الطيب آيت حمودة
aithamoudatayeb@maktoob.com
Blog Contributor since:
17 July 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
عدالة الصحابة بين التعميم والتخصيص [ج2]

 ***الصحابة في القرآن : القدح والذم .

إن كان القرآن في العديد من آياته أفرد ثناء ومدحا للمؤمنين الصادقين كما أشرنا لذلك في مقالنا الأول ، فهو كذلك أشار إلى المنافقين من الذين تستروا داخل المؤمنين في آيات أخرى عديدة سنأتي على بعضها .
يجب الفصل بين الوصف والموصوف ، وإن كان المؤمنون الأوائل كلهم صحابة [ لغة] بحكم أنهم شاهدوه وجالسوه وتفاعلوا معه إن كثيرا أو قليلا ، فإن بعضهم صحابة فقط ، وليسوا صحابة بالمفهوم الإصطلاحي للصحابي ، أي أنهم ليسوا عدولا بسبب انزلاقات وأخطاء و زلات وفسق مارسوه في حياتهم العملية ، فسقطت العدالة وبقيت الصحبة دون العدالة التي جردوا منها .
إن وصفهم جميعا بالعدل ، فنده القرآن في آيا ت عديدة نذكر بعضها :

**: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) [1].

لا نستطيع أن نحكم على أفراد الصحابة بالخيرية والعدالة ، وإنّما ننظر إلى سلوكهم ومواقفهم العملية ، فمن كان سلوكه وموقفه مطابقاً لقواعد الإسلام الثابتة فهو من الاَخيار والعدول ، ومن لم يكن كذلك ، فلا نحكم عليه بالخيرية والعدالة ، وإنّما نصفه بالوصف الذي يستحقّه دون الحاجة إلى تبرير سلوكه وموقفه ،تارة بالتأويل، وأُخرى بالاجتهاد .
النفاق قسمان : قسم واضح وظاهر للعيان ، وقسم خفي لا يعلمه إلاّ الله ، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً ، وكان رسول الله يتعامل مع المسلمين حسب ظواهرهم ،ولا يتابعهم أو يعلن عن أسماء المنافقين الذين يعرفهم ، فعن أبي الدرداء أنَّ رجلاً يقال له حرملة .. قال : يا رسول الله : إنّه كان لي أصحاب من المنافقين ، وكنت رأساً فيهم ، أفلا آتيك بهم ، قال : ) من أتانا استغفرنا له ، ومن أصرَّ فالله أولى به ، ولا تخرقنَّ على أحد ستراً ( [2].

** ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ... لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [3].

فقد ارتكب جماعة من الصحابة ذنباً عُدّ من كبائر الذنوب ، فاتهام المسلمة وقذفها من الكبائر ، فكيف والمتّهمة زوجة رسول الله ، قال ابن كثير : ( جماعة منكم يعني ماهو واحد ولا اثنان ، بل جماعة .. فكان المقدّم في هذه اللعنة (عبدالله بن أبَي بن سلول رأس المنافقين) ، فإنّه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به ، وجوزه آخرون منهم ، وبقي الأمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل القرآن ) [4]. فتلك الجماعة من الصحابة التي نافقت أعد الله لها عذابا عظيما .

** : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ... ) [5].

نزلت هذه الاية فيمن أسلم وإسلامه متذبذب غير مستقر ، وهؤلاء وإن أسلموا ورافقوا رسول الله بعض الوقت ، إلاّ أنّ الإيمان لم يدخل قلوبهم ، وهو ما عبّر عنهم القرآن في سورة الحجرات 14،15 : ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) .

** ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ ) [6].

نزلت في الإمام عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة ، قال الوليد بن عقبة بن بي معيط للإمام عليّ بن أبي طالب : ( أنا أحدّ منك سناناً ، وأبسط منك لساناً )، فرد عليه الإمام علي قائلا : « اسكت ...، فإنّما أنت فاسق » ، فنزلت الآية ، قال عبدالله بن عباس : ( يعني بالمؤمن عليّاً ، وبالفاسق الوليد بن عقبة ) [7].
وقد اتّفق كثير من المفسرين في أنّ المراد بالفاسق هو الوليد بن عقبة [8].
ونزلت آية اُخرى في الوليد بن عقبة ، وسمّته فاسقاً ، وهي قوله تعالى في : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )[9].

**( وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا )[10]

ويقول أيضا : ( لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ )[11]، وظاهر المعنى يشير بأن ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) ( هم ضعفاء الإيمان من المؤمنين ، وهم غير المنافقين ) . حسب ما ورد في الميزان في تفسير القرآن 16 : 286 ، فالذي في قلبه مرض يميل إلى الذنوب والمعاصي حسب درجة قوة وضعف إيمانه وعاقبته إمّا الاستقامة وإمّا الانحراف.

** ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ... وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ) [12].

فصحبة نساء النبي للرسول هي أطول من غيرهم ، غير أن صحبتهن لا تمنح لهن العصمة ، فقد توعدهن الله بالعذاب ضعفين عند الخطأ ، فالزلل والخطأ يكون أكثر قبحاً إن صدر ممّن صاحب رسول الله ؛ لأنّ الحجّة عليه تكون أشدّ ، وقد ورد في القرآن في سورة التحريم مثلا: ( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) فالصحبة الطويلة والكثيرة لرسول الله فضل وشرف ، لكنّها غير عاصمة من الزلل ، فلو كانت عاصمة لعصمت أمرأة نوح وامرأة لوط ، فكان مصيرهما النّار ، ولم تنفعهما صحبتهما للنبي. فالميزان هو الاستقامة والاعتدال ، والاستعداد لهما ، ومجاهدة النفس للوصول إلى مراتب الكمال والعدالة.

**(. وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا ) [13]

بعض الصحابة آذوا رسول الله ، فقد روى الطبرسي : ( انّ رجلين[ صحابيين] قالا : أينكحُ محمد نساءنا ولا ننكحُ نساءَه ، والله لئن مات لنكحنا نساؤه ، وكان أحدهما يريد عائشة ، والآخر يريد أُم سلمة )[ انظر مجمع البيان 4 : 366] ، ، وهذا يدل على أنَّ الصحابي معرّض للانحراف والانزلاق مثله مثل غيره من بني البشر ،وهو يستقيم أحياناً وينحرف أخرى وباب التوبة مفتوح للتائبين.

** ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) [14].

هذه الآية تشير إلى أن العمل الصالح تعطله الذنوب وتبطله وتختزل ه ، وهو ما تؤكده الاية الثانية من صورة الحجرات :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) [15]

**.: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين ) .[16]
نزلت في موقعة أحد ، وأنبأت بحدوث الإنقلاب ضد الرسول ، وهي تقصد الصحابة مباشرة الذين يعيشون معه صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ،وترمي إلى الانقلاب مباشرة بعد وفاته ، والأحاديث النبوية ستوضح ذلك بما لا يدع مجالا للشك .

**وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ... وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [17].
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ) قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزأوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة.

**وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) [18].
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم على أحب الأعمال إليه فقال: ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ) فبين لهم ، فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، فأنزل الله في ذلك (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ).

المستخلص الثاني :

عوامل الانحراف والفسق لم تغب عن واقع الحياة لدى المؤمنين الصحابة ، وهي أهواء نفسية ومغريات خارجية ، لعب الشيطان دورا في ربط بعضها بالبعض الآخر. فحالهم إذن كحال التابعين وتابعي التابعين وكل المسلمين ، ففيهم العادل والفاسق، والصالح والطالح، منهم من يُستدرّ به الغمام، ومنهم من دون ذلك.

الإحالات والهوامش******************************************************************
(1) [سورة التوبة 101].
(2) [تفسير القرآن العظيم 2 : 399.]
(3) [سورة النور 11].
(4) [تفسير القرآن العظيم 3 : 279.]
(5) [سورة الحج 11.]
(6) [السجدة : 18]
(7)[أسباب نزول القرآن ، للواحدي 363.]
(8)[ الكشّاف 3 : 514. وأسباب النزول ، للسيوطي : 293. والدر المنثور 3 : 514.]
(9) [الحجرات : 6]
(10) [الأحزاب : 12]
(11) [الأحزاب : 60]
(12)[ سورة الأحزاب 30 ـ 31.]
(13) [الأحزاب : 53]
(14) [محمد : 33]
(15) [الحجرات : 2]
(16) [آل عمران : 144]
(17) [الحجرات : 11]
(18) [الصف : 3،2]
                           







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز