وائل المصري
wdmd_1988@hotmail.com
Blog Contributor since:
30 August 2012



Arab Times Blogs
المقاومة ونظرية الردع

لعل التصريحات المتكررة لقادة بارزين في دولة الاحتلال كان آخرهم رئيس حزب "كاديما" ووزير الدفاع السابق "شاؤول موفاز" والمُنصبّة على تهديدات باغتيال قيادات المقاومة وبالأخص قيادات حماس كانت سببا للتساؤل عن مفهوم وفاعلية نظرية الردع لدى فصائل المقاومة عموما وحماس خصوصا . فـ"نظرية الردع" تعتبر _أو على الأقل يجب أن تكون_ جزءا مهما في إستراتيجية المقاومة في التعامل مع العدو ، ومن الضروري القول أن هذه النظرية ليست حكرا على فصائل المقاومة المختلفة _في فلسطين أو خارجها_ وليست ميزة تتميز بها تلك الفصائل عن خصمها بل إن كل دولة خاصة الدول الكبرى أو تلك التي تخوض حروبا مع دولٍ أخرى لديها رؤية خاصة للردع وفق إمكانياتها العسكرية والقتالية ، وبالتالي من الطبيعي القول أن دولة الاحتلال تمتلك نظرية ردع تدخل ضمن نظريتها الأمنية القائمة على مبادئ تمكنها من مجابهة الأخطار خاصة من محيطها العربي المعادي .

وتقوم نظرية الردع على مبدأ الرد على الضربة الموجهة من قبل الخصم بضربة لم يكن يحسب لها العدو حساب تفوق ردة الفعل التي كان يتوقعها ، وفي هذا السياق يكون الحديث عن أن جانب الردع يأتي كردة فعل في المقام الأول لكنه يسير جنبا إلى جنب مع العامل النفسي الذي يسبق الفعل فضلا عن ردة الفعل ، ويتأتى ذلك بإشعار العدو أن لدى الدولة أو المقاومة من الإمكانيات ما يجعلها ترد بشكل أقسى مما يتوقعه في حال إقدامه على أي فعل يستوجب الرد .

 وفي داخل الكيان الإسرائيلي فإن هذه النظرية خاضعة للتعديل بين الوقت والآخر حسب الحاجة ومقتضيات الظروف مثل حرب 1967 م والنتائج التي ترتبت عليها ثم حرب أكتوبر 1973 م وهزيمة الاحتلال فيها وليس آخرا بحرب تموز 2006 بلبنان وما أعقبها من فشل مهين للاحتلال ليتم بعدها تطوير نظرية الردع تحت مسمى "نظرية الضاحية" والقاضية بسحق وتدمير البنية التحتية لأرض العدو والتنكيل بالمدنيين لتحريضهم على المقاومة ، و قد تم تطبيق هذه النظرية في الحرب على غزة نهاية عام 2008 م دون أن تؤتي أكلها .

 في المقابل كانت نظرية الردع حاضرة عند مصر كمثال في حرب 1973 م ، عندما لوح الرئيس أنور السادات باستعداد مصر لاستخدام صواريخ "ظافر" المصرية _التي أشيع أنها كانت مجهزة برؤوس كيماوية_ وقصف عمق الكيان بها مطلقا عبارته الشهيرة "العين بالعين ، والسن بالسن ، والعمق بالعمق" وقد أطلق تهديده هذا بعدما تردد إليه عن نية صهيونية لاستخدام السلاح النووي في المعركة ، فكان تلويح السادات بصواريخه الكيماوية ليضع حدا لأي تفكير صهيوني باستخدام الأسلحة النووية . وفي فلسطين لعبت العمليات الاستشهادية في فترة من الفترات دورا بارزا في عملية توازن الرعب دون أن تحقق حالة الردع _هناك فرق بين المصطلحين_ داخل الكيان رغم أن قادة الاحتلال يطلقون على السنوات الثلاث الأولى من الانتفاضة باسم "الحقبة السوداء" نظرا لحجم الخسائر الهائلة التي كان يتعرض لها وذلك قبل وبُعيْد عملية السور الواقي . بيد أن العمليات الاستشهادية _وإن كانت أفضل الخيارات المتاحة في حينها_ لم تعد الخيار الأنسب نظرا لكم الإشكاليات التي كانت تسببها خاصة في تأثيرها على سمعة المقاومة عالميا ، وذلك بعد وجود البديل والمتمثل في صواريخ المقاومة التي _وللحقيقة_ لم تكن بفاعلية تلك العمليات من ناحية التأثير رغم إبقائها على مفهوم توازن الرعب ودون أن تحقق حالة الردع المطلوبة أيضا .

 وبعد أن ازدادت عمليات الاغتيال بحق قيادات المقاومة وخاصة قيادات حماس السياسية بدا كيف أن دولة الكيان قد استطاعت أن تدرك نقطة ضعف فصائل المقاومة خاصة مع ضعف الرد نسبيا على عمليات الاغتيال في السنوات الأخيرة وتحديدا من بعد استشهاد الشيخ احمد ياسين والرنتيسي ، وبدا أيضا مدى المأزق الذي تعيشه المقاومة وحماس كأهم مكونتها فيما يتعلق بكيفية الرد على عمليات اغتيال قياداتها بشكل لا يؤثر على سمعة المقاومة عالميا ويحقق الغاية المطلوبة في ردع الكيان أو على الأقل جعله يفكر المرة بعد المرة قبل أن يقدم على أي عملية اغتيال . يمكن أن نقول أن الجبهة الشعبية استطاعت أن تكون أول من يحقق نظرية ردع خاصة بها في الانتفاضة الثانية فيما يتعلق بالرد على اغتيال قياداتها وذلك عندما ثأرت لأمينها العام أبو علي مصطفى باغتيال وزير السياحة الصهيوني "رحبئام زيفي" ، ولن يكون أمرا مستغربا أن تدرك دولة الاحتلال بعد هذه التجربة أن الجبهة الشعبية ستخطط بل وستسعى إلى تنفيذ عمليات اغتيال لقيادات أخرى إذا ما تم المساس بأحمد سعدات على سبيل المثال .

 من المهم أن نقول بأن طبيعة غزة فرضت عليها أن تكون ذات وظيفة دفاعية لا هجومية بالمقام الأول ، وأن صواريخ المقاومة كما أنها ليست هدفا بحد ذاتها بل وسيلة فإنها وحدها لا تحقق المطلوب في ردع الاحتلال إذا ما تعلق الأمر بالرد على اغتيال قيادات وازنة في المقاومة وخاصة في أطرها السياسية . ومن المؤسف أن نشعر بأن رؤية فصائل المقاومة في إطار المواجهة مع دولة الاحتلال تشوبها الضبابية في أحيان كثيرة ويتجلى لنا ذلك في ضعف الرد نسبيا عندما تقوم طائرات الاحتلال باستهداف مقار أو مؤسسات أو تنفيذ عمليات اغتيال ، وربما يعتبر غياب نظرية أمنية رادعة للاحتلال لدى المقاومة سببا رئيسيا في هذه المعضلة . لذا فإنه من الضروري أن تشرع فصائل المقاومة في تكوين نظرية ردع خاصة بها في ظل الظروف التي تعيشها بناء على طبيعة وأماكن انتشارها وظروف عملها وإمكانياتها العسكرية وفق المتاح .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز