د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
الدولة العربية الإسلامية العقلانية القادمة

من يعش في أوروبا الغربية، خاصة في بلد اسكندنافي، لثلاثة عقود، ويتفاعل مع المجتمع فيه مثل كاتب هذه السطور، كان الله في عونه، إذ لا يمكنه بعد ذلك أن يكافح من أجل نموذج للدولة لا يطابق واقع هذه التي يعيش فيها. الدنمارك جنة الله على الأرض، فيها مجتمع إنساني تغلغل الفكر والسلوك الديمقراطي في كل جزئية من جزئيات حياة البشر فيه، مجتمع يتكفل الفرد من لحظة تكونه في رحم أمه إلى ساعة نزوله في القبر، فيما يتعلق بالرعاية الصحية وبالدراسة وبالسكن، و، و، وبصرف النظر عن دينه، وجنسه، ولونه، ولغته الأم. لنعرف عمق التقاليد الديمقراطية هنا ربما يساعدنا أن نعرف أن هذا المجتمع يعيش فيه حوالي خمسة ملايين إنسان، لكنه يضم في أنظمته ومؤسساته ربما أكثر من مليون نقابة وجمعية ومجلس ولجنة تراقب كلها عمل الدولة ومؤسساتها بكل تفاصيلها. وقد يكون الفرد الواحد عضواً في عشر جمعيات أو خمسة مجالس في مجال عمله أو مكان سكنه أو مدرسة أطفاله.

 لا يتخذ قرار في أية مؤسسة، عسكرية، أو مدنية، سكنية، أو دراسية، ولا يصرف فيها قرش واحد دون أن يكون كل المعنيين بالأمر مطلعين على القرار وعلى أوجه الصرف. ومن فوق هناك رقابة الدولة التي لا ترحم الفاسدين. باختصار ليس هناك وزارة، مدنية أو عسكرية، أو دائرة أو جامعة أو مدرسة تتصرف على هوى شخص واحد وبمعزل عن الرقابة الشعبية والإدارية والقضائية – بل وحتى ميزانية العائلة المالكة مفتوحة وتتعرض للرقابة.

 أما الإعلام فمنبر للجميع، وكل شيء مفتوح للنقاش. يقال عن هذا المجتمع إنه مجتمع عالي التنظيم، لا يحدث فيه شيء بالصدفة واعتباطاً. ولا يستثنى فيه من سريان القانون أحد، فإبن الملكة (ولي العهد)، مثلاً، ارتكب قبل أكثر من عشرين سنة مخالفة مرورية وتشترشح في حينها في كل وسائل الإعلام، وما يزال الناس يسخرون من ذلك حتى الآن، ورئيس حزب المحافظين، وكان مرشحاً لرئاسة الوزارة، أطاحت به مخالفة مرورية أيضاً، وقضت على مستقبله السياسي. وحكومة المحافظين سقطت في عام 1989 بسبب كذبة من وزير العدل فيها كانت قد أدت إلى تأخير منح الفيزا للاجئين من التاميل، وقتل أولئك اللاجئون أثناء الانتظار. ثم إنه مجتمع فيه مكان للجميع، فهو قادر على أن يستوعب كل فئات البشر وأنماطهم، من كل الأديان والقوميات والألوان، فحتى الإسلاميون المتشددون، والنازيون، والمثليون، والمعاقون، وغيرهم لهم مكان وحقوق قانونية لا يمكن أن تراود أحداً فكرة التجاوز عليها. هذا المجتمع له كتاب مقدس واحد إسمه "الدستور".

 بالتأكيد لا يعني هذا أن العدالة في البلد مطلقة، والسعادة مطلقة، والرضى مطلق. لا أبداً، إنما لو أردنا أن نقيس الدول والمجتمعات على مقياس مئة درجة فيما يتعلق بالعدالة والسعادة والرضا فإن الدنمارك تحصل، بالتأكيد، على 95، تأتي بعدها فرنسا أو ألمانيا أو انجلترا بـ 70 أو 60، وقيسوا على ذلك السعودية، مثلاً – نحتاج إلى توسيع المقياس لينزل بضع مئات من الدرجات تحت الصفر.

 كاتب هذه السطور في رأسه حلم بأن تقوم في البلدان العربية ذات يوم من أيام التاريخ دولة تشابه الدنمارك. أنا أعرف أن هذا حلم بعيد المنال، بل ربما هو أضغاث أحلام، ولكن "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل". المؤلم أن آخرين عاشوا في هذا البلد لسنوات طويلة، ووقعوا في فخ "أضغاث الأحلام" هذه، حين قررت الدنمارك المشاركة في غزو العراق عام 2003، فظنوا أن الدنماركيين ذاهبون إلى العراق لتطبيق نموذج دولتهم هناك! الأغبياء موجودون في كل مكان وزمان. على الإنسان أن يحمد الله إذا جنّبه شرور الغباء، فنموذج الدنمارك في الشرق الأوسط أضغاث أحلام ليس فقط لأن تاريخ وظروف الشرق الأوسط تجعل نشوء مثل هذا النموذج صعباً، بل أيضاً لأن دولاً عديدة، منها الدنمارك نفسها، لن تسمح بقيام هكذا دولة في بلد مسلم – لماذا؟ لأن مثل هكذا دولة، فيها هكذا مجتمع، يجب أن تكون قوية أيضاً ومستقلة، ولشعبها إرادة وتأثير على مصيره ومقدراته – والعرب، بل والمسلمون عامة، ممنوع عليهم إمتلاك مقومات القوة.

 دولة مثل الدنمارك تضم مثل هذا المجتمع الإنساني الراقي، لها وجه آخر حين تنظر إلى الخارج، وجه ليس بنفس الجمال الذي تزهو به في الداخل، بل ولها قلب آخر يكون في أحايين كثيرة خالياً من الإنسانية، لهذا تجد أن هذه الدولة التي تحمي حياة وحقوق كل من، وما يعيش في إطارها القانوني، حتى الكلاب والقطط والفئران، تشارك بنشاط في غزو البلدان الأخرى وقتل شعوبها ونهب خيراتها، أسوة بشقيقاتها في حلف شمالي الأطلسي – غزو العراق ما يزال مثالاً شاخصاً في الذاكرة، وفضائح الفضائع التي شارك فيها الجنود الدنماركيون في العراق ترشح ببطئ إلى الإعلام، وستصل إلى القضاء، ولو بعد فوات الأوان.

 لمَ هم هكذا، يتميزون بهذه الازدواجية؟ قمة الرقي والإنسانية في مجتمعاتهم، ومنتهى الهمجية خارج حدودهم؟ يجب علينا أن ندرك حقيقة مُرّة، ننساها المرة تلو الأخرى، ألا وهي أن أوروبا قد ذاقت الأمرين من غزوات المسلمين، العرب أولاً، بحيث أنهم احتلوا إسبانيا لثمانية قرون، وكادوا يحتلون فرنسا أيضاً، ومن ثم من غزوات المسلمين الأتراك الذين وصلوا إلى أسوار فينّا. ومنذ ذلك الوقت نشأت في وعي الأوروبيين معادلة لن تتوازن أبداً، طرفاها أوروبا والإسلام، فأحد الطرفين سيكون مقهوراً والطرف الآخر قاهراً من كل بد، وطالما أصبحوا هم، الأوروبيون، قاهرين بشكل حاسم منذ أكثر من قرن، فإنهم لن يسمحوا بتغيير المعادلة أو قلبها، على الرغم من كل زعيقهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وغير ذلك. لن يسمحوا لدول مسلمة بامتلاك ناصية القوة.

 مع هذا فإنه لغريب حقاً أنهم قاموا قبل قرن من الآن، في اتفاقيات سايكس بيكو، بإنشاء دول للملسمين، العرب خاصة. كاتب هذه السطور يميل دائماً إلى إنصاف الآخرين، وفي هذا المجال فأنا أستغرب لماذا ننظر نحن إلى اتفاقيات سايكس بيكو نظرة سلبية مطلقة؟ ماذا كان عليهم أن يفعلوا، بعد الخيانة العربية الكبرى أثناء الحرب العالمية الأولى، حتى نرضى عنهم؟ هل كان عليهم أن يقيموا دولة عربية كبرى بزعامة أباعر الحجاز؟ ماذا كانت مقومات مثل تلك الدولة؟ في الحقيقة إنهم خدمونا من غير قصد في إتفاقيات سايكس بيكو، وارتكبوا، بمقاييس علاقتهم بالمسلمين، خطأً كبيراً في سياستهم تجاهنا – ذلك أنهم في سايكس بيكو (1916) قرروا أن يقيموا لنا دولاً. طبعاً، حسبوا أنهم يقيمون دولاً ستسير في أفلاكهم بلا مشاكل، وقد فعلوا ذلك لأنهم لم يأخذوا في الحسبان أن روسيا القيصرية كانت ستتحول بعد وقت قصير من ذلك إلى دولة شيوعية معادية للغرب، وتتحول من ثم إلى ما عرف بالاتحاد السوفيتي، مما كان ليفتح الباب أمام إنقلاب تلك الدول العربية على صانعيها. ولو أنهم كانوا قد تنبأوا ببروز روسيا البلشفية لما أقدموا على فعل ما فعلوه في سايكس بيكو. كيف؟

 الميل إلى الإنصاف يدفعنا إلى الاعتراف بأن بريطانيا وفرنسا أنشأتا لنا دولاً حقيقية، لها فعلاً مقومات دول تقوم فيها مجتمعات سعيدة. لنأخذ العراق كمثال. لقد أقام لنا البريطانيون دولة مؤسسات، فيها السلطات الثلاث، ووضعوا لبنات البنية التحتية التي تطورت بسرعة هائلة ونقلتنا من العصور الوسطى إلى القرن العشرين. إن النظام الدراسي، مثلاً، الذي أنشأه لنا البريطانيون كان مفخرة وكان يوازي النظام الموجود في بلدهم، بحيث أن الشهادة الدراسية العراقية على كل المستويات كان معترفاً بها في بريطانيا وفي كل العالم إلى عام 1959، حين بدأت السياسة تلعب دوراً سلبياً في نظامنا الدراسي، وبدأ الكارثة الزعيم المرحوم عبدالكريم قاسم، بقراره المسمى قرار الزحف، بحيث أن جيلاً من العراقيين تساوى فيهم الراسب والناجح على كل المستويات الدراسية. نعم، أنشأ البريطانيون لنا دولة حقيقة قابلة للحياة وقادرة على التطور، فيها أمن وأمان ونظام قضائي وكل ما تحتاجه الدولة الحقيقية. وكانوا، كما أسلفنا، يحسبون أن تلك الدولة لن تشكل خطراً عليهم، بل ستكون تحت سيطرتهم عبر الاتفاقيات العسكرية والأحلاف وغير ذلك، إضافة إلى أن الطبقة الحاكمة فيها ستكون قد درست في بريطانيا، وتشبعت بالفكر والثقافة البريطانيتين. وبدأوا بالفعل بغسل أدمغتنا بحيث كنا، نحن العراقيون، وما نزال، نعتبر كل شيء إنجيليزي، ما عدا السياسة، قمة في الجودة. كانوا مقتنعين بفكرة الكومونويلث تحت التاج البريطاني.

 لقد أخطأت حسابات سايكس بيكو بسبب التغير الكوني في السياسة العالمية بظهور روسيا البلشفية، وأصبحت الدول العربية التي أنشأتها تفاهمات سايكس بيكو تشكل خطراً على الغرب الأوروبي الاستعماري، تضربها في الخاصرة الرخوة، بتأميم النفط والتوجه في التسلح نحو العدو الشيوعي، بل وتجرأت على التسلح الثقيل وباشرت في بناء مفاعلات وإنتاج أسلحة كيمياوية وغيرها. إن دولاً مثل العراق وسوريا كان من الممكن في ظل الظروف السائدة في زمن الإتحاد السوفيتي أن تشكل نواة دولة عربية مستقلة عن الإرادة الاستعمارية لو وجد فيها فكر سياسي رصين وسياسيون حصيفون. لقد ضيّع العرب فرصة امتدت لسبعين سنة من عمر الاتحاد السوفيتي. لم يستفيدوا من خطأ سايكس بيكو.

 إن المؤامرات التي دبرتها الدول الاستعمارية ضد بلدان الشرق الأوسط منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تلافي خطأ سايكس بيكو، خطأ إقامة دول للعرب. ولا نأتي بجديد إذا قلنا إنه بسقوط الاتحاد السوفيتي فإن الدول الاستعمارية، وقد أصبحت الولايات المتحدة في مقدمتها، وجدت نفسها في حل من اتفايات سايكس بيكو، وقررت تصحيح الخطأ التاريخي، والتصحيح يقوم على مبدأ: "لا دولة مركزية للعرب .. لا دولة للمسلمين". وهذا يعني أن المنطقة التي يسكنها المسلمون يجب أن تتقطع أوصالها وتتحول إلى كانتونات قبلية، وطائفية، وعرقية، تسود فيها الفوضى، وتكون في حالة حرب مستعرة فيما بينها – كانتونات بدون بنية تحتية وبلا أفق للتطور، واكتساب القوة. إنهم يبررون ذلك في ثقافتهم السياسية بأبشع المبادئ والنظريات العنصرية من قبيل: "البقاء للأصلح"، ونظرية مالتوز في حتمية الحروب وانتشار الأوبئة والأمراض للتخفيف من زيادة السكان على سطح الأرض. والملفت للنظر هو أنه أثناء الحرب الهمجية على العراق عام 2003 صرح وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد أن العالم يحتاج إلى التخلص من 15 بالمئة من سكانه، وقد تكون تلك إشارة إلى المسلمين الذين يشكلون تقريباً هذه النسبة من سكان الأرض.

 ونحن نرى أن ما يسميه الأمريكيون بـ "القرن الأمريكي" بدأ بتفتيت الدول المركزية في الشرق الأوسط، بادئ ذي بدء في العراق، وخطط التفتيت متواصلة، وما الحرب الناتوية الخليجية على سوريا إلا إحدى تجليات محاولة تصحيح سايكس بيكو. لا دولة للعرب قادرة على تسخير الموارد الاقتصادية والبشرية من أجل البناء والإستقلال عن الغرب.

 إن ما يلاحظ بقوة في محاولات الدول الاستعمارية تصحيح سايكس بيكو هو استخدام الوسيلة الستراتيجية الفعالة "فرّق تسد"، وخاصة في اللعب على المسألة الطائفية بين المسلمين. وهي تحقق في هذا المجال نجاحات هامة بفضل أموال النفط الخليجية التي أصبحت في الواقع تعامل كودائع أمريكية وإسرائيلية لدى دول الخليج. لكن هذه النجاحات أبعد من أن تكون حاسمة، رغم أن هذه الدول قد استدرجت حركات وأحزاب تنشط في صفوف الأغلبية السنية من المسلمين إلى التحالف معها على أمل الإعتراف لها بإمارات إسلامية هنا وهناك. يبدو جلياً أن الدول الاستعمارية لا تستطيع لعب دور الإله الذي يقرر كل شيء على الأرض، وقوانين التطور التاريخي تعاكسها، ويبدو أيضاً أن العرب سيحصلون على فرصة تاريخية أخرى لتكوين دول مستقلة، دول لن ترقى في تركيبتها، طبعاً، إلى مستوى دولة الدنمارك، لكنها ستكون مستقلة على طريقتها، وأن مسألة الخلافات الطائفية بين المسلمين قد تكون، يا للمفارقة، في طريقها إلى الاضمحلال، ليس نتيجة دعوة تيس السعودية إلى إنشاء مركز للحوار الإسلامي، بل لأسباب أخرى.

  دعونا ننظر في الأسباب التالية:

أولاً) تماماً كما حصل قبل قرن برزت روسيا على الساحة العالمية كندّ قوي للحلف الاستعماري الأوروبي، مستندة إلى حليف قوي لم يكن موجوداً على الساحة الدولية قبل قرن، الصين. وروسيا، على عكس الدول الاستعمارية الغربية، لا تفكر من قريب أو بعيد بإزالة الدول في العالم وإحلال الكانتونات الفوضوية محلها. وهذا يعني أن خطة تصحيح خطأ سايكس بيكو لن تمر بيسر، خاصة إذا وُجدت قوى عربية ما تزال راغبة في الاستقلال.

ثانياً) هناك ظاهرة تاريخية برزت في الشرق الأوسط بمعزل عن سايكس بيكو، ولم تحظَ بعد بالإهتمام المناسب. هذه الظاهرة إسمها "حزب الله" في جنوب لبنان والذي يملك القدرة التامة على إقامة دولة حقيقية، ذات إرادة مستقلة، وسيادة، وقادرة على التعامل مع العالم الخارجي معاملة الند بالند، وتمتلك، فوق كل ذلك، ناصية قوة عصرية عسكرية، وتكنولوجية، ومعلوماتية تضاهي تلك التي لدى أقوى دول السايكس بيكو، إسرائيل. ومع أن حزب الله لم يشكل دولة، بل يقيم مجتمع مقاومة، لكنه يمكن أن يعتبر نواة لدولة عربية إسلامية واسعة تتميز بما لم تستطع الدول العربية التي قامت وفق سايكس بيكو أن تتميز بها. وهذه الظاهرة حققت في التعامل مع إسرائيل ما لم تستطع تحقيقه تلك الدول مجتمعة.

ثالثاً) إن صعود الإخوان المسلمين في بعض الأجزاء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقوي ظاهرة، بل واقع، حزب الله إلى حد بعيد، ذلك أن أحزاب الإخوان، على عكس حزب الله، لا تحمل أصلاً مشاريع سياسية واجتماعية إصلاحية في الأماكن التي صعدت فيها، ووصولها إلى السلطة يهدد مستقبل هذه المناطق، ويعدها بالمزيد من الفقر، والتخلف، والمعاناة، والتمزق. يضاف إلى ذلك أن هذه الأحزاب، على عكس حزب الله مرة أخرى، لا تتميز بالإستقلالية ولا تملك نفس المقومات التكنولوجية والمعلوماتية، بل ترتبط ارتباطات مشبوهة بالدول الاستعمارية المعادية للمسلمين. وهي بالتالي غير قادرة على بناء دول لأنها ممنوعة من ذلك، بل هي مشاركة في خطط التفتيت لتصحيح خطأ سايكس بيكو، وأملها الوحيد هو التمكن من إقامة إمارات إسلامية بموافقة ومباركة الولايات المتحدة الأمريكية.

 إن الإخوان المسلمين ستواجههم خلال فترة قصيرة من الآن حركات شعبية جبارة، تطالب بالخبز والوظائف والخدمات والكرامة، وهذه الحالة ستغيب عنها، مع شديد الأسف، الحركات العلمانية القادرة على منازلة الإخوان والاستفادة من الحراك الشعبي لإسقاطهم. لذلك يبقى حزب الله ونجاحه التحدي الأكبر الوحيد أمام هؤلاء، وكذلك أمام البلدان الإستعمارية، لأن الشعوب العربية لن تنفك تقارن بينهما، بين حزب الله والإخوان المسلمين. العرب بحاجة إلى نموذج ناجح على كل الأصعدة، وحزب الله هو من يقدم هذا النموذج. إن الكثيرين من العرب لم ينتبهوا بعد إلى المعنى الستراتيجي لوجود حزب الله كنقيض للرغبات والخطط الجديدة لأحفاد سايكس بيكو. لكن هذه القيمة الستراتيجية ستتوضح وتصبح ملموسة في الحرب المقبلة بين حزب الله وإسرائيل والتي ستقرر مصير منطقة الشرق الأوسط إلى حد بعيد. ولهذا بالذات ينال حزب الله القسط الأوفر من غضب ومؤامرات البلدان الاستعمارية بل وبلدان الخليج السائرة في ركابها. إن مجرد صمود حزب الله في الحرب القادمة ستكون له تداعيات تاريخية هامة، إذ سيعجل من انفضاض الجماهير الفقيرة من حول الإخوان – هذه الجماهير التي تبحث عن الأمل وعمن يوفر لها الخبز والكرامة. والأهم من ذلك سيؤدي نجاح حزب الله إلى تضاؤل أو حتى إضمحلال قيمة الاختلاف الطائفي في وعي الطبقات الفقيرة، والفئات المتعلمة من المسلمين التي لا تخفي إعجابها بنموذج حزب الله.

 لن تقوم مع الأسف دولة مثل الدنمارك في الشرق الأوسط، تقيم مجتمعاً بسعادة المجتمع الدنماركي وتنوعه، ولكن قيام دولة عربية إسلامية عقلانية، ومستقلة فعلاً وقولاً، وتؤمن بمبادئ العدالة، وتحمي مواطنيها، سيكون بديلاً معقولاً ومقبولاً عن الكانتونات الطائفية والعرقية والقبلية المتقاتلة فيما بينها والتي يريد أحفاد سايكس بيكو فرضها على هذه المنطقة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز