الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
لننظر الى الحياة بتفائل !

يتخذ المتشائمون من الحياة مواقف سلبية. يعتقدون ان الحياة ليست ذات قيمة، طالما ان  الانسان يموت ويتلاشى، يستحيل الى تراب. ولهذا لا يقدمون على الحياة بروح النشاط والحيوية انما بنظرة نافرة تتسم بالمقت والباطل والشر بدل البشر والخير والحق.  فالسلبية، هي نزعة المتشائم في حياته اليومية. 

 

فالجمال في نظر المتشائم مثلا ما هو سوى خدعة يختلقها البعض لانفسهم وقد اشاحوا عن الحقيقة المرة التي تهيمن على هذا الوجود. ولعل الهيبيز وغيرهم من الشباب الضال الذين نحوا هذا المنحي، ضاربين عرض الحائط كل ما يمكن ان يضيف الى اجسادهم وسلوكهم من النظافة وحسن المعاشرة والذوق السليم،

 

واما نظرتهم الى الخير في العلاقات الاجتماعية ورأيهم في طبيعة البشر فإنه لا يخرج عن نطاق الشر، ولهذا يرى المتشائمين من الناس وكأنهم ذئاب تتربص بالحملان.  فهم لا يحترمون شيئا دون القوة، في مختلف وجوهها : كالقوة الاقتصادية والقوة العضلية والقوة الحربية و القوة الارادية. 

ولعل صاحب الحيلة منهم يستحيل الى شخص متسم بالمكر والدهاء والمراوغة ليزيح اخاه الانسان من موقعه، الذي لا يقيم له وزنا لخير يعتمل في جنباته بل ينبعث من سلوكه شرّ مغروس في نفسه حتى وان البس الشر اثوابا تظهره وكأنه طيب السريرة.

 

اما نظرته الى الحق، فليس ثمة حق في هذا العالم،  بل هناك الباطل فقط. بل قل انه الحق اذا اردته حقا والباطل اذا اردته باطلا.  فسلوك المتشائمين في الحياة، يتصف في الاقبال على الملذات بنهم، بغية الاستمتاع وكأن الحياة شئ يستحق الامتهان والنهب، وكأنهم يعتقدون ( طالما ان الحياة باطلة فلنستمتع بها قبل ان نمرض ونموت ).  فأقبالهم على الحياة لا يشبه اقبال الرجل السوي، الذي يحترم الحياة، يتغذى ببركاتها ويرتشف من لذاتها لكن في شكر وتقدير، فضلا عن عرفان بالجميل.

 

يتصف سلوك المتشائم باللامبالاة، انه يتخذ لنفسه الموقف الانسحابي الهامشي.  فهو غير متناغم مع الحياة ولا يعرف منها شيئا.  انه ينظر الى نفسه والى ما حوله بغير اكتراث.  وكأنه ليس من اهل الدنيا.  انه لايقيم وزنا للأمكانيات المعنوية والاجتماعية والانسانية التي يقدمها اليه مجتمعه، كما وانه عاجز عن اصدار الاحكام الموضوعية على الاشياء والمواقف التي تحيط به، لأنه يقف ازاءها حائرا، ولعل حيرته نفسها لا تجد لها سبيلا الى نفسه ولا تقرع ابواب عقله، لأن الحيرة ذاتها تعبير عن جهد نفسي عاطفي قلما يرضي الانسان المتشائم. 

 

واذا كان هذا حالهم بخصوص الحياة، فإن حالهم تجاه الموت لا يختلف كثيرا.

وقد يصادفك متشائمون وقد انغمسوا حتى اذانهم في ممارسة طقوس الدين، لا بدافع الايمان، انما نتيجة الخشية من الأخرة،  وما قد يلاقون في جهنم من عذاب سعير، ولهذا ارتسمت علامات الخوف على وجوههم وهيمنت الاوهام على افكارهم، وزاد خوفهم من الاصابة بمرض، لأنه قد يقربهم من المصير المحتوم . 

 

بينما نجد المتفائلين اذا ما اصبحوا متدينين، فإن ذلك يحدث بدافع الايمان الحقيقي،لا يخشون ( الحياة بعد الموت ) حيث ان المؤمن سيحظى حسب اعتقاده في الجنة الموعودة،  باطايب الطعام والشراب فضلا عن انهار من العسل واخرى من الخمر وحورياتها التي ترد الروح، لا عد لها على كثرتها. فهم مقتنعون انهم اذا كانوا لم يجدوا الوقت الكافي لأشباع شهواتهم في الدنيا، فأنهم سيجدونها بعد الموت حتما.  

 

 يتميز موقف المتفائل عن المتشائم بروح التعاون المتمثل بالأخذ والعطاء، ناهيك ان حياة الاول تتصف بالدراية والتنظيم، انه لا يأكل ويشرب ما يضرصحته حتى وان رغب في ذلك ولا يتحاشى الدواء المرْ لأنه يشفي مرضه، انه متحكم بعقله، بصير بواقعه، مهتم بشؤونه بدون مبالغة وتشنج.  يشارك المجتمع في فعالياته الايجابية البناءة، يعمل ويثابر، لا يتركه وينزوي ينتظر الموت. 

 

فالمتفائل لا يفكر يوما ان ينتحر لكي يتخلص من شرور الحياة بل بالعكس يتمتع بها بعمق وفي مجالاتها المتباينة، وكذلك يسعى الى موقع يمكّنه ان يخدم نفسه ومجتمعه

والمتفائل الهرم لا يبكي على شباب ولّى،  بل يبتهج بشيخوخته ويجعل حياته تزخر بمتع جمالية تتمثل في رؤية ابناءه واحفاده وقد نالوا اهدافهم،  من ثقافة راشدة ومقام محمود.

 الانسان تغمره السعادة  في المراحل المتقدمة من عمره، خاصة لو كان ايام شبابه قد انجز عملا مفيدا، ان كان علما او ادبا او فنا او فلسفة، كأن ابدع في رسم لوحة زيتية، او الف مقطوعة موسيقية او كتب شعرا او نثرا او قصة ينير بها الجيل الناشئ ، كلما تأملها شعر بالفرح يملأ قلبه، ومن ثم فإنه يحس بأنه خالد بأعماله حتى لو فارق الدنيا بجسده   

( من كتاب التفائل والتشائم بقلم يوسف اسعد، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، بدون تاريخ )    







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز