موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
قتل السفير الأمريكي في بنغازي لا يعدو أن يكون إلا (حادث عمل) عادي جدا

نشرت جريدة الأخبار اللبنانية في الحادي عشر من سبتمبر الجاري مقالا مهما للزميل ناهض حتّر تحت عنوان:  سوريا كنموذج قيد الاختبار: الإمبريالية وحرب مــا بعد الحداثة.

يقول حتّر :

 دفعني ألبير داغر في مقاله المنشور  في السادس من سبتمبر في الأخبار بعنوان ( الحرب في سوريا كحرب جديدة) إلى التأمل في الدلالات المفهومية والاستراتيجية والجيوسياسية للحرب السورية في سياقها الإقليمي والدولي. وأنا أفضّل، هنا، - والقول لحتّر- استخدام مصطلح أراه أكثر دقة في وصف الجديد في «الحرب الجديدة» في سوريا، هو «حرب ما بعد الحداثة».

«ما بعد الحداثة» تعبير شامل عن الانحطاط الفكري للرأسمالية العالمية الشائخة التي أصبحت حدود الحداثة الفكرية والقانونية والاجتماعية والثقافية، تقيّدها عن اضطرارها لاستخدام المخلّفات الرجعية من نزعات ما قبل الحداثة، ووسائل الحداثة، في ديماغوجية شاملة فانتازية لرؤية تمزج بين العدمية والكلبية والبراغماتية، هي رؤية ما بعد الحداثة، حيث يمكن نسف المنطق الداخلي والنسق التاريخي للخطاب، وممارسة الهذيان الذي يجمع، مثلاً، بين مبادئ الديموقراطية الليبرالية والمبادئ التكفيرية للجماعات الأصولية والإرهاب في أطروحة واحدة، كما هو الحال في الأطروحة الغامضة للمعارضة المسلحة السورية.

يضيف حتّر معقبا:
"استلهم داغر، في عرض أكاديمي موجز وغني، باحثين غربيين تأملوا، خصوصاً، الحرب اليوغوسلافية في التسعينيات، بوصفها حرباً من طراز جديد، يستعيد، في بعض جوانبه، طُرز حروب العصور الوسطى (تعبئة الهويات ــ العصبيات الفرعية، والميليشيات المكوّنة من متعصبين ومرتزقة ومجرمين، واستهداف المدنيين بالقتل والتهجير والفرز السكاني). وذلك، في تخطٍّ ما بعد حداثيّ للحروب الحديثة التي تشنها جيوش منظّمة منضبطة باسم سيادة جماعات وطنية مؤطّرة في دول وطنية أو ميليشيات مؤسسة على النزوع الاستقلالي الوطني أو الأيديولوجيا الشمولية كما في حركات التحرر الوطني
لكن حروب ما بعد الحداثة، كما يوضّح داغر، تتميّز عن سابقاتها القروسطية، بطابعها الدوليّ من خلال التدخل الكثيف للشبكات فوق الوطنية التي تربط قوى وأفراداً من خارج بلد الحرب وداخله، ولمساعدات المهاجرين المنتمين إلى العصبية المحاربة بـ«الأفكار والأموال والمتطوعين»، والتمويل الخارجي، بما يؤدي إلى "نشوء اقتصادات" حرب مرتبطة بالخارج.
ويرى داغر، الحرب السورية، من خلال هذا الإطار النظري، فيجد أنّها حرب دولية تهدف إلى «فرط الجماعة السياسية الوطنية القائمة، وإعادة تشكيلها من جديد، بل قد تكون إعادة التشكيل هذه سبب انفراط الدولة الوطنية نفسها، وتفتُّتها، أو إحلال كيانات جديدة محلها». هذا ما قد يحصل في سوريا من خلال تحشيد هوية فرعية مذهبية تعتمد، كوسيلة للتعبئة، تظهير الهويات الفرعية الأخرى وإقصاءها، بالدعم الدولي الغربي، والتمويل الخليجي، والدينامية التدخلية لشبكات مهاجرين مشجّعين ومنخرطين في التحشيد المذهبي المحلي؛ وهؤلاء، كما نعرف، من المهاجرين السوريين المرتبطين بالاستخبارات الدولية وحركة الإخوان المسلمين، ومن المقيمين، عادة، في الغرب والخليج. وهي ليست مصادفة".

ويتابع ناهض حتر متأملا ومستكشفا:

"وبالمحصلة، فقد اكتشفت الرأسمالية العالمية في عصر أزمتها الكبرى، وخصوصاً طليعتها الإمبريالية الأميركية ــ تحديداً ــ في عصر انحطاطها الاقتصادي والسياسي والثقافي والأخلاقي، في الإسلام السياسي السنّي، قوّة حليفة جبارة مموّلة ذاتياً، ومشحونة بمحفزاتها الأيديولوجية الذاتية، وتتربع على قوة انتخابية شعبية واسعة، وتملك جيوشاً لا تنضب من المقاتلين الانتحاريين الخارجين من خزّان الفقر والتهميش، والمستعدين لخوض القتال، منتقلين من ساحة إلى أخرى، من دون معوّقات وطنية أو لوجستية".

ويمضي الزميل حتر ملاحظا:  
"هناك العديد من المصادفات السوسيو ــ ثقافية التاريخية التي وضعت الأقسام الرئيسية من الأقليات الدينية والمذهبية في المشرق العربي، في الجبهة المعادية للهيمنة الأميركية ــ وهي مصادفات تحتاج إلى درس خاص في مقال خاص لاحق ــ لكنّها مصادفات سعيدة، بالنسبة إلى الإمبريالية، تلك التي جعلت من الأغلبية السنيّة في موقع يمكّن أنظمة الإسلام السياسي السنّي وقواه من النجاح في التحشيد المذهبي لقوى جماهيرية متسعة وراءه، وامتلاك القدرة، بالتالي، على التموضع في وظيفة استراتيجية هي التحوّل الذاتي إلى جيش الإمبريالية الأميركية الرئيسي وقوته الضاربة المتحركة في المرحلة المقبلة
هذه الإمكانية التاريخية لاستدعاء بربرية القرون الوسطى في معارك الإمبريالية الأميركية من الآن وصاعداً، تشكل الفكرة المركزية لحروب ما بعد الحداثة، وتكشفها كاتجاه قروسطي يتسق تماماً مع الإفلاس المادي والروحي والفكري للإمبريالية في شيخوختها. وهذه الإمكانية تُختبَر اليوم في سوريا على نطاق تجريبي واسع، قبل اعتمادها".

هنا أريد أن أتدخل قليلا لإعطاء تفسير تقريبي ومبسط لهذه الفكرة المهمة, يقصد حتر في سطوره السالفة أن وجود إثنيات متعارضة وقلقة  تتألف من أقليات من  جهة وأغلبية سنية من جهة أخرى  ستؤدي من خلال الإقتتال فيما بينها الى توليد الطاقة الضرورية  لدوران الموتور الأمريكي  بمحوره الإسرائيلي وغطائه الخليجي دون أدنى خسائر في الأموال والأرواح الأمريكية.

ويتابع حتر:  "إنّهم يختبرون الفكرة الاستراتيجية الناضجة فعلاً. ولذلك، تراهم يصمتون على همجية المقاتلين السوريين والعرب والأجانب من مختلف الفصائل الإسلامية التي تذبح على الهوية وتنهب وتنكّل بالقرى المسيحية والعلوية والأحياء المدنية السنيّة سواء بسواء، وتتذابح في ما بينها أيضاً. وهذا الصمت اللاأخلاقي هو صمت الاختبار الذي تنبغي أن تكون نتائجه واضحة في مطلع إدارة أوباما الثانية.
حرب سوريا، إذاً، ليست نهاية المطاف. والمقارنة بينها وبين حرب يوغوسلافيا مثلاً، تصحّ جزئياً فقط. سوريا اليوم مختبر لنمط الحروب المقبلة، المطلوب خوضها لإخضاع الشرق الأوسط نهائياً للهيمنة الإمبريالية، ومنع تكوّن نظام دولي يقوم على التعددية القطبية".

ويواصل حتّر تأملاته منطلقا من سوريا وأثر ما يجري فيها على عموم المنطقة:

"في لبنان، صدر بالفعل البيان السلفي الجهادي رقم 1 ضد الشيعة. وهو أتى في ذروة تنامي قوة السلفية اللبنانية وتماهيها مع الليبرالية السنيّة المتمثلة في تيار المستقبل، وتموضعها في عمليات إمداد الجهاديين في سوريا بالسلاح والرجال والخدمات اللوجستية والاستخبارية بتمويل وتشجيع من السعودية.
ولا يخفي بيان السلفيين في إلقائه الحجة الشرعية على الشيعة، استهدافاته السياسية؛ فهو يخيّرهم بين الولاء لحزب الله أو الموت ذبحاً. وإذا كان حزب الله لا يزال يسعى إلى استيعاب الفتنة المذهبية في لبنان من خلال الصمت وابتلاع الاستفزازات، بل وبالانتهازية السياسية ــ التي تتبع الانتهازية السياسية الإيرانية ــ في مساعي إدامة الصلات مع الإخوان المسلمين، وخصوصاً حماس، فإنّ التطورات، في حينه، ستتجاوز سياسات الحزب وقدراته".

طبعا أنا أوافق الرفيق حتّر أن صمت حزب الله مؤلم جدا وموجع للحزب نفسه ولقيادته وجمهوره في الدائرة الضيقة قبل غيرهم من الحلفاء والأنصار والمتعاطفين في المنطقة والعالم. ولكن صمت حزب الله له ما يبرره وهو ليس صمتا طوباويا  ساذجا وإنما هو صمت عاقل حكيم يقوم على مباني أخلاقية عميقة وحسابات سياسية موضوعية دقيقة سوف تثبت الأيام صوابها ولو بعد حين.

ويختم حتّر مقالته القّيمة مستنتجا:
"التحالف العضوي مع الخليج والإسلام السياسي السنّي ليس عملية مؤقتة هذه المرة بالنسبة إلى الإمبريالية الأميركية في عصر انحطاطها الشامل، وإنما سياق كامل لحروب ما بعد الحداثة. وإذا كانت الولايات المتحدة، قد استخدمت جيوش الإرهابيين والمرتزقة في عدة حروب في القرن العشرين ضد بلدان التحرر الوطني، فإنّه لم تتح لها، في تاريخها، جملة من الظروف السياسية والسوسيو ــ ثقافية والجيوسياسية التي تمكنها من استخدام جيوش لا تنضب من المتعصبين الإرهابيين الجوّالين، المحرّضين ذاتياً والمموّلين من بلدان بالغة الثراء، والمنسجمين، كلياً، مع أهداف الإمبريالية في منطقة شاسعة من العالم، اتّفق أنّها هي نفسها المنطقة التي أصبحت اليوم الميدان الرئيسي للاستراتيجية الحربية الأميركية".

انتهى المقال.

في هذا المعنى أتفق تماما مع استنتاج الزميل حتر وأرى أن الربيع العربي ما هو سوى مرّكب كيماوي إشعاعي مسموم برائحة عطرة  ما يزال يصنع  وينتج في الدوائر بمراقبة ومواكبة تكنولوجية. لقد وقفت الإدارة الأمريكية ببرنسها الأبيض النظيف تراقب في مختبراتها التجريبية تطور مادة " الربيع العربي"  وهي تغلي في أوعية البلدان وعلى نيران الشرق وشمال أفريقيا. من هنا أرى أن حادثة قتل السفير الأمريكي وزملائه في ليبيا لا تعدو أن تكون إلا  مأساة شخصية لأهالي الضحايا نتيجة "خطأ بشري" أدى الى تسرّب مميت  من المعمل الأمريكي وأودى بحياة بعض العمال وأحد المهندسين.

إنه باختصار حادث عمل لا أكثر ولا أقل لن يدفع أحدا لمحاسبة أحد فلا المعمل سيغلق ولا النيام سيستيقظون.  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز