيل أن يقتنع الناس بضرورة زرع تركيا بالنعوش من أجل مجد أردوغان وامبراطوريته وكرمى عيون رياض الشقفة .. أما السوريون فلن يكون لديهم هذه المشكلة لأن غالبية الناس ستنظر الى الحرب على أنها دفاع عن وطنهم من غزو خارجي وليس عن النظام ضد سوريين معارضين .. خاصة بعدما تكشفت طموحات تركيا الحقيقية بعد أن كان الكثيرون يعتقدون أنها غاضبة على التنكيل بالشعب السوري كما روجت في بداية الأزمة .. وقد يلم هذا الشعور المناهض لتركيا بعض شتات المعارضين أو يحرجهم .. ولايمكن التعويل على بعض قوى المعارضة الراديكالية التي ستخوض الحرب الى جانب تركيا وتنظر الى الأتراك على أنهم فاتحون .. لأنه ليس كل المعارضين السوريين (اخوان مسلمون)..

كما أن البحبوحة الاقتصادية التي تباهى بها حزب العدالة والتنمية بدأت بالنفاذ بسرعة .. واي حرب هي وصفة للافلاس في هذه الأزمة الاقتصادية العالمية الطاحنة .. الا أذا كان أردوغان يصدق العرب بأنهم سيمولون الحرب .. لأنه سينتهي كما انتهى صدام حسين مفلسا بعد حربه مع ايران وتنصل العرب الخلايجة كعادتهم من الوعود قبل أن يطعنوه في ظهره كعادتهم أيضا ..

اذا السوريون على مستوى القيادة السياسية ليسوا راغبين في الحرب لكنهم راغبون في اذلال أردوغان على مهل وتكسيره قطعة وراء قطعة وتفكيكه .. وهم يعرفون محدودية حركته وقيوده التي تكبله الآن .. وقد بلع أردوغان ريقه مئات المرات في الساعات الأربع والعشرين الماضية كما وصفته الصحافة الغربية ..وقالت عنه صحيفة نرويجية أنه لابد قد استعمل كل المناديل على مكتبه لتجفيف عرقه بالأمس..لشدة ارتباكه وخذلانه أمام شعبه من قبل الناتو بعد أفراح تنصيبه زعيما اسلاميا ..أفراحه لم تدم أكثر من ساعات ..

أردوغان يدرك أنه غير قادر على الحرب وقد قبل وصول سيارات الاطفاء الديبلوماسية الايرانية الى تركيا دون تردد وبدا شديد الامتنان لها باظهاره بمظهر من يحاول الايرانيون كبح جماح غضبه لكنه يعرف أنها مسرحية لتطييب خاطره بالرغم من أن المضمون الفعلي لسيارات الاطفاء الايرانية هو تذكير لبق بمعاهدة الدفاع المشترك بين سورية وايران التي ستلتزم بها ايران ..

أردوغان الحالم بالامبراطورية العثمانية المنحدرة من جلابيب الخلافة الاسلامية يخوض معركته الخاسرة الأخيرة .. لأن معركة حلب النهائية بدأت الدولة السورية ترسم خطوطها الأخيرة .. وقذيفة الامس كانت الاختبار الحقيقي لما يقدر عليه التركي ..وقد صارت مشكلة تركيا عويصة للغاية .. فقد سمعت أوروبة بخبث صوت الأذان والتكبير في مؤتمرات أردوغان وصورت تلفزيوناتها اللحى الاسلامية التي جمعها أدوغان حوله .. وصار اسم خالد مشعل (الارهابي في تصنيفات الغرب) ضيفه الرئيسي مقترنا به وسببا وجيها ومبررا لكارهي تركيا "لتقليعها" نهائيا من على أبواب أوروبة.. واقتلاع أي احتمال لأوربة تركيا .. خاصة أن أردوغان قد وصف دخول محمد الفاتح الى القسطنطينية بأنه فتح مدينة الظلام .. وفي الجنوب لايبدو أن الرئيس الأسد راحل ولاتبدو سورية نضجت تماما للانهيار .. وهذا يعني أن التوجه جنوبا انتهى وأن زعامة العالم الاسلامي تنزلق بسرعة من بين يدي الأتراك .. وسيجد التركي نفسه لاول مرة أمام سؤال وجودي خطر .. فلا هو أوروبي .. ولاهو الزعيم الاسلامي وهو حبيس في قفصه خلف جبال طوروس .. حتى علاقته بالناتو ليست طبيعية وليست تبادلية ولاتخادمية بل خدمية .. وهي ليست ضامنة له لأن الناتو لن يتدخل في حروب تركيا ..

هذه قذيفة واحدة فقط هزت عرش أردوغان .. وخربت أعراسه وامبراطوريته .. وتكاد تركيا تتشقق سياسيا اثرها بين مؤيد للحرب ومعارض مر ولايعني تفويض البرلمان بالعمل العسكري الخارجي الا نأيا بالنفس عن تحمل مسؤولية الحرب .. وهذا يدل على أن حلم استعادة الموتى السلاجقة مستحيل .. ويدل على أن جمهورية رجب طيب أردوغان هشة للغاية ..وأنها تقترب من مصير سيء..تتخبط بين أسوار أوروبة واسوار الجنوب ..

قذيفة واحدة تسببت بكل هذا الارتباك والهلع والتشقق .. فيما سقطت على السوريين آلاف القذائف التي بعث بها أردوغان عبر مسلحيه فتألمت البلاد وتأوهت ..ولكن لم تهتز البلاد ولم ترتج لأن أحلامنا هي في الحرية لبلادنا .. ومن معه الحلم لايهتز..

السياسة فن وموهبة .. والقيادة شجاعة وجسارة وثقة .. والزعامة حكمة وتوازن واصرار لايتردد ..وليس في تركيا فن ولاموهبة .. ولاجسارة ولاشجاعة .. ولاحكمة ولاتوازن ولاثقة .. بل مراهقة وحفلات صاخبة .. وهاهي أحلام تركيا الأردوغانية هذه الأيام تقترب من نهايتها وحتفها .. ليس لأنها قد تقع في مواجهة مع السوريين بل لأنها تدفع دفعا عبر بعض مجانينها الى مواجهة منطق التاريخ الذي لايقهر والذي يصر أردوغان بعناد أجوف على أنه أكثر ذكاء منه وأكثر فطنة من كل سابقيه من البشر .. ولكن لم يسمح التاريخ يوما بتحدي ارادته ولن يسمح بنبش مقابره التي دفن فيها جثث الامبراطوريات التي قرر قبض روحها ونفذ فيها حكم الاعدام دون رحمة ..

لن يقبل التاريخ لأبناء الامبراطوريات ان يدخلوا الأضرحة ومدافن القوى الامبراطورية القديمة التي توفيت الا لوضع الزهور والبكاء على رخامها العتيق .. ومن يحرك الرخام أو عظام الموتى ستحل عليه اللعنة .. لعنة التاريخ .. فانتظروا .. وسترون أمام أعينكم كيف يلعن التاريخ من يستهتر به وبتعاليمه الصارمة ..

انني أسمع صوت فرقعة سياط التاريخ قادمة ..أصيخوا السمع جيدا ..وتنبهوا .. التاريخ وصل على عربة الغضب .. ويترجل منها .. ويبحث عن أردوغان..خليفة الاسلاميين والعثمانيين ..لقد نفذ صبر التاريخ وقرر أن يستعمل سوطه   ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز