حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
ليس مهماً أن ندافع عن ثقافة يهددها الإخوان المهم ان نخلق ثقافة تضعهم فى حجمهم

مما لاشك فيه ان الثورة تفترض وجود نظام متماسك القوام، لكن أحداث السنتين الماضيتين أثبتت أن الموجود لم يكن أكثر من صورة دولة يتاجر بها من يخدم السلطة ومن يقاومها على حد سواء...بالمنطق نفسه لابد ان نفهم أن الثقافة قبل أن تنتج هوامش أو بدائل لابد أن يكون لها متن متجذر في مجتمع مدني مفتوح على كل المجتمعات..... يمكننا أن ننتج أعمالاً ثقافية تستفيد من خبراتنا الحياتية العامة كما الخاصة بشكل فردي في أي مكان، ويمكننا الدفاع عن الحق في إنتاج هذه الأعمال؛ ولكن لن يكون لنا ولا لأعمالنا قيمة كبيرة طالما لا أحد سوانا نحن يستهلك هذه الأعمال....

والدليل على صدق كلامى أن القوى القمعية لا تلتفت إجمالاً إلا إلى من يطلع في التلفزيون لتجعل منه فريسة لها.... بدا لي أن السبب في أن أحداً سوانا لا يستهلك أعمالنا الثقافية – وهو نفسه السبب في انتصار الإسلام السياسي، والسبب في تحول كل مستهلك محتمل للمنتجات الثقافية إلى منتج لها و”أقلية” في محيطه المجتمعي – ليس الجهل والفقر والقمع السياسي بقدر ما هو كون مصر، بالتحديد، “مجتمع متدين”، مجتمع الوسطية والاعتدال، الوطنية الآمنة والخير المقنن، واتباع التعاليم دون النظر إلى محتواها..... إن أحداً لا يستهلك أعمالنا لأننا مجتمع قروي ساذج بلا ثقافة (ولا أقول ذلك بنبرة المتعالي على القرويين بقدر ما أقوله بنبرة الساخر من “مثقف القرية” أو الساخر من نفسه)....

الثقافة ياسادة قبل أن تكون دواوين قصيدة نثر ومسرحاً تجريبياً وأعمالاً مجهزة ابداعية هي نظرة للحياة متفق عليها بدرجة أو أخرى عبر طبقات مجتمع كامل، نظرة تتضمن قيماً قابلة للتطوير؛ وبهذا المعنى قد نقول إن ثقافة مصر إسلامية بالفعل: إنها هويتية ويوتوبياوية وانتهازية كالإسلاميين، لكنها “وسطية” ومحبة للحياة أيضاً كمن يقول لك: “حأخطف الضهر وأجيلك.... ليست ثقافة قادرة على الالتزام بطقس أدركت أن لا معنى حقيقي له في حياتها، لكنها ليست ثقافة قادرة على إسقاط هذا الطقس من حساباتها....ليس مهماً أن ندافع عن ثقافة يهددها الإخوان، المهم أن نخلق ثقافة تضع الإخوان في مكانهم الضيق جداً، التافه جداً، داخل أي مجتمع له ثقافة.... أتابع هذه الأيام – وبمناسبة العفو الرئاسي عن الشخص الذي أطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلاً – أحاديث وكتابات فرج فودة؛ كما تابعت من قبل باستفاضة أكبر كتابات وأحاديث نصر أبو زيد...

وأرصد ظاهرتين واضحتين

 أولهما أن صراع دعاة “التنوير” في الإسلام من أمثالهما لم يكن أبداً مع “الجماعات المتطرفة” وحدها وإنما كان دائماً، وربما بدرجة أعلى، مع علماء الأزهر؛ وأن التوجه “الوسطي” المحافظ (وقد نسميه المتخلف، الرجعي: الرافض للتطور) والممارسات الرقابية على الفكر والإبداع وأي نشاط يتضمن إعمال العقل أو حرية التعبير عن المشاعر (الروحانيات) هي سمات أصيلة لمؤسسة الأزهر من قبل صعود التأثير الوهابي (أو السلفي) الملازم للإسلام السياسي....

وثانيهما أن ما أدى إلى عقاب هذين الشخصين (بالقتل والنفي) هو تجرؤهما على ممارسة حق أظنه مشروعاً لكل من وُلد على ملة الإسلام ولم يخيّر في اعتناقه شأن المسلمين الأوائل هو إبداء وإعلان الرأي ليس في العقيدة نفسها بالضرورة وإنما في الخطاب الديني السائد والمؤثر في المجتمع والذي يتحكم في حقوق الشخص المعني وحرياته؛ ومن ثم فالأمر يتعلق ليس بإيمان المسلمين بما يؤمنون به أو محتوى عقيدتهم أو ماهية اعتناقهم لها وإنما بعلو صوت من شأنه أن يقطع الطريق على نشاط اجتماعي اقتصادي احتكره أشاعرة الأزهر لقرون حتى التسعينيات ثم ورثه منهم سلفيو المدرسة الوهابية....

 يبدو لي من خلال هذين الملاحظتين أن الخطأ الأكبر لـ”التنوير” هو نفسه مقصده النبيل إلى توعية الناس بدينهم أو السمو بمستوى تعاطيهم معه، وأن الهدف كان يجب أن يكون أكثر جذرية وأقل فرضاً للوصاية، ليس فقط تحاشياً للجدل العقيم مع أناس يحافظون على مصالحهم ألف مرة قبل أن يتحروا الصدق مرة واحدة ويفضلون الثبات والتحجر على الحركة والتطور وإنما أيضاً سعياً إلى تأسيس مساحة اجتماعية سياسية موازية تجاور مساحة السلطة الدينية (الموالية للسلطة السياسية والمنبثقة عنها أو العكس) هي مساحة السؤال عن موقف من ولد على الإسلام ويريد أن يحتفظ بعقيدته لنفسه (فلعله ارتد عنها في قلبه ولعله اعتنقها بطريقته) دون أن يلتزم بشروط الخطاب الديني السائد أو يتدخل فيه.....

هذا الشخص غير معني باختراق المنظومات السلطوية للتدين التي يحترمها، لكنه يحتفظ بحقه في حياة خالية من تأثيرها وإنتاج خطابات تخصه على هذا الأساس... هذا الشخص تعريفه “علماني” أو “لاديني”، وهو شخص موجود بأعداد لا يستهان بها في مصر.... كيف يمكن صياغة تصنيف لهذا الشخص داخل “المجتمع الإسلامي” يحدد حقوقه وواجباته ويستند إلى مبدأ الذمية أو آلية مشابهة؟ أظن هذا السؤال أجدى وربما أسلم لمن يطرحه من سؤال تطوير الخطاب الديني أو عقلنة وعصرنة العقائد والشرائع.... السبب فى كون مصر مجتمع متدين.... هو ما يجري على الإسلام وتسييسه وبداوته يجري على المسيحية المصرية باختلاف طوائفها والاشتراكية-الشيوعية والقومية العربية-الناصرية والوطنية الساداتية الموالية للنظام العالمي كذلك، وهو يجري – قبل كل شيء – على “العادات والتقاليد” و”العيب والحرام” وغير هذا من الشعارات التي سممت وجودنا و”بشنقت” عقولنا وأرواحنا قبل أجسادنا: إنها منظومة الصح والغلط المعادية للعالم في حقيقته المعاصرة وتجلياته المتعددة، المعتمدة في عدائها على هوية لا معنى لها في هذا العالم، المنكرة لأبسط الحقوق والحريات؛ حيث لا فرق بين التحرر والفضائحية ولا ضرورة أبداً لأن تعني الكلمة ما تقوله…

 بدا لي أن السبب في فشلنا الذريع هو كون مصر لا تزال أكذوبة الحضارة والعراقة في زمن لم يعد يقبل هذا النوع من الأكاذيب، أو كونها أسرة محافظة تكرّس الطبقية والطائفية والسلطوية والانتهازية ..... أسرة تبيح لبناتها ممارسة كل أنواع الجنس في السر كالمجرمات طالما يحافظن في الوقت نفسه على غشاء بكارتهن في انتظار “جوازة كويسة” ويتعاملن مع ما يفعلنه كما لو كان إجراماً بالفعل – كون مصر أكذوبة لا تسمح بأي عمل جماعي يتطلع إلى تغيير السلطة ما لم يستند هذا العمل إلى شيء بزيف وبلاهة ورخص ولا جدوى التدين… ثم ما هي حكاية كرامة الرئيس من كرامة بلده هذه؟...من اين جاءوا بها ؟ .... هل من كان يشتم في ساركوزي عندما كان رئيسا لفرنسا كان بيشتم في فرنسا؟ وما لاقاه دابليو بوش أيام حرب العراق هل كان كان إساءة للقومية الأمريكية؟ لماذا نردد العبارات كالببغاوات واى عبارة غبية تتردد تتحول لحقيقة مسلم بها وهي في الحقيقة لامعنى لها ؟ وعلى فرض ان هناك ”كرامة بلد” أصلاً، وهذه البلد جمهورية ... الكرامة هى حرية المواطنين فى إن يقولوا ما يعجبهم ام في التعامل مع رئيس الجمهورية باعتباره “ذات” منزهة؟!!...

 الاخوان ومرسيهم أفرجوا عن عتاة المجرمين والقتلة وتركوا شباب الثورة الطاهر في السجون.... جابوا حكومة وقيادات صحفية من الإسلاميين والفاسدين الموالين لهم حديثاً جداً وهمشوا الكفاءات في الإدارة والإعلام مثل ما كان قبل الثورة بل اكثر وقاحة من ذى قبل .....لقد أمنوا المسئولين عن الإجرام في الجيش والداخلية وكرموهم، واستبدلوا القيادات بذوي الميول الإسلاموية واتباعهم ..... صادروا وسائل الإعلام وشيطنوا معارضيهم واعطوا غطاء للإرهاب.... ويلعبوا نفس اللعبة الوسخة مع إسرائيل لكن بتعاطف أكبر مع حماس وملحقاتها..... حولوا صراع الحريات الشخصية والاجتماعية لصراع طائفي بينهم وبين بقية المجتمع بما فيه الأقباط والعلمانيين وغيره، وزودوا على الأمراض الشعاراتية من قبيل التخوين والتشهير مرض التكفير.... لقد جعلوا موضوع الحقوق السياسية موضوع ولاءات وذلل داخل نفس المنظومة المركزية الاستبدادية… وكل هذا في أقل من شهر.... ويقولك نعطيهم فرصة !!الحقيقة إنه تهريج، ببساطة.... كل ما يحدث فى مصرعبارة عن تهريج ..... ثورة تهريج ودين تهريج وسياسة تهريج والوحيد المستفيد هو من يهرج ويكسب من وراء تهريجه......

مما لاشك فيه ان القانون الذى يبدأ بدستور إن لم يكتبه ياسر برهامي يفرضه على اهلك لواءات جيشك الوطني الباسل بمنطق المرجعيات الوطنية على طريقة ما فيش مسيحي يقدر يطلق مراته ورواية أولاد حارتنا لاتطبع في مصر، و هدفه الأسمى إن لم يكن “الأمن القومي” يبقى “الشرع الإلهي” والمواطن يأكل خرا في الحالتين عادي برضه… هذا القانون هو نفس القانون الذى لم يعطك الحق في حرية العقيدة وهو نفس القانون الذى لايسمح لك ان تمشى فى الشارع فى حماية القانون بدون ان يرذل عليك ظابط شرطة غبى يضع فى حزامه سلاح وينادونه بكلمة “باشا” يستطيع ان يبهدل كرامة اى انسان كائنا من كان اذا لم يعطيه رشوة على السريع ... هذا النوع من الناس ( اى ظابط الشرطة ) من الممكن ان يتم استنبداله فى ظل دولة ياسر برهامى واتباعه بأى غبى ممن يركبون ذقن وضارب زبيبة فى وجهه طالما ان القانون فى اجازة !!!…

المساكنة أم تعدد الزوجات، النهي عن المنكر أم احترام إرادة الغير، حرية الاعتقاد أم حد الردة، الزكاة والصدقة أم (إعادة) توزيع الدخل، الحجاب أم العفة، الإجهاض أم الرجم، الحبس أم قطع اليد، السجن مدى الحياة أم ضرب العنق، الطب الحديث أم الطب النبوي، استلام أموال البترول أم استخراجه وتكريره: أسئلة يطرحها الإسلام السياسي عن الإسلام ويريدها فى الدستور الذى يشرف عليه المتأسلمين ... مما لاشك فيه انه يظل كل ما هو ضد الإسلام السياسي إيجابياً من الناحية النظرية – لأن “النهضة” المطروحة مشروع كارثة بكل مقياس – لكن، وكـ”قوى علمانية” (وضروري استخدام لفظة “علمانية” ضد “طائفية” الإسلام السياسي)، الواقع أننا لن نتقدم خطوة حتى ندرك أن الإخوان هم الامتداد المنطقي والصورة الأوضح لـ”النظام” الذي “أسقطناه” في فبراير ٢٠١١ (كما أن الخطاب السلفي والمحاكمات العسكرية هي بالضبط ما تفتقت عنه دولة “الوسطية” و”الوحدة الوطنية” و”الاحتكام إلى القانون”): في الانبطاح للنظام العالمي وفي الاقتصاد الإقصائي وفي الفساد الإداري وفي الاستبداد السياسي، “الإخوان والسلفيين” (كما سيتضح أكثر فأكثر مع مرور الوقت) ليسوا سوى “لجنة السياسات فرع المعاملات الإسلامية”.....

وبالتالي علينا أن ندرك أن من يستعين بالمجلس العسكري و”الفلول” على الإخوان (كمن يدافع عن ماسورة صرف صحي قناة “الفراعين” مثلاً) إنما يخدم مصالح الإسلام السياسي على المدى الطويل، لأنه يؤكد خلو المجتمع من أي بديل فعال سوى ما تمت الثورة عليه – ومن البديهي أن الحركة هنا في اتجاه واحد – بكل ما في “النظام البائد” من “استعباط” لم يكن الإسلام السياسي أصلاً إلا تنويعاً عليه.... فمن يقول لا للإخوان عليه أولاً وبنفس الحدة أن يقول لا للمجتمع الذي أنتج الإخوان.... وبالبلدى ومن الاخر : (الناس ليه مش قادرة تتجاوز فكرة إن الإخوان في مقابل العسكر والعسكر في مقابل الإخوان (وكإن قبل ٢٥ يناير ما كانش فيه إرهاصات إسلامية، وكإن الفاشية العسكرية اللطيفة هي اللي هتحقق تطلعات الحقوق والحريات، أو كإن العاطفة الإسلامية مش متفشية داخل مؤسسات الدولة قد ما هي متفشية خارجها)؟ الإخوان عندهم مصالح وكذلك العسكر: الخلافات اللي “الثوار” شاركوا فيها لصالح الإخوان مجرد تفاصيل إن ما كانتش تمثيليات، والقيم اللي بتعبر عنها قناة الفراعين هي نفسها القيم اللي خلت الإخوان بملحقاتهم هما البديل الوحيد للفاشية العسكرية الشغالة بقالها ستين سنة.... لو ركزت على نتايج التطورات و”المواقف” هتكتشف قد إيه ثورتك كلها ما كانتش أكتر من مناورة سياسية لاستبدال شلة حاكمة بشلة شبهها هتحكم بنفس الطريقة وتعبر عن نفس القيم)...لذلك ليس مهماً أن ندافع عن ثقافة يهددها الإخوان المهم ان نخلق ثقافة تضعهم فى حجمهم التافه







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز