د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
نعم، بشار الأسد يدفع لنا

لا نعرف حكمته سبحانه وتعالى في أنه جعل مليار إنسان على وجه الأرض يبيتون كل ليلة وبطونهم خاوية، بينما مكّن لحفنة من أشباه البشر في الأرض نفسها بمليارات لا تعد ولا تحصى يصرفونها، فوق هذا وذاك، لقتل عباده وللفساد والإفساد. وسبحانه في حكمته إذ يجعل ملايين الناس بلا حماية لا من ملائكة ولا من بشر، فيتعرضون للذبح والإغتصاب بدفع من أصحاب المليارات، بينما هذه الحفنة نفسها لا تكتفي بحماية الدبابات والمدرعات والنوافذ المضادة للرصاص، بل وتحميها شياطين السماء وأقمارها الاصطناعية.

 لكننا نعرف أن صاحب الحكمة هذه لم يفضّل حياة إنسان على حياة إنسان آخر، وحرم قتل النفس الإنسانية التي لم ترتكب ذنباً ولا جريمة. نعرف أنه تتساوى عنده في القيمة والأهمية والقدسية حياة كل طفل احترق في ملجأ العامرية مع حياة صدام حسين وشوارتزكوف وأمير الكويت وغيرهم، مثلما تتساوى عنده في القيمة والأهمية والقدسية حياة كل طفل وإنسان بريء في سوريا مع حياة برهان غليون وشيخ قطر المتخلف عقلياً، وغيرهم.

مع الأسف لم نستطع منع تكرار مأساة العامرية ألف مرة في ليبيا وسوريا، وقبلهما في العراق كل يوم. ولكن لا اعتراض على حكمته، إنما نقول ذلك فقط تعبيراً عما يجول في خواطرنا وتعتمل في نفوسنا من مشاعر الأسى لأن كل طفل ذهب هنا وهناك كان، كما يقول شاعرنا، "ربما أودع الله فيه فيلسوفاً، أو شاعراً، أو نبيا"، لكنه ذهب بطريقة بشعة، دون ذنب ارتكبه، ليبقى غليون والمتخلف عقلياً وتيس السعودية وما مكنهم منه في الأرض ليعيثوا فيها فساداً. نتأمل، ماذا لو لم يولد تيس السعودية في هذه الأسرة الفاسدة الغدارة المحرومة من الضمير والإحساس؟ ماذا كان متاحاً له من الأعمال وهو الجاهل الذي لا يقرأ ولا يكتب؟ هل كان يمكنه أن يعمل، بدلاً من خادم للحرمين، إلا جوالاً يحمل على ظهره عِدلاً يبيع منه الملح ليكسب بعض القروش؟ سبحان الله. وماذا عن الشيخ المتخلف عقلياً صاحب الوجه الشعث؟ هل كان يمكنه أن يعمل غير صباغ لأحذية الجنود الأمريكيين في قطر؟ هو يفعل ذلك مع أنه يريد أن يلعب دور فرعون بين العرب.

 ونحن معشر الكتاب، والحمد لله، لا نبيت ببطون خاوية حتى نتطلع إلى يد أحد لترمي لنا فتات موائده، وله الحمد ألف ألف مرة لأننا لا نتعرض لهذا الامتحان الكبير في أن نكون مسؤولين عن خزائن الأرض فنسيء التصرف بها، وأن نصبح قتلة بالمال أو من أجل المال، ونصبح من أهل النار. نحن كغيرنا من البشر نعمل لنكسب لقمة عيشنا وعيش أهلنا، ونكتب أيضاً، بلا أدنى شك، مقابل أجر نتقاضاه، فالكتابة، سواء كانت كتاباً أو بحثاً أو مقالاً، تأخذ منا وقتاً وجهداً، بل وقد تُعرّضنا كتابة المقالات في مجال السياسة للتهديدات بالقتل والويل والثبور، لذلك نستحق مقابلها أجراً أو مكافأة أيضاً.

 نعم نحن نقبض أجوراً ومكافآت حين نكتب، ونحن نعرف أين توجد الأجور والأعطيات الدسمة، ولا نختلف أبداً في أن من يريد أن تمتلأ جيوبه أو حساباته المصرفية بالدولارات واليورووات والجنيهات الأسترلينية مقابل ما يكتب بلا ضمير فإن بوصلته ستؤشر صوب الخليج .. هناك حيث المال الحرام والإرتزاق السهل والرخيص في الرياض والدوحة .. هناك حيث من يدفعون للمنافقين بلا حدود لأن المال لا يأتي من جهد بذلوه أو عمل أدّوه، بل من النفط الذي أودعه الله في باطن أرض كانوا عليها مثل بقية الدواب .. وإذا بهم في غفلة من الزمن يصبحون عليها أصحاب بلاط ومليارات. ويمكنهم أن يشتروا الكثيرين، كتّاباً ومصدري فتاوى، وأساتذة جامعات، وإعلاميين. هناك من يستحقون بجدارة لقب "كتاب البلاط" السعودي والقطري.

 وكتّاب مثل صاحب هذه السطور يطمعون أيضاً في أن يدفع لهم أحد ويكافئهم على وقوفهم مع حق الشعوب في الحياة الحرة المستقلة الكريمة، وهم يجدونه والحمد لله، وما يدفعه لنا صاحبنا بسخاء وطيبة نفس لا طاقة لشيخ متخلف عقلياً، ولا لملك لا يصلح ليكون إلا بياع ملح أغبر، أن يدفعا مثله مهما بلغت ملياراتهما لأنهما لا يملكان شيئاً منه. من يدفع لنا لا يدفع بما يملأ به جيوبنا، بل لديه ما يملأ به نفوسنا. نحن، ومليون مليون مليون إلى ما لا نهاية من ملايين الحمد لله، لا حاجة بنا إلى المال الحرام. نحن بحاجة إلى الشعور بأن هذه الأمة ما تزال تملك شيئاً من الكرامة، وأن هذه الأمة ما تزال فيها بقايا رجولة، وأن هذه الأمة يمكن أن تنبعث من جديد بعد ما نهشت ضباع الأرض في جسدها، وتركته ممزقاً، نازفاً، فاقداً للوعي. نطمع في أن يدفع لنا صاحبنا بأن يملأ نفوسنا بفيض متدفق من هذا الشعور. وهو يفعل.

 حين أفيق في الصباح بعد ليلة من كوابيس المذابح في سوريا، وأهرع إلى مواقع الأخبار، وأرى أن سوريا ما تزال صامدة، شامخة رغم هذا التآمر الكوني فعلاً، أشكر الله، ثم أشكر بشار الأسد، وشعب سوريا، وجيشها لأنهم يسددون لي استحقاقاتي غير منقوصة بأعمالهم وبطولاتهم العظيمة، بسيل هائل من الشعور الرائع بأن هذه الأمة لن تسحق وأن الهجمة الصهيونية المعروفة بالربيع العربي المشؤوم قد تكسرت أمواجها على شواطئ سوريا، وأن هذه الهجمة سترد على أعقابها حتى تصل الشيخ المتخلف عقلياً في عقر داره، وتصل إلى بياع الملح السعودي الأغبر حتى تطيح بعقاله الذي لا يصلح إلا عقالاً لبعير.

 شكراً مرة أخرى وأخرى لبشار الأسد وشعب سوريا وجيشه لأنهم لا يتأخرون في دفع أجورنا، ولا يبخسونها، بل يدفعونها بسخاء ونفس طيبة وبوفاء لا مثيل له، ومن دمائهم. ونحن نتعهد لهم أن أقلامنا لن تهدأ ولن تسكت ولن تخيّبهم. نحن معهم في صمودهم وصبرهم وحقهم في السيادة على وطنهم وفي بناء حياة كريمة لكل سوري. لن نتخلى عنهم حتى لو توجهت إلى صدورنا كل خناجر الغدر ومن ورائها كل مليارات السحت. وحبذا لو يكون هناك آخرون مثل بشار يدفعون لنا بنفس العملة الصعبة، بل والنادرة في هذا الزمن، بالقدرة على ملء النفوس بالفخر والشعور بأن كرامة الشعوب لن تداس بنعال من لا يصلح إلا كصباغ أحذية، وبأن حرية الشعوب لن يقيدها عقال في رأس بياع ملح بائس، أغبر. 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز