د. منير وسوف القوي
m.wassouf@hotmail.fr
Blog Contributor since:
08 November 2011

كاتب عربي من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
العـنصريّة ومـوجة كـتّاب المارينز بين أقـلام العـرب



لماذا لم يمتلك النظام الرسمي العربيّ التشريع المجرِّم ؟
-----------------------------------

لا أشكّ أنّ الكثيرين من قارئي ما يكتبه بلغة الضّاد ، أصحاب أقلام المرحلة المارينزيّة الراهنة ، قد لاحظ مقدار الروحيّة العنصريّة التي تجود بها ـ غير محمودةٍ ـ تلك الأقلام المنفلتة على رسلها !!!
سيّما إذا كان القارئ ملمّاً بلغةٍ أجنبيّة أو أكثر...
أفهم أن يُعرِّف شخص انتماءه الهويّتي ، معتقده الإيديولوجي ، إثنيّته ، مجموعته المجتمعيّة أو الحزبيّة ... إلخ ... فهذا حقّه ... تلك رؤيته الوجوديّة التي لا يُمارى في حريّته بالتعبير عنها و إبرازها ... لكنْ :
على ألاّ تقترن ـ تلك الرؤية ـ بشحنات الكراهيّة ، والعدوانيّة ، والحطِّ من شأن الآخر ، الذي لا يقف معه على ذات الأرضيّة ، أو لا يتّفق معه في رؤيته الوجوديّة لنفسه ، أوفي ماهيتة الكيانيّة ، سيّما إذا كان الآخرـ هذا ـ شريك المواطنيّة ، والعيش المجتمعي ، والتراب ـ الذي يتبارى الجميع في الوله به ، وإعلائه لدرجة التقديس ... بل و التهويم أحياناً ـ تراب الوطن !!!
فلنقف عند تعريف العنصريّة ... ولنحاول القياس على محمل مفاهيميّته :

 تعريف العنصرية: Racism :
هي تعصب فرد أو فئة من الناس ، لجنس أو عرق ، أو قبيلة أو عشيرة ، أو دين أو طائفة ، أو معتقد أو حتى لون بشرة ، وإباحة قتل أو اضطهاد ، أو حتى ازدراء الفئات الاخرى بدون وجه حق ، أو سبب واضح ، سوى انها تختلف عنه في جنسها ، أو عرقها ، أو طائفتها ، أو لون بشرتها(زنوج وهنود أمريكا ،القبائل العربية قبل الاسلام ، وأحياناً بعده ( الأمويّة ، الهاشميّة ، القرشيّة ، الموالي ، الشعوبيّة ، إلخ .... ) ، فكرة الحروب الصليبية ، الحركة الصهيونية ، النازية و قوميّتها العنصريّة ، الفاشيّة الموسولينيّة و حركتها الشوفينيّة التاريخانيّة  ، التحزّب والحزبية التمجيديّة الإدّعائّيّة المحبطة  ، الصدامات العرقية والطائفية المعاصرة ، مصطلح محاربة الارهاب الملغوم ... إلخ ........).}}

 وبالنظر لمقدار الخطورة التي يكتنهها الإنتماء العنصريّ في كنفه ، وانعكاساتها السلبية على العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد ، وبين المجتمعات المتعددة ، أقاليميّاً ، و على امتداد المجتمع الإنساني ، والمختلفة المشارب بالضرورة ، تلك الخطورة المتحققة واقعاً راهناً ، والتي تزداد ـ باضطّرادٍ ـ منسوبيّة تأزّمها ، بتطوّر الحياة المعاصرة ، و وسائل تواصلها و تحاكّها ، ما يفرض من الضرورات الحيويّة العاجلة ، التحوّط واليقظة لمنع المفاعيل السلبيّة للمفاهيم العنصريّة ، وتهديدها الحتمي للسلم الإجتماعي ، وحتى تمزيق المجتمعات بالحروب الأهليّة ، و زعزعة السلم الإنساني بالنزوع إلى الحروب و إشعالها بدعاوى واهية ، و أكاذيب مفبركة ( الغزوّ الأمريكي للعراق : مثله الفاقع )... فالأيديولوجيّات العنصريّة ـ و كلّ عنصريّة أيديولوجية ـ تستمدّ من الروحيّة العدوانيّة حيويّة عصبويّتها ، وتترجم ماديّة حضورها بلغة الحطّ من الآخر ـ عدوّها الإيديولوجي المعيّن ـ وبالتالي يصبح الغاؤه الوجودي ، هدف حركيّة قطعانها المبرمجة عصبوياً ، والمعبأة إيديولوجياً ، و بكلّ و أيّ ثمن ، من النظرة الإستعلائيّة ، إلى الكلمة المهينة ، إلى العنف الفيزيائي ، وحتى سفك الدم بكل أشكال اقتراف جريمته ، من الإغتيال الفردي إلى المجازر الجماعيّة ، و بكل الوسائل التي لا تستبعد العنف الأعمى بالعمليّات الإنتحاريّة ، وبشن الحروب المفتوحة على مصارع الأمم والأقوام والشعوب .

وباستعراض موجز ـ من التاريخ ، قريبه وبعيده ـ نلاحظ أنّ التصدّي للعنصريّة لم ينقطع ، بالتوازي مع ديمومة خطورتها ، وانفجارات دماملها المتقيّحة ، ذات اليمين وذات الشمال ، وفي جميع الشعوب والأقوام  والأمم ، و في كلّ مراحل الحضارة على مدى التاريخ المدوّن ... ويمكن قبله ...
ففي جميع الشرائع ، سماويّة أو وضعيّة ، نجد الدّعوات المتكررة للمساواة بين بني البشر ، وإن فسرتها الأيديولوجيّات وفق معاييرها ، إلاّ أنّها و في الجوهر :
 تحمل فكرة المساواة ، قيم العدالة ، والأخوّة الإنسانيّة بين بني البشر ، ولعلّ أبلغ ماقيل في هذا الصّدد ، ما روي عن الإمام عليّ بن أبي طالب ، قوله في رفض التعصّب والعنصريّة وايديولوجية الكراهية و نبذ الآخر : { أن لم يكن أخوك في الدين فهو أخوك في الخلقة } ... ردّاً على بعض متعصّبي المسلمين ، الذين فهموا الإسلام امتيازاً لهم ، لا رسالة ومهمة ، هم بها مكلّفون ، وأنّ من هو ليس بمسلم ، لا تعتوره نقيصة تحطّ من قدره وقيمة إنسانيّته ليعامل بازدراء ، لتصبح قاعدة التّعامل  منذ ذلك ـ عرفاً ـ تعريف للدين ، واقعيٍ يمنع التشاوف والتنابذ والتنافر والصراع ، في المجتمع وبين مكوّنات مركباته  : ( الدين المعاملة ) ... ثمّ و بالنظر لموقع الدين السماوي ـ بثلاثيّته ـ في مجتمعاتنا ، فقد وصلنا في بداية القرن العشرين ، ومع انتشار فكرة الوطن ، وذيوع مفهوم المواطنيّة على أنقاض مفاهيم الرعيّة ـ نظريّاً ـ وقوانين الذميّة العثمانيّة ، بانهيار خلافتها عام 1918 ، إلى التّعامل وفق نسق مفاهيميٍّ متقدّم ، يدعم نسق ( الدين المعاملة ) ، ويكرّسه بالشّعار الشهير : ( الدّين لله والوطن للجميع) ... وهو في عمقه البنيوي المؤسِّس ، يكرّس العلمانيّة الجنينيّة بكامل روحيّة كماليّة نضوجها .

الإستعراض البسيط ـ هذا ـ  يوضح :
 
أنّ التصدي للعنصريّة في مجتمعاتنا ، قد أخذ طريق النضال التنويري ، بمحاولة إحلال منظومة مفاهيميّة جديدة ، تتصدّى للمفاهيم العنصريّة و مترتّباتها ، بإزاحتها تدريجياً بطريقٍ لا صداميّة ، غير مباشرة ، تعتمد اللحمة الإجتماعيّة والمصلحة المجتمعيّة ، بإقرار الواقع التشاركي لمكوّنات مجتمع فسيفسائيّ ، معطى تاريخي قائم ، وقد نجح ذلك في مراحل الصعود الوطني والنضال التحرّري ، إلاّ أنّه غالباً ما تعثّر ، وكشفت وسطيّته و تصالحيّته الأزمات ، كالتي تعصف ببلدان العرب اليوم ، وخاصة في الحالة السوريّة ، وبالتالي ـ وبكلّ الخيبة ـ ما حسبه البعض المتفائل ، أنّه طرد من الرؤوس ، كان ذاوياً كامناً ، بل ومعشش في الزوايا المظلمة من النفوس ....

وبالتوازي ، فمفيد إلقاء نظرة إلى الكيفيّة ، التي عالجت بها المجتمعات المتقدّمة المشكلة العنصريّة ، وكيف تصدّت لإفرازاتها ، وبالطبع ليس بين أيدينا ، أو أمام أبصارنا أكثر نضوجاً من النموذج الأوروبيّ مرجعاً:

لماذا ؟؟
لأن عراقة الأنظمة الدّولاتيّة في اوروبا ، واحتكاكها بكل الأمم ، عبر حقبة استعماريّة مديدة ، امتدت على نيّف وخمسة قرون ، منذ 1492 ـ تاريخ طرد المسلمين من الأندلس ، وبالتواقت ، غزوة كولومبس ـ اكتشافه للعالم الجديد !!، والثمن الباهظ الذي دفعته أوروبا عبر حربين استعماريّتين بيضائيّتين ـ لا عالميّتين كما يزيّفون ـ وحتى إقامة المستعمر الأوروبي الأبيض لأنظمة عنصريّة ، بعضها أصلح نفسه ـ داخليّاً ـ ومايزال ( الولايات المتّحدة الأمريكيّة ـ المحافظة على جوهريّة عنصريّتها عبر سياستها التّدخلية عالميّاً ) ، وبعضها هزمته حركة التحرر الوطني ( النظامين العنصريين : الروديسي والجنوب الأفريقي ) ، وقد استعين لإنجاز ذلك ، أو بداية محاولته ، بسن التشريعات والقوانين الدوليّة ، و إقامة منظماتها المتخصصة ، وبالقوانين الوطنيّة المكمّلة والمؤازرة ، ولم تكن تلك بالمعركة السهلة ، أن تنزع من رأس السيّد الأبيض عقدة تفوّقه ، و ايديولوجيا ريادته السوبرمانيّة ، لذلك فالمعركة لم تكتمل فصولاً ، وما زالت القوانين تترى ، أمام كلّ تمظهرٍ يجسّد نتوء فكر عنصريٍّ هنا او هناك .
كانت المحاولة الأولى ـ مأسسةً عالمويّةً ـ هو ما حاولته عصبة الأمم ، بين الحربين الإستعماريتين الكبيرتين / 1918 ـ 1939 / ، والتي كشف صعود النّازيّة والفاشيّة الأوروبيّتين قصورها ، بل وفضح عنصريّة القائمين على إنشائها ( المستعمر الأبيض ) و الذي استعملها قناعاً لنهب الشعوب واللعب بمصائرها ، بل و جعل من تلك المنظمة الدّوليّة وميثاقها ، أداةً قذرةً ، وشرعنة مقرّةً ، أظهرا حقيقة عقدة التفوّق العنصريّة التي كانت تحرّك هذا المستعمر ، ونفاقه ، ولصوصيّته الرأسمالية الإمبريالية باختراعه المدان لنظام الوصاية والإنتداب !!!

ثمّ جاءت منظمة الأمم المتّحدة ، المكرّسة لتوازن القوى المنتصرة في حرب "السيّد الأبيض" الأوروبيّة الثانيّة ( الحرب العالميّة الثانيّة ) ، مع تعديل أساسيّ ، جعل من الإتحاد السوفيتي وحلفاءه من حكومات حركات المقاومة للنّازيّة والفاشيّة ، وحركة التّحرّر الوطنيّ الصّاعدة ، شريكاً ومنافساً ـ بآن ـ لقوى الإستعمار القديم ، وقيّماً مراقباً لصعود قوّة الإستعمار الجديد ، الإمبرياليّة الأمريكيّة ، فكان :

(الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف "د-3" المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948.).

وقد تتالت المعاهدات و الصكوك الدوليّة ، بدءأً بميثاق الأمم المتحدة ونظامها الأساسي ،  فمؤتمرات الأمم المتحدة  التي أقرّت :

 منع التمييز وحماية الأقليات ،حقّ التنمية ، المعاهدات الضامنة لحقّ التوظيف و تجريم العمل القسري ، الحماية من التعذيب و المعاملة اللاإنسانية ، الحقوق الاقتصادية والحق في الخصوصية ، تحريم الرق والعبودية والممارسات المشابهة، إقرار نظام عمل و طبيعة الشركات ومراعاتها لحقوق الإنسان الأساسيّة ، حقوق الشعوب الأصلية والإعتراف بخصوصيّتها ، إقرار القانون الإنساني الدولي ،التصدّي لمشكلة جرائم الحرب ، ضمان حرية التنظيم وكفالتها ، حق تقرير المصير  ، حقوق الأجانب ، حقوق الأحداث ، حقوق الخاضعين للإحتجاز أو السجن ، حقوق الإنسان في إقامة العدل ، حقوق الطفل، حقوق اللاجئين ، حقوق المرأة ، حقوق المعوقين...........

الجزء الثّاني يتبع غداً







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز