نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: من ينصف هؤلاء؟

لا يكاد يمر يوم دون أن تتحفنا، وسائل ما يسمى بالإعلام السوري، وعلى نحو استفزازي وجارح، بأخبار بالعفو عن "مئات" ممن شاركوا بالأحداث الأخيرة، ولم تتلطخ أياديهم بالدماء، حسب الإعلام إياه، وتبقى هذه الجملة لغز الألغاز، فإذا كان هؤلاء بريئين فعلاً فلماذا تم اعتقالهم بالآلاف المؤلفة، من الأساس، ومتى أدينوا، وكيف تمت تسوية أوضاعهم بسرعة البرق في قضاء مشهور بالترهل، والفساد، والبطء، والكسل، والبيروقراطية في البت في قضايا الناس؟ ومع ذلك، فلا بأس، وصحتين على قلوبهم، وعفا الله عما مضى كما يقال، رغم أن بعض من هؤلاء، وكما نقل واتضح، عاد وحمل السلاح وحارب الجيش الوطني النظامي وأطلق النار.

ولكن، وبنفس الوقت، فالقضايا الإنسانية كل لا يتجزأ، ومعاناة البشر وآلامهم واحدة في كل زمان ومكان، ودرجة احتمال البشر للألم والعذاب واحدة، بمعنى أنه لا يوجد بشر في العالم يعانون ويتألمون ويتعذبون أكثر من بشر آخرين حين يخضعون لذات الظروف وذات الشروط الاستثنائية والصعبة، وبشر لا يشعرون ولا يحسـّون ولا يشعرون. وبالتالي فإن الحلول المقترحة للتخفيف من عذابات البشر، إن كانت فعلاً عادلة وموضوعية وصادقة وترمي لمصالحة شاملة كما هو معلن، فيجب أن تتوجه نحو الجميع، وبنفس الدرجة والسوية، ومن دون استثناء.

 وطالما أن هناك الكثير من القضايا والحالات الإنسانية العادلة والمنسية الأخرى في سوريا، والأشد وطأة وقهراً وضغطاً وإلحاحاً من قضيايا "العراعير(1)" والعفو عنهم، فلا بد من تسليط الضوء على كوارث إنسانية وعائلية قاسية ومرة وضاغطة يعيشها، ولعقود طويلة، عشرات الآلاف من النشطاء والكتاب والحزبيين والسجناء السياسيين السوريين السابقين المحرومون من الكثير من الحقوق الإنسانية لمجرد رأي وموقف سياسي، إذ كان العرف والقانون السائد المعمول به أمنياً في الفترة السابقة أن يقصى، ويهمش وكل من لديه اهتمام وهمّ وطموح سياسي ويضيق عليه بشتى الأشكال ويمنع من ممارسة أي نشاط ويبعد نهائياً عن كعكة البعث الدسمة ووليمة المناصب التي تقاسمها الرفاق والمحظيون والأزلام والأتباع.

وقد كشف الحدث السوري مفارقات مرّة ومؤلمة لا يمكنك إلا أن تتوقف عندها، ومخاباة ومحاولات استرضاء فجة ونافرة وناتئة لتيار بعينه، ولذا لا بد من أن تشير لذلك إنصافاً وتضامناً مع سوريين آخرين عانوا على مدى عقود من تضييق وحصار واضطهاد ونكران ولم تسو أوضاعهم حتى الآن.

 فقد كان من ضمن شروط الحل المقترحة للأزمة السورية، ومن بنود خطة عنان الستة، هو إطلاق سراح المعتقلين على خلفية الأحداث، وهذا أمر جيد وطيب طالما أنه يصب في مصلحة واستقرار البلد ويحل الأزمة بالطرق السلمية ويخفف من حدة الاحتقان السائد، وحتى لو كان لكثيرين بعض التحفظ على هذا الأمر فلا بأس. ومقابل هؤلاء النشطاء والمتظاهرين "السلميين" الذين طالبوا بإسقاط النظام وتدخـّل الناتو، وحملة السلاح والفارين من الجندية، والمنشقين ...إلخ

 هناك اليوم داخل سوريا وخارجها، أرقام غير محددة، ولا يوجد بالضبط أحصائية معتمدة عن طابور طويل عريض من نشطاء وكتاب وإعلاميين ومعارضين وطنيين سلميين فعلاً هذه المرة، ولم يرفعوا السلاح في وجه الدولة ولا يمتلكون سكين مطبخ ربما، ولم يهتفوا بسقوط النظام أمام الكاميرات ولم يظهروا، يوماً، هم يسكبون غلهم وحقدهم الأصفر المسموم أمام شاشات القنوات "المغرضة"، ولم يدعوا الناتو للتدخل وقصف سوريا، وسجناء رأي سابقين ممن طردوا من أعمالهم وصودرت جوازات سفرهم وحجزت رواتبهم وحرموا من أبسط الحقوق الآدمية المتعارف عليها دولياً كحق العمل وحق السفر وحوربوا في لقمة عيشهم ومصدر رزقهم ورزق أطفالهم وضيـّق على منهم داخل سوريا بالمأكل والمشرب وقطعت أرزاقهم وما تزال "أضابيرهم" وملفاتهم جاثمة، ونائمة في مكتب "الغبن" القومي، بانتظار قرار سام، ولفتة كريمة، واهتمام ورأفة، كالرأفة المباغتة والغريبة التي تظهر على "العراعير"، كما يسميهم البعض.

وما دامت طاقة ورزمة الحلول الشاملة للأزمات السورية المستعصية انفتحت على أبوابها فلماذا لا يكون هناك لفتة ونظرة إنسانية وإنصاف وتسوية لأوضاع هؤلاء المساكين الذين لم يشملهم على ما يبدو السيد عنان برحمته، ويبدو أن المعنيين بالأمر لا يهتمون كثيراً بآلامهم وعذاباتهم ومعاناتهم مع أسرهم وأطفالهم كاهتمامهم ورأفتهم، وما شاء الله، على العراعير.

 ويتكلمون اليوم في سوريا، وبصوت عال، مع تغطية وإبراز رسمي وإعلامي، وبشيء من البروظة والإبهار والحماس عن مصالحة وطنية، و"عملوا" لها وزارة بحالها، وعيـّنوا لها وزيراً، ما شاء الله وكان عليه، "وبيشيل الزير من البير"، مفوهاً ومتحدثاً لوذعياً لا يشق له غيار لم يأت أبداً على ذكر هؤلاء وجل اهتماته واختصاصه الطبي، على ما نعتقد ونظن وكل الظن هنا إثم، هو بمعاناة وآلام وأوجاع العراعير، ويا حرام، فلماذا لا تسوى أوضاع عشرات الآلاف من هؤلاء الكتاب والنشطاء والإعلاميين والعلمانيين والتنويريين وأهل اليسار المنبوذين، هكذا مع صفقة المصالحات وعلى "البيعة" كما يقال، والذين لا زالوا يعاملون بتمييز فاضح وكالأيتام على مائدة اللئام ومنهم من كان قد "تختخ" بالسجون سابقاً لكنهم اليوم يقفون مع سوريا قلباً وقالباً(2)؟

 ولماذا لا تعاد لهم حقوقهم المسلوبة والمغتصبة، بدل البحث والمطالبة بحقوق حماس واللاجئين الفلسطينيين ورفع شعار "المئيومة" والتحرير عالياً كما يقول إمبراطور الإعلام السوري الشهير اللبناني ناصر قنديل؟ ولماذا لا يتم الاعتراف بهم ويدمجوا اجتماعياً وسياسياً ويتم التصالح معهم، وتتم إعادتهم لأعمالهم، وصرف رواتبهم المحجوزة منذ عقود، أم أن المصالحات وتسوية الأوضاع مع العراعير فقط، وهؤلاء يجب أن يبقوا خارج كل الحسابات والتسويات؟

 لسان حال كثيرين من هؤلاء يقول اليوم، وبكل أسف، يا ليتنا كنا "عراعير"، أو كما يقول سمير غانم في مسرحية المتزوجون في حديثه الشهير واسفه الظاهر على موت الصرصار، "ليه يا رب ما خلئتناش عرعار"؟

والسلام.

هوامش

 (1)- لفظة سورية مستحدثة تطلق للدلالة على أتباع الشيخ السوري عدنان العرعور المقيم في السعودية، وهم المعنيون اليوم فقط بالمصالحة الوطنية وإطلاق سراحهم وتسوية أوضاعهم بسرعة البرق المذهلة.

 (2)- من هؤلاء مثلاً القيادي في حزب العمل فاتح جاموس الذي لم يعاد إلى عمله ولم تسو أوضاعه ولم تصرف رواتبه المحجوزة، ومثله أمثال عرمرمة، وقد كتب عن معاناته هذه مقالاً منشوراً في موقع الحقيقة الذي يرأس تحريره المعارض السوري المعروف نزار نيوف.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز