نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
ماذا تقول ملائكة الوحي للثوار؟ وماذا يقول أطباء العيون لرمد الربيع؟


من يستمع الى نشرات الأخبار يكاد يتيه في صحراء سيناء كما تاه اليهود يوما أربعين عاما كما ورد في بعض الروايات.. ومن يرقب التحركات المكوكية للسياسيين في الشرق والغرب يزوغ بصره من كثرة دوران الوفود واللقاءات .. ومن يراقب حركة الاجتماعات واللقاءات والتحركات العسكرية يصاب بالدوار ويدوخ ولايعرف من أين يبدأ خط الزمن ولاأين ينتهي .. هل هو في غرينتش أم في دمشق .. لقاءات في تركيا وفي قطر وفي ايران وروسيا وواشنطن وفي فرنسا والأردن ولبنان ولندن ومملكة آل سعود..وحاملات طائرات وسفن شرقية وغربية وحشود على الحدود ومناورات تتلو مناورات ..

كل هذا وفيما تهبط ملائكة الوحي الناتوي بأخبار الانشقاقات وأخبار التنحي والحكومات الاسعافية الانتقالية ..بل ومرحلة (العالم من غير الرئيس الأسد)..

نحن ليس عندنا ملائكة توحي لنا كما ثوار الربيع العربي الذين لايخرجون عن ارادة الوحي فما هو (الا وحي يوحى) .. فهم المنشدون في معابد الحرية وأحباب الله والمكبرون له دوما والذين يذبحون له القرابين البشرية دوما بسخاء كما لو كانوا يحققون رؤيا بلّغهم بها الوحي كما بلّغ سيدنا ابراهيم لذبح ولده فقرروا ذبح أولادهم وأولادنا ..

وأحباب الله هؤلاء لديهم ملائكة الجزيرة والعربية والملاك صفوت الزيات بجناحيه الورديين والملاك عزمي بشارة الذي تظهر فوق رأسه غمامة وهالة من النور كلما ظهر!!.. ولديهم ميكائيل الموكل بالقطر والمطر .. واسرافيل صاحب ساعة الصفر، وعزرائيل الذي يقبض ارواح البشر .. الذي لم ينشغل كما أشغلوه هذه الأيام بجني مايزرعونه من موت .. ولديهم الملاك الارضي "اسرائيل" .. و لديهم "جبرائيل" الذي ينقل رسائل الرب "يهوه" في تل أبيب .. جبرائيل (أو جبريل) هو الملاك الذي ينقل الوحي الثوري يملك جناحين كبيرين أخضرين يمتدان من تونس الى اليمن ويغطيان كل هذا المشرق .. واسمه (برنار هنري ليفي) ..

وكذلك ليس عندنا مهندس عبقري مثل أوغلو يرسم الأسفار والاصفار والأقدار والأعمار والأسرار .. وليس عندنا قارئ الكف والفناجين الملك عبد الله الثاني الذي يتصرف كما لو كان ناقلا للأحاديث الشريفة "الأمريكية" .. ويصدر له صحاح باسمه (الصحاح اليهودي) سيطغى على صحاح مسلم والبخاري في دقة الروايات والنبوءات والمسارات السياسية .. وهو الذي حول مملكته الى مضافة عربية للمناورات ومحطة استراحة للانشقاقات الثورية يقدم فيها القهوة العربية الساخنة بنفسه للثوار و.. "نسائهم" ..

وليس عندنا سليل بني تميم حمد بن خليفة.. ولا حفيد القعقاع .. ولا الصعصاع ..ولا الذعذاع .. ولا الحكيم "الجعجاع" صديق بني قينقاع ... وليست عندنا بسمة ولا موزة .. ولاحصة ولا فصّة .. ولاعنزة..

وليس لدينا بوذا الحكيم (وليد جنبلاط) الذي يجلس على ضفة النهر بيقين المؤمن وهدوئه في جبال الشوف ينتظر جثث أعدائه الطافية القادمة مع تيار الأحداث الذي يجرفها ..

وليس لدينا "أولاند" سليل روسو ومونتسيكيو والثوار الفرنسيين الذين قدموا للعالم المقصلة التي اخترعها الدكتور جوزيف غليوتان الذي ورثه الدكتور برهان غليون وقد أخذ الكثير من اسمه وفعله (دكتور يحب المقاصل الثورية) فكل الأسماء الفرنسية الثورية على مايبدو تقود الى المقاصل وصار غليون بجدارة يستحق اسم .. برهان غليوتان..

وليس لدينا ديفيد كاميرون .. ولا السيدة ميركل .. وليس لدينا نبيل العربي .. ولا القمر بدر الزمان بان كي مون ..

وليس لدينا أي شيء.. أي شيء .. سوى بيت من الشعر يلخص حبنا لوطننا وولع الشعب السوري بسوريته ومحبته الفائقة لعيون سورية واستعداده للموت في سبيلها ..يقول هذا البيت:

ان العيون التي في طرفها (وطن) .. قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وهو مشتق من غزل شهير للشاعر الاموي جرير ..ومن منا أحق بعيون الشعر الأموي؟؟

هذه العيون ترى مالاترى ..فماذا ترى العيون التي في طرفها وطن؟؟؟ وفي طرفها الشام .. وفي طرفها حلب؟؟

***

تقول لنا العيون .. عيون العسس .. لاعيون المها الداغستانية بين السكايب والسكايب التي يدوخ بها عبد الرزاق طلاس .. تقول ان لقاءات أولاند المتلاحقة مع حمد والشلة السورية كانت لاظهار أن فرنسا لاتزال لاعبا في اللعبة وأن اخراجها التدريجي من قبل الروس والأمريكيين من ميدانها التاريخي (سورية ولبنان) ليس حكيما وأنها تمسك بأوراق سورية هامة ولذلك رفع أولاند من لهجته وطموحاته لضخ الثقة في عزم فرنسا على المتابعة حتى النهاية .. وقد وجه أولاند الدعوة لحمد بناء على نصيحة برنار هنري ليفي كرسالة الى المجمع اليهودي الفرنسي لايصال رسالة أن فرنسا لاتزال على الوعد والعهد والتأثير وأن ساركوزي لن يكون أكثر اسرائيلية من أولاند ..

وتقول أخبار العسس وعيونهم ان حمد الذي كان قد صبغ شعره باللون الفاحم قبل سفره الى باريس وسرحه تسريحة الساموراي كما لو كان قائدا من قادة الساموراي الياباني قبل معركة نهر سوميدا العظيمة .. بدا مستعدا لعمل أي شيء ولدفع أي ثمن .. لأنه صار في غاية القلق من تأكده من الشلل التركي الذي لجمه قيد ايراني روسي مزدوج .. وكذلك من وضوح تزايد ضعف ووهن اردوغان سياسيا الذي صار عصبيا في كل اجتماعاته واتصالاته .. ونقل حمد في اجتماعه بأولاند عما ينقل اليه معارضون سوريون بأن نزق أردوغان وانفعاله لم يعد يترك مجالا للثقة .. فأخبار نكبات الثورة السورية وانكفاء المخطط لبناء منطقة عازلة وتهاوي جيوب المقاتلين في حلب وانكسار حلم قضم شمال سورية ووقوع أسرى أتراك بيد السوريين وملاحقة كل شيء تركي في الشرق .. كلها تتسبب بهستيريا لاتوصف في مكاتب رئاسة الوزراء التركية .. وزاد من الهستيريا انطلاق عمليات حزب العمال الكردستاني وولادة تنظيمات مقاتلة لم تخطر على بال .. وحسب مصدر تركي "شديد الاطلاع" فان المقربين من أردوغان ضاقوا ذرعا من نزقه وصاروا يغمزون من انفلات أعصابه في الاجتماعات وسماع الأخبار السيئة .. وحسب مانقل لي البعض فلم أجد لانفعالاته في اجتماعاته الخاصة بالأزمة السورية الا ذلك المظهر الشهير للفيلم الشهير (السقوط) للمخرج اوليفر هيرشبيغل الذي صور الساعات الأخيرة للفوهرر الزعيم النازي هتلر في حصنه الأخير..(تابعوا المشهد الذي يعرفه معظمنا)

http://www.youtube.com/watch?v=t7PmzdINGZk

وحسب (العيون والعسس) في أوساط المعارضة فان حمد نفسه صار قاب قوسين أو أدنى من نفس الحالة العصبية ولكن على الطريقة البدوية البلهاء .. لأن القادم بالنسبة اليه مجهول جدا .. فهو لايعرف ان كانت خيانته وعمالته الفاقعة التي كلفت العالم العربي كل هذا الدم والحقد وانفلات الفوضى لصالح أميريكا واسرائيل ان كانت ستمر الى النسيان من قبل كثيرين في المنطقة رأوا فيه ذراعا لاسرائيل وهو الذي حول أمارة قطر الى نسخة من مستوطنة نهاريا بكل ماتخزنه من رمزية وعدوانية والتي كانت دوما وجهة الرصاص المقاوم ومهبطا لصواريخ المقاومة الغاضبة.. ويرى كثيرون أن حمد لعب دورا قذرا كمحرض طائفي وراعيا للحروب الأهلية والقبلية العربية والفوضى التي أفقرت مزيدا من الشعوب العربية وأدخلتها سراديب الكوارث .. يعني ببساطة ان عدم سقوط سورية قد يثمر أن الربيع العربي الذي أوجد أصدقاء لقطر شجع أعداء قطر على الخروج من مكامنهم .. وماأكثرهم..

ولايدري حمد شخصيا كيف يمكن أن يكونه رد المحور الناهض قريبا حول دمشق والذي يفرد جناحيه العملاقين من بكين حتى طهران وموسكو والبحر المتوسط والذي تبدو قطر فيه كفأر صغير بين مخالبه سيؤكل ان عاجلا أو آجلا ..

ويتمدد قلق آخر في قطر لأن حمد يخشى الآن صراحة أن تكون حضانته للاسلام السياسي العنيف سببا في خشية الروس من بقائه كشخص أخرق لايفكر بخطوط الرجعة موال للأمريكيين ليمول عمليات الاسلاميين والحركات الوهابية مع السعوديين مستقبلا في جنوب روسيا بعد تعثر مشروعه في سورية وبدء احتضاره .. وربما ينتهي احدى النهايات الغامضة الصامتة التي تصنعها وتفضلها أجهزة الاستخبارات الكبرى ..

ومايدل على ذلك هو السؤال الذي يردده الأمير دون مواربة في بعض اجتماعاته مع ضيوفه وزائريه وهو: ان كان النظام السوري لن يسقط فكيف سنجبر الرئيس السوري وحلفاءه الآن تحت الضغط الاعلامي والمسلح المتواصل على التوصل الى تفاهم "جنتلمين" .. يقضي بأن نهاية الصراع يجب أن تعني توقف الطرفين والمحورين عن التعرض للآخر .. وأن نرسم خطا تحت الربيع السوري والخلافات .. وينصرف كل لشأنه وفق خطوط الجغرافيا السياسية الجديدة والتحالفات التي سيرسيها الروس والامريكان ..

وتقول العيون ان من يختلف معه هو حمد بن جاسم كما يقال لأن بن جاسم يعتقد أنه اذا كان يجب الاعتراف باستحالة اتمام مشروع التغيير في سورية فلا بد من منع الأسد وحلفائه من الانبعاث كطائر الفينيق باضعافه وقص بعض الأجنحة القوية للدولة السورية وأهم مقتل لقوة الرئيس والدولة الوطنية هو الدفع مع الشركاء الى التوصل الى صيغة طائف "طائفي" ينهي المرحلة الوطنية الموحدة ويكرس تصدعا ينشغل فيه الساسة السوريون عقدا أو عقدين وينتهي الى حالة شبيهة بلبنان وعائلات حاكمة لطوائف.. التي ستنتهي الى ولادة طبيعية وليست قيصرية لعدة "سوريات" توائم..وغني عن القول ان حمد بن جاسم ينقل اقتراحا اسرائيليا صرفا.. لا يقبل به الشعب السوري..

وقالت لنا عيون أخرى ان التحركات الاخوانية المصرية تجاه سورية هي رسائل الادارة الأمريكية التي صارت تعرف أن القناة التركية والسعودية والقطرية للتواصل مع حلف ايران - سورية - روسية قد احترقت نهائيا ولابد من ايجاد بدائل .. فتم بعث العلاقة بين مصر وايران وترك للرئيس مرسي هامش سياسي يتحرك فيه والذي بدوره احس بالارتياح بالنأي بنفسه عن الراديكالية في الموقف تجاه سورية لأنه بالمنطق سيجر مصر الى معركة لاطائل منها .. ويقال ان الأمريكيين لم يمانعوا أن يتريث الرئيس مرسي في اعلان موقف من الثورة السورية لأن ذلك الموقف مهما كان مؤازرا وداعما فانه لن يزيد كثيرا في فاعلية الثورة وهي التي ترضع من أثداء العالم كله ولم تكبر بل تضمحل وتتلاشى .. واذا كان محايدا ربما سيقدم مصر على أنها الجسر البديل عن الجسر السعودي والتركي الموصل نحو ايران وسورية فجسور مابعد الربيع ليست مثل الجسور التي قبله التي تكسرت وتحطمت..وبداية "التكويع" عبر عنها عضو البرلمان البريطاني عن حزب المحافظين وفيق مصطفى في تصريحاته الأخيرة في مقابلته على شاشة قناة العالم .. الى جانب مجموعة من جنرالات الناتو بألوانهم والذين دون لف أو دوران لايحبذون التدخل العسكري في سورية..ولايرونه سهلا لاعتبارات عسكرية كثيرة وداخلية واقتصادية..

المهم أن العيون التي في طرفها "وطن" تقول ان محور سورية وحلفائها أظهروا قدرة كبيرة على احتواء الربيع العربي في شقه السوري وتمكن من ابتلاع الموجات الهائلة من التحريض والموجات المتلاحقة من المسلحين وأن مايسمى الجيش السوري الحر تعرض لعلاج أسنان عنيف بعد قلع أسنان المسلحين تدريجيا .. وأن المعارك مع الجيش السوري النظامي أظهرت أن من الغباء أن يعتقد شخص أن جيشا نظاميا مدربا على خوض عقيدة الالتحام القريب ويحظى بحضانة شعبية واسعة يمكن ان يهزم في حرب العصابات والشوارع..

وتتابع هذه العيون قائلة ان المشهد الأخير الدرامي هو الذي بقي في جعبة المعارضة ومحور الشر وهو مشهد استعراضي على مسرح السياسة لكنه لن يغير الحقائق على الأرض ..وأن مسرحية الحكومات الانتقالية والعيش في أوهام مابعد الأسد مسلية جدا لمحبي مسلسلات السوب اوبرا والمسلسلات التركية الطويلة .. لأن المعارضة السورية لم تعد قطعة منها مع الأخرى وهناك جزء من المعارضة السورية صار جاهزا للقفز من المراكب الغارقة لمحور استانبول وهو يتهيأ للصعود الى المركب السوري الناجي من الطوفان .. كما أن تركيا قد تجد نفسها مقبلة على انسحاب تكتيكي قريب لعوامل داخلية وبعضها خارجي .. انسحاب على شاكلة انسحابات الجيش السوري الحر لكنه آخر التكتيكات التركية اذا لم تقدم الولايات المتحدة على خطوة انقاذ كما توحي مراسلات أوغلو كلينتون التي تتبادل اللوم والتحذير من التأخير .. وأن هناك طرفا دوليا (؟) ينتظر حدثا مفصليا عبر مفاوضات من خلال وسيط ثالث ليعلن انسحابا استراتيجيا .. ونهائيا ..كاد يعلنه مرتين في السابق .. لكنه كان ينتظر ويتريث في آخر لحظة ..وتقول العيون انه لم يطيق التريث وصارت لعبة الانتظار والوقت قاتلة له ولأعصابه..

هذه كما قلت ليست من الوحي الذي يوحى به للثوار عن طريق الملائكة .. بل من لغة العيون المتابعة بدقة وهي العيون التي تقرأ كل التقارير والترجمات والتحليلات والسياقات التاريخية والجغرافية والتسريبات الخاصة وتعمل على أن تقرأ السياسة مثل قراءة الكيمياء والرياضيات .. معادلات وتوازنات وليست مجرد تنقلات الشطرنج .. وهي العيون التي منذ بداية الأزمة تبعث لنا بما تراه كما لو كانت أقمارا صناعية تطير فوق القصور وطائرات تنصت من غير طيار فوق قاعات الاجتماعات .. ولم تر شيئا حتى اللحظة لم يكن دقيقا .. ولم تتنبأ بشيء واحد لم يكن صحيحا منذ أول مقالة كتبت في التعليق على الأحداث السورية بعنوان (الرقص مع الذئاب في سورية) وحتى اليوم ..

صحيح أن لغة العيون يفهمها أطباء العيون .. فقط

ولكن عندما تصاب عيون الوطن بالرمد .. فكلنا أطباء عيون ..

لذلك ان وطنا فيه 23 مليون طبيب عيون .. كيف بحق السماء يعميه "رمد الربيع" العربي ان أصاب بعض العيون فيه؟

أن وطنا فيه 23 مليون طبيب عيون يدرك الحقيقة السياسية التالية:

ان العيون التي في طرفها حمد ..هي العيون التي في طرفها رمد

ألا تتفقون معي ان وطنا فيه 23 مليون طبيب عيون هو وطن يرى بوضوح وصفاء؟؟.. عشرة على عشرة طبعا







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز