نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
أمة من الرعاع

كما أن الفيلم "المسيء" كان من صنع أمريكا، فالضجة والصخب الإعلامي الذي رافقه في معظم وسائل الإعلام العربية والعالمية المرتبطة بأمريكا، هي أيضاً من صنع أمريكي. وكان يمكن تجاوز هذه الضجة والصخب الإعلامي والتعتيم عليه لو أرادت الولايات المتحدة ذلك، وكانت أوعزت لأدواتها بالتوقف والكف فوراً عن تأجيج ما يسمى بالشارع العربي والإسلامي، وكانت تستطيع وبكبسة زر، وهاتف من موظف درجة عاشرة بوزارة الخارجية أن تتصل وتوعز لكبار وكلائها في المنطقة لتقول لهم Stop ، فيتوقفون على الفور، وإلا لماذا مرت حوادث سابقاً، أكثر خطورة ربما، دون أن تحظى بهذا الرد الاحتجاجي العنيف، حوادث من مثل حرق القرآن، والتبول على مقدسات أخرى والتطاول عليها على نحو رديء وبذيء، لكن يبدو أن ثمة رغبة، وميلاً أمريكياً، وتركيزاً متعمداً، ولأسباب كثيرة منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول، تريد استمرار تأجيج وتهييج هذا الشارع طالما أن هذا الأمر يصب الوقود على نار الفوضى الخلاقة التي أشعلوها في المنطقة، وإبقاء هذه الحالة الرعاعية والدموية في ما يسمى بالشارع الإسلامي.

 ومن هنا لا يمكن تبرئة كل وسائل الإعلام التي تركز على هذه القضية لأنها متورطة بشكل أو بآخر باستراتيجية ومشيئة السيد الأمريكي. وهذه الردود الغوغائية وبالطريقة التي أظهرتها وسائل الإعلام، حتى تلك المتأسلمة، والتي تدّعي الذود عن حياض الإسلام وتمتلكه كحق انتفاع وتداول واستثمار حصري، تصب كلها في اتجاه واحد، وهو دعم فكرة الفيلم حول العرب والمسلمين، وليس نفيها، ولسان حالها يقول ها هم العرب والمسلمون الذي تحدث عنهم الفيلم، وحين وصف شيخ الأزهر الراحل، ما غيره، محمد سيد طنطاوي العرب والمسلمين (1928-2010)، بأمة من الرعاع، فربما كان الرجل مصيباً، والحال، فيما يقول، في معرض تعليقه على ردود أفعالهم على الغزو الأمريكي للعراق.

 وفي كل المعالجات السطحية والموتورة والديماغوجية التي تناولت قضية ما يسمى بالفيلم المسيء لنبي الإسلام، كان هناك خوف من تناول لب المشكلة وهو هذا الاجتياح الديني الممنهج والمبرمج للعقول والحياة وتغلغله في كل مسامات وذرات سلوك هؤلاء البشر بحيث أقعدهم وعطلهم عن الحياة وعن ممارسة أي نشاط، الأمر الذي يخلق هذا التداخل العجيب بين ما هو ديني ودنيوي، وبين ما هو سياسي وعملي وواقعي، وبين ما هو عقيدي ولاهوتي وغيبي بحيث يصعب الفصل أحياناً بين هذا وذاك، ويكاد الفكاك بين الرمز السماوي والرمز الأرضي يصبح مستحيلاً، وبالكاد يستطيع المرء أن يفرق، والحال، بين الآلهة الحقيقية والآلهة المزيفة.

 ولا يمكن لهذا التداخل إلا أن بنتج تلك الحالة الغوغائية التي رأيناها وهي بحد ذاتها "فيلم" مسيء آخر عن العرب والمسلمين يحاول أن يؤكد كل ما جاء بالفيلم الأول الذي لم تتح لي فرصة رؤيته حتى اللحظة لأسباب كثيرة، غير أن تلك النوعية من الأفلام والأعمال وكل المقالات والكتابات عن الإسلام باتت تدخل في الحقيقة في نمطية واحدة، وتعيد رسم وإنتاج مفاهيم متداولة ومسبقة الصنع والتشكل عن العرب والمسلمين بطريقة أو بأخرى.

 وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض الكتابات "المسيسة دينياً" تبرئة المسلمين والإسلام مما ينسب إليهم، تأتي ردود الأفعال الغوغائية المخرجة بإتقان على "الإساءة" الأصلية لتؤكدها وبكل أسف، وفي ظل غياب مرجعية دينية كهنوتية واحدة وموحدة للمسلمين، لا بل وارتباط بعض البني الكهنوتية والدينية بمنتجي الفيلم، يجعل من الصعب تماماً القيام بأية عملية دفاع قانوني وإعلامي عن القضية ولذا يترك الموضوع لدهماء وغوغاء الشوارع لمعالجته بطريقتهم المعهودة عبر الحرق، والتدمير، والقتل، الأمر الذي يؤكد كما قلنا، الإساءة الأصلية ولا ينفيها.

ومهما حاولت بعض الأصوات الصادقة، وطيبة النوايا هنا وهناك، رفع الصوت ومحاولة رسم صورة إيجابية ما، ورغم صعوبة الأمر تقنياً وبنيوياً، فإن سيطرة لغة الشارع الهائج والرعاع على القضية، تقضي على كل تلك المحاولات. الوجه الآخر، والأهم للموضوع، هو السؤال التالي، من أين يكوّن الآخرون كل تلك الصور المسيئة عن العرب والمسلمين؟ والجواب الأقسى والصادم سيأتي من تراث العرب والمسلمين ذاته، ومن ما باتوا يؤمنون به كحقائق راسخة أنتجها في الأصل المخيال الديني، ومن مناهجهم التربوية التي يحشون بها أدمغة الأجيال بالتخاريف والخرابيط والخزعبلات التي لا تتقبلها العقول السوية حين تحاول أسطرة الشخص، والتي-التخاريف المغلوطة- ستشكل وتضبط وتقود وتوجه سلوك الرعاع لاحقاً وتجعل التحكم بهم أصعب وأشق.

 وحتى نحن في هذه الاصقاع المنكوبة، فكل ما تكوّن لدينا من صور شوهاء وقصص سوداء وأساطير خرقاء عن من يسمون بالعرب والمسلمين كنا قد تلقينا وأخذناها عن أمهات كتب ومراجع العرب والمسلمين كالأصفاني، والطبري، والصحيحان، والسيرة النبوية لابن هشام، والغزالي، وابن إسحاق، وابن عساكر، والتفاسير القرآنية المتعددة، وابن الأثير، وابن كثير (البداية والنهاية)، وطبقات ابن سعد.....إلخ، وفي الحقيقة، ومن دون الخوض في إشكاليات الاستشراق، فقد أخذ معظم المستشرقين ورسموا تصوراتهم عن الإسلام من تلك الكتب وأمهات المراجع الإسلامية التي تسرد بعض الأحداث بشيء من التغزل والجمالية والتبريرية رغم أنها تبدو نافرة، أحيانا،ً وفق مفاهيم العصر وقيمه الحديثة، وخادشة وجارحة وخارجة كثيراً عن السلوك المحتشم والقويم.

 لا بل لقد دخل ذاك التراث في حيز المقدس، والأقنوم والطوطم الذي لا يجوز المساس، ولا تناوله ولا الاقتراب به، ويصبح أي حديث وحادثة مشكوك في صحتها، مرجعاً تبنى عليه الكثير من الفتاوي التهريجية والإشكالية التي نراها في هذه الأيام. وتصاب أية محاولة لمقاربة هذا التراث، ومن وجهة نظر علمية وعلمانية وموضوعية بكل سهام التخوين والتأثيم والتكفير.

 والمفارقة المرّة، أنه حين يصبح ذات التراث، الذي لا يجب المساس به، مرجعية لمراجعات نقدية وإنتاج أعمال فنية وأدبية فإنه سيصاب بذات سهام التكفير، والتخوين والتأثيم والتجريح لو أنك اعتدت عليه أو استشهدت به في مراجعاتك النقدية. وتصبح المعادلة على الشكل التالي هذا التراث موجود وقائم ولا يجوز المساس والتشكيك فيه، وفي نفس الوقت لا يجوز الاعتماد عليه، أيضاً، في توجيه أي نقد وانتقاد ودرسات جدية وأكاديمية رصينة وموضوعية عن العرب والمسلمين. ويبقى السؤال قائماً متى وأين وكيف سيوضع هذا التراث بقضه وقضيضه، بعجره وبجره، بخيره وشره، بإفكه وصدقه، تحت مبضع النقد، ومشرط العقل، وتتم غربلته (وبالإذن من الصديق العزيز جهاد نصرة في سلسلته الرائعة غربلة المقدسات المنشورة في الحوار وباتت كتيباً لدي نسخة منه)، وعلى نحو لا يسيء لمحددات العقل البشري وفطرته البسيطة، عندها لن يكون بمقدور أحد أن ينتج أي فيلم يسيء للعرب والمسلمين.

 ولنتذكر دائماً أن لا أحد، أبداً، أساء، ويسيء للعرب والمسلمين أكثر من العرب والمسلمين.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز