حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
غجرية انظمة ماقبل المدنية تؤدى الى الاعتقالات السياسية

استنكر عدد من النشطاء وأعضاء الحركات الثورية قرار الرئيس مرسي بالإفراج عن 17 من الجهاديين وأعضاء الجماعة الإسلامية، وتباطؤه في الإفراج عن المعتقلين عسكرياً من الثوار، مؤكدين أن الأولوية يجب أن تكون للثوار الذين منحوه كرسي الرئاسة، معتبرين إياه رئيساً للمتأسلمين، وليس للمصريين....وشددوا على أن الرئيس مرسي لم يتمكن حتى الآن من خلع عباءة الإخوان، وتظاهر من البداية بولائه للثورة، لكنه لم يصدر قراراً حتى الآن بالإفراج العام عنهم، نزولاً على رغبات مجلس العار العسكري، مؤكدين أنه يخشى خطورة شباب الثورة عليه بسبب سوء مستواه الإداري للدولة....ولذلك أعلنت عدة حركات رفضها لقرار الإفراج عن الإسلاميين واستمرار اعتقال شباب الثورة، ومنها «جبهة أنا مصري المستقلة» و«حركة امسك فلول» وحركة «28 يناير» واللجان الشعبية للدفاع عن الثورة، والمركز القومي للجان الشعبية، وحركة المصري الحروضباط 8 ابريل وغيرهم ....

المشكلة ليست في الإفراج عن شخص بعينه، ولكن مرسي أثبت أنه مازال مرتبطًا فكرياً بالإسلاميين ومتحابًا معهم، على حساب شباب الثورة الذين يخشاهم ويخشى خطورتهم عليه، بعد أن تابع ما فعلوه مع مبارك،.... الأولوية يجب أن تكون لشباب الثورة الذين لولاهم ما جاء مرسي لكرسي الحكم، وما ظهر حزب الحرية والعدالة... الجميع على قناعة بأن المجلس العسكري والإخوان والرئيس مرسي اجتمعوا على رفض إخراج شباب الثورة من المعتقلات خوفاً منهم، حيث كان من المفترض أن يتم الافراج عنهم في احتفالات يوليو، لكن الرئيس تظاهر بإفراجه عن معتقلين سياسياً...

الرئيس مرسي تواطأ في الإفراج عن معتقلي الثورة لصالح أبناء أيديولوجيته، حيث كان بإمكان الرئيس الإفراج عن المعتقلين، لكنه امتثل لما خوله له مجلس العار العسكري من سلطات...لماذا لم يتم القبض على أي من الإسلاميين؟!! لكن شباب الثورة لم تمر حادثة سوى ويعتقل المئات منهم ...الرئيس لو أراد فعلاً الإفراج عن المعتقلين، لأفرج عن الثوار الذين تم تشويههم واتهامهم من قبل المجلس العسكرى الذى خرب الثورة وألصق ابشع التهم والصفات بالثوار !!!..مرسي لم يحقق ما وعد به، ولم يفرج عن المعتقلين السياسيين حتى الآن، لكنه أفرج عن أصدقاءه وأبناء تياره، لذا فهو ليس رئيساً لكل المصريين، لكنه رئيساً للتيارات الدينية....

ما إن يتم الحديث عن الثورة او ماقدمه مرسى حتى يبرز ملف المعتقلين السياسيين إلى الواجهة من جديد ولعلّ هذا الملف هو الأكثر سخونة وحساسية لدى المواطن المصرى العادى ولدى النشطاء والثوار فالكل يكتوي بناره ويتعذب بشكل يومي بسببه دون أي بوادر للحل في الأفق ....

 فمثلا الرائد أحمد شومان يحاكم عسكريا ويعيش فى سجن انفرادى وكأنه أسير عند الصهاينة ... كل جريمةالرائد أحمد شومان أنه قال لـمبارك ارحل ككل الشعب المصرى كما انه وقف فى ميدان التحرير وقال لـطنطاوى أنت جزء من النظام .... لقد تعرض أحمد شومان لحالة نفسية بالغة الصعوبة بسبب الحبس الانفرادى كما يعانى أولاده من حالات نفسية شديدة بسبب غياب الاب ونحن على عتبات عيد الفطر المبارك !!..أحمد شومان غامر بحياته قبل تنحي مبارك، ونزل إلى الميدان ليقول كلمة حق في وجه سلطان جائر، وكان معرضًا أن يدفع حياته ثمنًا لموقفه هذا، ونزل مرة أخرى إلى الميدان بعد أحداث محمد محمود، بعد ما سمع نبأ موت 40 شخص، ليقف بجوار الثوار في المطالبة باستكمال أهداف الثورة التي شارك في نجاحها !!..أين دور مرسى من قضية ضباط الجيش الذين ساندوا هذه الثورة؟

وأين دور الإعلاميين والصحافيين؟ ولماذا هذا الصمت المُطبق على قضية ضباط الجيش الذين ساندوا هذه الثورة؟!.. أم ان الجميع يضع العصي في دوالايبها!!...وبدلاً من أن نرى الإفراج عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأى ، استمرمرسى فى الطناش واللامبالاة ولم يتم الإفراج عن ضباط الجيش الذين ساندوا هذه الثورة !!.. لماذا لا يتم الإفراج عن كافة المعتقلين الموجودين في السجون العسكرية وغيرها؟!.. مما لاشك فيه ان الدولة في المجتمع البرجوازي كباقي المجتمعات الطبقية ليست سوى أداة الطبقة الحاكمة لفرض وإدامة سيطرتها على الطبقات المحكومة التي تحاول فصلها عن المجتمع وتوهيم الناس بأنها جهاز فوق الطبقات....

ولكي تستطيع الطبقة الحاكمة مواصلة استغلالها للطبقات المحكومة وجدت الحاجة إلى تكوين مؤسسات متنوعة للدولة مثل الجيش والشرطة والمحاكم والسجون وغيرها والتي شكلت اداة ممارسة العنف و القمع على الطبقات المحكومة بشتى ألوانه سواء منه القمع الخالص أي المادي أو القمع الفكري الإيديولوجي الممارس عن طريق المؤسسات التعليمية و التثقيفية و الإعلامية ... والاعتقال السياسي هو أكثر أشكال هدا القمع المزدوج...فحين تصبح مصالح البرجوازية مهددة تلجأ هده الأخيرة إلى استعمال العنف بشتى ألوانه وتقوم باعتقال مجموع الأفراد الدين تعتبرهم خارجين عن القانون و شاذين اجتماعيا وهي تحتاج إلى تبرير اعتقالاتها إلى سن قانون يمثل مصالحها وتعتبر هذا القانون ساريا على المجتمع بأسره !!!..

وبما أن هذه الاعتقالات تتم بواسطة أجهزة الدولة والدولة أداة سياسية في خدمة الممارسة السياسية للصراع الطبقي كصراع سياسي وبهذا تأخذ هذه الاعتقالات طابعها السياسي والتي تريد من خلالها الطبقة السائدة ضمان استمرار السيادة السياسية التي تضمن لها السيادة الاقتصادية، من هنا يتضح أن الاعتقال السياسي مرتبط بجهاز الدولة وبما أن الدولة أداة طبقية في خدمة الطبقة التي تمتلكها ، وهذا ما يجعل الاعتقال السياسي قضية طبقية فالاعتقال ممارسة ثابتة في المجتمعات الطبقية !! بين الحين والآخر نسمع عن بيانات تصدر من منظمات محلية ودولية تندد بالاعتقال السياسي وتطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ....

ووسط لامبالاة شعبية بهذه البيانات من جهة، وتضارب المواقف تجاهها من النخبة المثقفة من جهة ثانية، وإنكار تام لها من قبل السلطة من جهة ثالثة، يعلق في الذهن مصطلح الاعتقال السياسي لكثرة تكراره وتداوله، دون أن يكون له مفهوم واضح لدى شريحة كبيرة من الناس.... حتى حدث خلط كبير وصار البعض ينصرف ذهنه إلى السياسة عند ورود كلمة "اعتقال" وكأنَّ كلَّ اعتقال هو اعتقال سياسي... فما هو الاعتقال السياسي؟ وهل في القانون أحكام تنظم حالات الاعتقال السياسي؟ وما هي الضوابط التي تميز بين الاعتقال السياسي والاعتقال غير السياسي (الجنائي)؟!...أولاً: السجين السياسي: هو من حبس أو سجن بسبب معارضته للنظام البائد في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم...ثانياً: المعتقل السياسي: هو كل من اعتقل لنفس الأسباب المذكورة في تعريف السجين السياسي !!..

والفرق بين السجين السياسي والمعتقل السياسي ، هو أن السجين يكون قد صدر بحقه قرار قضائي بالحبس أو السجن، أما المعتقل فهو من تحجز حريته دون قرار قضائي.... أي أن المعتقل السياسي هو : ((كل شخص تم توقيفه أو حجز حريته بدون قرار قضائي بسبب معارضته للنظام البائد، في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم ))....يجب ان تعرف ان معتقل الرأي هو من يعتقل بسبب تعبيره عن رأيه في أي موضوع كان.... سواء كان موضوع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ديني أو غيرها من مجالات الفكر الأخرى ...... وبذلك نرى أن المعتقل السياسي هو جزء من معتقلي الرأي لأنه يتعرض للتوقيف والحجز بسبب انتمائه وآرائه السياسية التي يعبر عنها، وعليه فليس ثمة فرق حقيقي بين الاثنين إلا لجهة تخصيص من يعتقل بسبب آرائه السياسية باسم مستقل عن بقية معتقلي الرأي، فالمعتقل السياسي هو في النهاية معتقل رأي.... وبالتالي فإن الفرق بين المعتقل السياسي وبين المجرم السياسي فرق كبير ..... فالمعتقل السياسي يتعرض للتوقيف وحجز الحرية لمجرد أنه يؤمن بعقيدة حزبية أو سياسية معينة أو لمجرد أنه عبر عن آرائه السياسية التي يؤمن بها.... أما المجرم السياسي فإنه لا يكتفي بالانطواء على عقيدة سياسية معينة أو التعبير عنها، بل أنه يسمح لهذه العقيدة أن تدفعه إلى ارتكاب جرم مقصود معاقب عليه بالقانون مبتغياً نشر عقيدته السياسية أو تطبيقها أو حمايتها أو خدمتها....

فهنا لم نعد أمام صاحب رأي يعتقل بسبب رأيه، وإنما نحن أمام شخص دفعته عقيدته السياسية إلى ارتكاب جريمة معاقب عليها، وشتان ما بين الحالتين !!...فإذا كان الدستور يحمي أصحاب الرأي ويصون حقهم في التعبير، فإن هذه الحماية مشروطة بعدم مخالفة النصوص القانونية النافذة.... وبالتالي فإن صاحب الرأي الذي يقوم بارتكاب جريمة يكون قد تنازل عن الحماية الدستورية المكفولة له ويعرض نفسه للعقوبة كأي مواطن آخر...أن اعتقال أى مناضل سياسي أو مفكر اجتماعي يدخل في إطار محاربة النضال والفكر ...فالاعتقال يقف وراءه إرادة سياسية من الحكومة تهدف إلى توقيف نشاط المعتقل ومعاقبته من اجل أفكاره !!...لانه مجرم خطرمن وجهة نظر الحكومات يجب الزج به في ظلمة السجن تحت أي ذريعة أو مخالفة قد يرتكبها !!.. وما قصة المخرج والممثل والمؤلف الكردي ، يلماز غوني او جوناى( Yılmaz Güney) صاحب الصيت الذائع في كردستان و تركيا !!.. والحاصل على 17 جائزة سينمائية أهمها السعفة الذهبية من مهرجان كان للأفلام السينمائية عن فيلمه الأشهر( الطريق )عام 1982الذي يتحدث عن الحياة الصعبة في كردستان الشمالية والمنطقة الحدودية التركية ....

وقد أخرج نصف هذا الفيلم وهو في السجن....حيث سجن غوني عدة مرات بسبب مواقفه السياسية وكتب وأخرج عدد من أفلامه وهو في السجن، حيث كان يوجه زملائه أثناء زيارته في السجن عن كيفية إدارة الكاميرا والمشاهد التصويرية.... يلماز غوني هرب من السجن وتوجه إلى فرنسا حيث توفي هناك عام 1984 وشارك في مراسم تشييعه أبرز الشخصيات السياسية في فرنسا.... كان يكتب أفلامه باللغة التركية كذلك كل تمثيله كان باللغة التركية لأن النظام السياسي في تركيا كان يمنع إنتاج أفلام باللغة الكردية!!!. مما لاشك فيه ان يلماز غوني جعل من عدسة السينما سلاحاً !!.. لذلك يقول غوني : وقتها ختمت الرجعية على بطاقتي بالشمع الأحمر كلمة ( متمرد ) و تعرضت للملاحقة طوال حياتي .... و في عام ( 1957) نشر قصته التي ادخلته السجن و هي ( ثلاثة عوامل خفية للامساوىء الإجتماعية ) فصودرت كل اعداد الجريدة و أعتقل يلماز غوني بتهمة نشر الأفكار الشيوعية و أصدر بحقه حكم بالسجن ( سبعة اعوام و نصف ) لآن القانون التركي كان يعتبر الدعاية للشيوعية و الصراع الطبقي جريمة لا تغتفر !!..في عام ( 1963 ) عاد يلماز غونى الى استانبول و قد تركت واقعة سجنه بسبب الدعاية الشيوعية عدة مشاكل له من قبل الرجعية التركية و في هذه الأثناء أقترح عليه صديقه ( فريد جيهان ) بأن يوقع مقالاته و رواياته تحت اسم مستعار و اقترح أسم غوني عليه (معنى غوني باللغة الكردية : المسكين ..اما معنى جوناى : الجنوبى )...كان يلماز غوني المخرج الأول الذي إستطاع ان يقول الحقيقة عن المافيا التركية بكل جرأة واصفا اياها بأنها من رذائل المجتمع الرأسمالي ....

وقد أحدث فيلمه " القبيح " 1968 ضجة كبيرة هزت المحيط الرجعي هزة عنيفة فأخذت هذه الأوساط الرجعية تشهر بغوني في صحافتها المبتذلة التي هي وليدة النظام الرأسمالي , فجدارة الفيلم يكمن في فكرة لامبالاة المجتمع البرجوازي بمصائر الناس البسطاء وتواطؤ الصحافة والضحالة الخلقية للطبقات العليا .. الفيلم يوضح ان الدولة أداة سياسية في خدمة الممارسة السياسية للصراع الطبقي كصراع سياسي وبهذا تأخذ هذه الاعتقالات طابعها السياسي والتي تريد من خلالها الطبقة السائدة ضمان استمرار السيادة السياسية التي تضمن لها السيادة الاقتصادية، من هنا يتضح أن الاعتقال السياسي مرتبط بجهاز الدولة وبما أن الدولة أداة طبقية في خدمة الطبقة التي تمتلكها ، وهذا ما يجعل الاعتقال السياسي قضية طبقية فالاعتقال ممارسة ثابتة في المجتمعات الطبقية !!.. اما فيلمه " الطريق " http://youtu.be/t1VIGt7pluE فهو أسطورة شعرية سينمائية متقنة يعكس الواقع التراجيدي لتركيا في عيون ثلاثة سجناء , يحصلون على إذن للسفر لزيارة عائلاتهم مدة أسبوع , إلا أنهم يفاجئون بعدم التفاهم مع أقربائهم إلى حد العداوة ... وأفلام أخرى تكشف عن رذائل وعيوب المجتمع البرجوازي التركي وتدعو الشعب إلى النضال ضد الاستبداد والظلم ... لذلك صرح قائلاً قبل وفاته : " لم يكن هدفي من الحياة مزاولة الفن , بل محاولة تحرير شعبي من خلال هذا الفن " ....فقد ناضل ككاتب وسينمائي ضد التيار , وضد القوى الرجعية , مع أنه كان بوسعه أن يعيش حياة عادية , مخرجاً أفلاماً وواضعاً مؤلفات أدبية لا قيمة فنية لها , لكنه لم يفعل , لأن الهدف الذي كان ينوي تحقيقه في حياته هو خدمة شعبه ....ليس لدينا أن نقول سوى أن الفنان العالمي والمخرج البارع يلماز غوني في مزجه مابين الأسلوبين الروائي والتسجيلي قد ترك لنا بصمة واضحة في تاريخ السينما التركية خصوصاً والعالمية عموماً ليعطي للفيلم المطروح بعداً جمالياً ورونقاً فكرياً وبعداً نفسيا ً يضاهي به الأعمال المكتملة فنياً في كل الأزمنة والأمكنة ...

مما لاشك فيه ان يلماز غوني جعل من عدسة السينما سلاحاً فى مواجهة استبداد حكومة بلاده مما جعلها تهدف إلى توقيف نشاطه وتعتقله وتعاقبه من اجل أفكاره !!...لانه مجرم خطرمن وجهة نظر حكومة بلاده يجب الزج به في ظلمة السجن تحت أي ذريعة أو مخالفة قد يرتكبها !!!.. مما لاشك فيه ان أخطر أنواع الاغتيال السياسي، هي تلك الحملات التي تنظمها الأنظمة الشمولية وتنفذها من خلال أجهزة استخباراتها العديدة.... وهذا النوع من الاعتقالات السياسية موجه ضد أفراد من الشعب، أو فئات منه، أي ضد المعارضة السياسية، أو ضد تنظيمات سياسية تنافسها على السلطة ولا تتفق معها في الرأي، وضد قادتها ونشاطائها !!.. الاعتقال السياسي، واعتقال الخصوم السياسيين والمعارضين في أي بلد كان، لا يحلّ مشكلة ولا يحقق لمن قاموا به تصفية المعارضة السياسية.....

بل إن مثل هذا العمل سوف يخلق المزيد من المشاكل للجهة القائمة والمدبرة له، وتدفع بالبلاد إلى حال من التوتر والفوضى، قد تصعب على الذين دبروه أن يضبطوا الأمور !!..تعتبر مسألة إسكات الصوت الآخر من الأهداف الرئيسة للاعتقال السياسي، الغاية منها إقصاء الرأي المختلف عن الحياة السياسية، تمهيداً لاجتثاث أية معارضة في المجتمع، وجعل أحادية الفكر والرأي والقول سائدة فيه، كي لا تنمو أية حالة من التعددية والتنوع فيه... والنتيجة هي حرمان المجتمع من ألوانه المتعددة، ومن أية رؤية أخرى لمشاكل حاضره وآفاق مستقبله...حيث تتولى الأجهزة الأمنية في النظم الشمولية، وخصوصاً الاستخباراتية، مهمة ملاحقة الخصوم السياسيين وتصفيتهم أو إسكاتهم، وتعمل على منع كافة أشكال المعارضة والنقد للأوضاع الراهنة بصورة منهجية وعلنية، بينما تقوم المؤسسات الأمنية في الأنظمة الديموقراطية بحماية الحريات، حريات مختلف الجماعات والأفراد، وصون النشاطات الديمقراطية من العوائق والمعطلات....يعبر الاعتقال السياسي عن نهج الانتهاك والعنف، حيث يترك الأمر لممارسات مجموعة من أجهزة الاستخبارات وجلادي السجون.... وهي ممارسات تؤكد السيطرة الجسدية للسلطة، ذلك لأن الاعتقال في أساسه تقييد لحرية حركة الجسد في حيّز المعتقل....

ولن تنفع قيم حقوق الإنسان والكرامة وكل القيم الإنسانية في منع السجّانين من ممارساتهم، ومن سطوة هاجس السيطرة على الآخر.... فالسجان العربي يمارس سلطة مطلقة على السجين بوصفه جسداً قابلاً للإنتهاك، وبالتالي فهو يملك حق السيطرة واضطهاد الآخرين، وينشأ عن ذلك حقه في التعذيب والتمثيل بأجساد الآخرين...وينتهك الاعتقال السياسي حرمة الجسد البشري التي أكدتها مختلف الشرائع البشرية، وقدستها الفلسفة حين اعتبرت احترام الجسد معياراً لوحدة البشر حول القيم الإنسانية المشتركة، لكن ما يحصل للمعتقل في فترة اعتقاله وسجنه يضرب تلك الحرمة، من جهة إسهامه في تفاقم دعوات الانقسام البشري... ويشير استمرار عدم الافراج عن المعتقلين السياسيين فى قضية ضباط الجيش الذين ساندوا هذه الثورة وغيرها من القضايا إلى انحطاط السياسة، وسقوط العقل، بوصفه الجزء المسبب لخراب ودمار الأوضاع في بلداننا العربية.... وهو نهج لا يضرب شخصاً بعينه فقط، بل بلداناً وشعوباً، وطموحات وآمال وأحلام في هذا الزمن العربي الذي تسيدته نظم الشمولية والهيمنة، وأنتج صنوفاً من الاستبداد والقمع غير مسبوقة، وتنازعت فيه مختلف النعرات والتحزبات والانتماءات الضيقة والماقبل مدنية.... إنه الزمن المشغول بانتاج الفساد والخراب والهزائم والانكسارات، ويتمسك فيه الحيّ بتلابيب الميت....

لقد بات السجن في البلدان العربية مكاناً يحتجز فيه أصحاب الرأي المعارض والفكر المختلف إلى جانب المجرمين من قتلة ولصوص ومرتكبي الأعمال الشائنة وسواهم، وصار تعبير "سجناء الرأي" مفهوماً عربياً بامتياز، إذ تحول إلى مفهوم مركب، غير صلب أو غير مقيد بلغة أصحاب ما بعد الحداثة، يمتد ليشمل معتقلي الضمير ومعتقلي الفكر ومعتقلي الرأي ومعتقلي الكلمة، ويمكن أن نضع في مركباته كل من يسجن بسبب "جريمة رأي!"، أي بسبب اختلافه بالرأي مع ما تقوله النخب الحاكمة، أو كل من يسجن بسبب عدم اتفاقه، بل وعدم تطابقه، مع ما يريده الحاكم العربي الذي تحول إلى شخصية ميتافيزيقية، متعالية، قولها فوق قول الجميع...وغجرية انظمة ماقبل المدنية تؤدى الى الاعتقالات السياسية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز