نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: المعادلات المستحيلة

تبنـّت سوريا، وعلى مدى عقود طويلة سياسة خارجية صلبة وعنيدة في مقارعة وإحباط محاولات الهيمنة الغربية على دول المنطقة، واتخذت والحق يقال، خياراً مستقلاً، سيادياً، وطنياً، مقاوماً، وممانعاً جعلها في بؤرة الاستهداف والتآمر للنيل من قرارها الوطني السيادي، وتطويعها وتدجينها وضمـّها وإلحاقها بقطيع التخاذل والعمالة والخنوع والركوع والارتداد المسمى بالعربي. وبنت لذلك جيشاً وطنياً قوياً عرمرماً ضارياً، عدة، وعتاداً وتقنية، ذا عقيدة قتالية وطنية، أذهل العالم والمراقبين، اليوم، ،في تصديه لهذه الحرب الكونية المجنونة البربرية والشاملة الهوجاء التي يقوم بها محور الشر والعدوان الأطلسي-التركي-البدوي عليها، وهي اليوم، ومن دون أية مبالغة، قاب قوسين أو أدني من إعلان نصر نهائي وحاسم ومؤزر على هذا المشروع الجهنمي الشيطاني الشرير مع كل أدواته وأذنابه وأجرائه، الذي وظفـّت وسخـّرت له إمكانيات أسطورية وخرافية هائلة.

 غير أن هذه السياسة والتوجه الرائع والسليم السديد، لم يجد، وبكل أسف، ما يقابلها من اهتمام وجدية على الصعد الداخلية عامة، وعلى رفاهية وبناء المواطن السوري وتكوينه وتأمين كل مستلزماته المعاشية والعمل بجد على تبني سياسة نهوض اقتصادي حقيقي وتكريس الشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد، وإلا لكانت سوريا، وبإمكانياتها الهائلة ومواردها البشرية وبقوتها الأمنية والعسكرية الضاربة وثرائها المادي والاقتصادي وثرواتها الطبيعية، إحدى نمور العالم الاقتصادية الكبيرة، ولا نبالغ لو قلنا أنها كانت ستصبح واحدة من القوى العظمى المؤثرة في العالم، وتقف، وبكل تواضع، جنباً إلى جنب مع روسيا، والصين، وإيران، والولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا. لكن كانت هناك في الداخل سياسات تقوم بالضد وعلى النقيض من تلك السياسات الخارجية، وتدمرها وتسيء إليها وتضعفها وتنال منها، وأوجدت الكثير من الثغرات والفجوات التي نفذت منها قوى التآمر والشر والإثم والعدوان.

وللأسف أيضاً، تم في فترات لاحقة، إطلاق اليد للفساد، ولقوى النهب والاستحواذ ورموز النيوليبرالية المتوحشة الكبار للفتك بمكتسبات االمواطن السوري وتدمير حياته والاتجار والمساومة على لقمة عيشه وخنق أي حلم وآمنية بعيش كريم وتكدير حياته والتنغيص عليه، وبالتالي، وأوتوماتيكياً، الإجهاز على كل تلك السياسات والإنجازات الخارجية الرائعة التي أعطت لسوريا مكانة وموقعاً متميزاً ورائداً بين الكبار في العالم. لا بل كان هناك تهميش، وإقصاء، وإخصاء مبرمج وممنهج لكل صوت وطني ارتفع للنيل من، أو الإشارة لممارسات حيتان وضباع وتماسيح النهب والفساد(1)، الذي بدا وأنهم باتوا يتمتعون بحصانة ورعاية رسمية تمنع مساءلتهم أو الإشارة لهم، ومنهم من اكتسب قدسية وألوهية تمنع من مجرد "الشرك" و"الشك" به، وأستغفر الله لي ولكم على أية حال.

وكم كان المواطن السوري البسيط "المعتر" المنهوب المفقر العادي، وبحسه المرهف والفطري البسيط وذكائه الحضاري التراكمي المكتسب، يشعر بالمرارة والسخط والخذلان والإحباط ويكتم غيظه وهو يرى مسؤولاً نهبوياً فاسداً ولصاً وحوتاً كبيراً ومصاصاً لدم الشعب ومافيوزياً محترفاً وهو يحاضر بالمقاومة والوطنية والشرف ويلقي مواعظه النضالية عبر ما يسمى بالإعلام الرسمي الوطني الذي لم يقصر هو الآخر في حماية اللصوص والفاسدين وعدم التطرق إليهم لا من قريب ولا بعيد كالأبقار الهندوسية المقدسة، وحين كان يدعو الناس للمقاومة والنضال والتمسك بحبال الوهم القومية والتسبيح بحمد فكرة العروبة الطوباوية وإيواء جماعة حماس الإخوانية الماسونية الغادرة التي كلفت سوريا الكثير من الدم والمال، ولم يحصد منها السوريون غير الفشل، والغدر، والتنكر، والخذلان..

 وفي ضوء الكوارث والفضائح الوطنية الأخيرة، كنا قد قلنا وكتبنا مراراً ورفعنا الصوت وأشرنا تلميحاً وترميزاً وتوضيحاً أن المتملق والوصولي والانتهازي وكاتب التقارير والفاسد والحرامي واللص ومصاص دم الشعب و"البهورجي" والمنفاخ والمتكلف والمتصنع و"المظهرجي" واالمريض نفسياً والنرجسي الأناني الزاهي بنفسه والبطران والجشع اللاهث وراء شهوة المال والساعي للمناصب والبروظة لا يمكن أن يكون، وبنفس الوقت، وطنياً وشريفاً ومقاوماً، ومدافعاً عن، وعاشقاً لذات لشعب الذي يسرقه وينهبه ويلوعه ويريه الأمرّين، أو أن يكون صاحب مبادئ وأخلاق ومواقف نبيلة ويمكن الاعتماد عليه في وقت الشدائد والأزمات وهو يكذب ويتصنع ويتجمل علناً. فالمبادئ والأخلاق رزمة واحدة متكاملة لا تنفصل عن بعضهاً، إما طيبة كلها، أو كلها شريرة والجمع بين هذين النقيضين مستحيل، وهو كالجمع بين الماء والنار، وبين جورج بوش وصدّام.

 ومن يبحث عن تلك الموبقات والانحرافات لا تهمه أبداً قيم الوطنية والشرف والمبدئية والأخلاق، هذا معيار أخلاقي وقيمي صارم لا يقبل التأويل والجدل والالتباس. فالفساد والوطنية خطان متوازيان لا يلتقيان، وإن التقيا فسنرى، ولا بد، ظواهر شاذة وخوارق منغولية مثل رياض حجاب وفراس ومناف طلاس وآل عبد الحليم خدام ونواف الفارس ومحمد الفارس وسمير التقي ورياض نعسان آغا وإياد غزال عليهم جميعاً ألف سلام فكم تاجروا بهذا الشعب المسكين والمنكوب، والقائمة تطول وتطول. فاللص والانتهازي والحرامي وسارق وناهب قوت الشعب لا يمكن أن يكون فلبه على من يسرقهم ويجوعهم وينهبهم، ولا يجب أن يحظى بأي نوع من الحماية والرعاية الرسمية، ويكون بنفس الوقت وطنياً ومقاوماً وممانعاً وقومياً وثوريا. لا وألف لا. وهذا الملاك لا يتعايش ولا يستقيم مع ذاك الشيطان. .

 إذن، كانت هناك محاولة وتبن رسمي لتحقيق تلك المعادلة المستحيلة، وجمع ما لا يجمع: فاسدون ولصوص وحرامية وانتهازيون ومافيوزيون وتجار كلام وبائعو أوهام سيتبنون مشروعاً وطنياً و"قومياً" عروبياً (رجاء ممنوع الضحك)، وثورياً وتحررياً ومقاوماً.... إلخ.

معادلة لن تتحقق تحت أي شرط وبند ومهما بذلنا في مداراتها وتزويقها وتجميلها بالخطاب القومي الناري الثورجي الفارغ الكاذب، وقد تفلح لوقت، وقد تنجح في خداع البعض، لكنها لن تستمر، وبالمطلق، ولن تعمل وتنجح كل الوقت، والدليل انهيارها، وانكشافها، مع رموزها، مع أول امتحان حقيقي للوطنية والشرف والالتزام الخلقي وعشق الأوطان. ومع ذلك ما زال هناك وقت، وما زال هناك متسع وحيز، وما زال هناك أمل بشرفاء وأحرار ووطنيي سوريا المتواجدين في كل مكان وموقع ومستوى، لتجنب وترميم وإصلاح، ما فات وأخذ الدروس والعبر، ودمل الجراح والقيامة الوطنية الشاملة وصنع المعجزات، والخلاص، والنهوض الأسطوري كطائر الفنيق العظيم من تحت الرماد، وتحت الركام.

(1)- تم في وقت سابق اعتقال وسجن أكثر من زميل وكاتب حذروا مثلاً من فساد وانحراف آل خدام وممارساتهم المافيوزية ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز