نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: لماذا لا يكون منصب المحافظ انتخابياً؟

بكل صدق، ومن دون أية تاويلات "خبيثة"، ومع الاحترام الكامل لكل شخصية اعتبارية، لا أعرف من هو محافظ مدينة اللاذقية، وهي مسقط رأس آبائي وأجدادي السوريين الكرام العظام، ولا أعرف حتى ما هو اسمه، ومن أية مدينة سورية أتى، لكنني أكاد أجزم، وبيقينية مطلقة بأنه ليس من مدينة اللاذقية، هذه المدينة العريقة والخالدة وضاربة الجذور في بطون التاريخ العميق.

وطوال هذا العمر المضطرب الكالح البائس "الجربان" الحزين، ما عتـّبتُ، أي لم تطأ قدماي، مكتب أي محافظ قدم إلى هذه المدينة، لانقطاع أية وشيجة أو آصرة بيني وبينه، ولتعذر قيام أية علاقة مع مسؤول درج أن يبقي على مسافة بينه وبين المواطن، فهكذا كانت سوريا طوال عقود مضت، أو لمجرد شعوري وإحساسي بذلك على الأقل، فعلى الدوام كان محافظ هذه المدينة، من محافظة أخرى، بعيدة عنها، يأتيها كالفارس الفاتح، يحظى بامتيازات وعطاءات أسطورية، وامتيازات خرافية كوالِ من ولاة ألف ليلة وليلة، يبني لنفسه، فور وصوله، شبكة من المقربين والمحاسيب والمخبرين والمتملقين والأزلام، ويصرف شبكة من سبقه، وهكذا دواليك، وما إن يتعرف عليها، حتى يذهب إلى محافظة أخرى، وهكذا يستمر في التنقل والدوران، في أروقة المحافظات وقصورها، إلى أن يزوره الرفيق عزرائيل، رضوان الله تعالي عليه، أي على عزرائيل، وليس على المحافظ، وكانت علاقتي، وهذا ليس شعوراً شخصياً، وحسب، بمحافظ مدينتي، تماماً، كعلاقتي بمحافظ كاتامندو، ومحافظة جوهانسبورغ، وأم درمان، "الشقيقة" نظراُ لوجود إحساس عند المواطن بحالة انفصال وربما "انفصام" بينه وبين صاحب هذا المنصب الهام والرفيع، وبأنه لا يمثله ولا يمت له بأية صلة على الإطلاق.

ودرءاً لأي التباس فهذا هو حال جميع المحافظين، في جميع المحافظات السورية دونما استثناء أي أن يتم تعيين المحافظ بهذا المنصب الهام والحساس، وبفرمانات واعتبارات سامية و"حكيمة"، دون الرجوع لسكان المدينة أو أخذهم بعين الاعتبار، أي يفرض فرضاً عليهم، ومن دون معرفتهم به، ومن النادر أن ترى محافظاً أي Mayor، هو ابن مدينته الأصلي، أي أن يكون مثلاً ابن اللاذقية محافظاً، للاذقية، (ومن دون أية تضكينات أخرى) ومحافظ السويداء مثلاً ابن السويداء، ومحافظ حلب هو ابن حلب، أو أن يصدف أن يكون محافظ ارقة ابن الرقة.

ولو قيض الله لي، مثلاً، أن يكون لي أي خيار، أو قرار، لرفضت تعيين رياض حجاب، محافظاً لهذه المدينة العريقة والعظيمة، نظراً لإحساس كان يخالجني بعدم نظافة هذا الرجل، وغيره من المحافظين الفاسدين، الذين هم لا للسيف ولا للضيف ولا لغدرات الزمان، وكنت استغرب في سري، لماذا، وما هو السر في جلب محافظ، وشخص، من مدينة بعيدة لإدارة مدينة أخرى، وكان يعييني الجواب على الدوام. فقد كان ينظر إلى هذا المنصب، حتى اليوم، وفي سوريا "ألإصلاحية" كمصب اعتباري وتشريفي و"سياسي" وتكريمي وترفيهي، للأحباب والاصحاب، والمحاسيب والأزلام والأتباع "الموثوقين" جداً، ومن رقبة عظام النظام التاريخيين، حتى لو لم يكن في سجله الوظيفي، أي ‘نجاز يذكر، أو يتوفر على أي قدر من المبادرة والابتكار و"الذكاء" والإبداع.

 وأكاذ أجزم، كما غيري إن محافظ اللاذقية الحالي، كما زملائه في المحافظات الأخرى، ربما يجهلون الخريطة الجغرافية للمدن والقرى التي يديرونها ويتربعون على قمة هرمها الإداري، وهذا ليس عيباً فيهم، بقدر ما هو العيب بالآلية التي وضعت هناك، وانتظرت منهم اجتراح المعجزات. ونادراً ما كان ينظر لمنصب المحافظ كمنصب تنفيذي وخدمي ميداني يمس الغالبية العظمى من المواطنين، ويعتمد في نجاحه وفشله على مدى معرفة والتصاق صاحب هذا المنصب الخطير بالواقع والشارع والناس على الأرض.

ومن هنا كانت تتردى الخدمات في المحافظات السورية على نحو مضطرد إلى أن وصلت الحال إلى ما هي عليه الآن. فابن المنطقة، أو المحافظة، الذي يتربي ويترعرع وينشأ في أزقة، وزواريب، وشوارع، وبين ناس، وأهل وحارات أية مدينة سيكون على دراية تامة بكل شاردة وواردة، وربما يعرفهم واحداً واحداً، ويعلم معاناة أصحابها، ومطالبهم، ومتطلباتهم، أكثر من الوافد "السامي" الذي يحتاج ربما لاشهر ونوات كي يكون نظرة صائبة واقعية وشاملة عن هذه المدينة أو تلك.

  وفي الحقيقة كان هذه المنصب وبرغم أهميته الاستثنائية، خدمياً وتطويراً، من ضمن سياسة توزيع الطرابيش السلطوية على هذا وذاك ضماناً لولاء، أو إسكاتاً لصوت، أو تكريماً لخدمة ما، أو هدية، أو كجائزة ترضية لمن فاته قطار الكعكة الوزارية، أو أن يتم منحه لضابط كبير لضمان انشغاله بعمل ما وإبقائه في نعيم وجنة السلطة، لإبعاد أي "سوء" عن نفسه الأمـّارة به، والعياذ بالله.

  بالتأكيد، التجربة السابقة، وبتلك الطريقة، والمنهجية والغايات والآليات، قد فشلت، كلياً، وتماماً، مع هذا التردي العام، في الخدمات، وعدم تحقيق اية نهضة يمكن الاعتداد بها، والتعويل عليها، وتقديم أنموذج ناجح بهذا الصدد، وجهل المحافظين ميدانياً بالمناطق التي يعملون بها، وبالتالي انعكاس ذلك على الواقع الخدمي والعام العام للمحافظة. ومن هنا إن إعادة النظر بتلك الآليات والمنهجية القديمة بات أكثر من أمر ملح، وللمصلحة الوطنية الصرفة، يأتي على رأسها، وكما هو معمول به في كل دول العالم، جعل الوصول إلى هذا المنصب الهام بالاقتراع والانتخاب السري والمباشر شريطة أن يكون المرشح ابناً لهذه المحافظة أو تلك، أو ممن تربى وترعرع بها ويعرف خريطتها الجغرافية والسياسية والخدمية والديمغرافية......إلخ، وليس شرطاً بالتالي أن يكون أصله وفصله منها.

  طبعاً، والغاية والهدف، ليس تكريس المناطقية، والمحلية، أو بعث وإرسال أية رسائل غير وطنية، أو إحياء أية تخمينات طائفية وعشائرية وقبلية ومذهبية أخرى، بقدر ما الغاية والهدف منها، أن يكون صاحب هذا المنصب التنفيذي الهام والحساس على علم ودراية عميقة ومعرفة تامة بكل شعاب، ومعارج، وخفايا، وقضايا، المدينة المفترض أنه يقودها وسيطورها وسيقدم لها شيئاً مفيداً، وسيكون مرتبطاً بها عضوياً، ووظيفياً وعاطفياً، وسيحسب حساباً لإعادة انتخابه لمرات ومرات كلها منوطة بمقدار ما يحققه من إنجازات وإنجاحات. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وللمحافظين، على أية حال.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز