موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
عواء الذئب في ليلة القدر

أعرف مسبقا أن وقوع هذا النص بين يديك مجلبة لبعض من حزن وكثير من غيظ وقليل من عزاء ولكن مهلا,  لم أكتب هذه الكلمات طلبا للخصومة ولا رغبة في تفجير منازعة قديمة أو تسوية  جديدة عقيمة, فقد صنع الحدّاد بيننا ما صنع وخلّف أثلا ما عميقة وجروح دامية بليغة تفيض برجع الآهات الثخينة والعبرات السخيّة وتكفي وتزيد لأيام كثيرة قادمة وسنين طويلة مقبلة, وإنما كتبت فيما كتبت لأني أشعر هذه المرة, لا كما في كل مرة, أن قصتنا بتفاصيلها المنمنمة الدقيقة قد شارفت حقا على خواتيمها الأكيدة ونهاياتها المحتومة.

  كل أعاصير النيران المتقدة ِ حبا وفرحا  في نفوسنا ونمير غرامنا وعذب أنخابنا, خبت وأقوت ولم يبقى منها  سوى شظايا كأس مهشم يضم في حطام مجده الكسير حفنة ًمن سراب  وبقية ًمن رماد. همدت قلوبنا وبردت مشاعرنا وانطفأت شعلة العشق في أحداقنا وتيبست شفاهنا وتخشّبت لغتنا وتقطّعت أوصالنا وخمدت مجامر الشوق في لقاءاتنا وعناقاتنا ولم يعد للمساتنا  وقع ولا لقبلاتنا طعم بعدما ضاعت بداهة الأشياء  وحلّ التصنع والافتعال فيما بيننا  وجرت في النهر مياه كثيرة.  

نعم يا عزيزتي, لقد سقطنا سقوطا مريعا في متاهات التفاصيل الصغيرة والخيانات الصغيرة والعناوين الصغيرة  ولم يعد للوم جدوى ولا للتثريب معنى ولا للتكرار مؤدى ولا لتبادل التهم والمسؤوليات  فحوى ولا  لاعتذارياتنا الهزيلة وتبريراتنا السخيفة أدنى دور يرتجى في دفع أو تأخير ما يُخاف ويُخشى.

 كنت آلم كما تألمين وآمل ما تأملين, حُسْنَ الختام, سَعادة َالمُنقلب ِ وسلامة َالعاقبة إذا ما جاء الفرج ورحل الغسق   وتنفّس الصبح وتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر, لكنني لم أؤثر الأمن على الحنان والسلامة على المغامرة والسكينة على الأخطار لأنه كما يقول أنسي الحاج, حب بلا خطر هو ماض بلا ذكريات.

الآن أصبحت متشائما وموقنا أكثر من ذي قبل أننا لن نخرج من هذا النفق المظلم أبدا.

فكلما قلتُ: اقتربت ِالساعة وأينع الثمر وطابت الجنان, عَرَضَ عارضٌ من أمر  الدنيا  أزال أقدامنا وباعد بيننا حتى غدونا في صروف الدهر وتقلب الأعوام محبوسين في زنزانة  تتآكلها الرطوبة الخانقة والعتمة الطاغية خلف قضبان صدئة حيث لا ماء ولا خضراء ولا ساعة أنس رغيدة, ممنوعين من بساتين الفرح, موصولين بأهداب أمل واه ضعيف, أمل هو  كمثل شيخ طاعن ضرير كلما ازدادت خطاه في البعد إيغالا, ازداد تثاقلا وإبطاءً ووهنا.

الآن هنا وفي مذبح الفراق الجليل والصفح الجميل ولأجل أيامنا الماضية السعيدة وتهويماتنا الصاخبة المجنونة التي قضيناها معا في هذيان خدر لذيذ بين تباريح وجد شفاه متطابقة وأمواج متلاطمة وأقراط ناعسة وأساور منسيّة وصيف كسول  وأجساد رشيقة  وأزرار مفتونة بلقاء صدرين متعانقين وقلبين مغتبطين وحضنين منتشيين وسواعد حانية وأكف دافئة وشبق محموم وولع مقيم  وبوح  مكتوم  ورغبة عارمة  وأوردة عطشى وشرايين دافقة ولمسات مرتعشة وأشواق حرّى  ونزوات  مكبوتة وأخرى مؤجلة  بعضها عاقلة وجُلّها  مستهترة,  وغيرة عنيفة ملتهبة وعواطف جيّاشة متوثبة ومشاعر جامحة مضطربة بين زعل وشقاق وصلح وعناق إلى صلح وعناق ثم زعل وشقاق....., أسألك المساعدة, بحق ذلك كلّه,  في إنهاء تخبّطنا الأعمى ودوراننا العابث الأسير في جحيم حلقاتنا المفرغة.

أعينيني على جنوح قلبي عند شواطئ العمر وفي عين العاصفة الضاربة  بين دائرة  أنواء هادرة وتيارات عميقة  جارفة وخطر غرق محدق,  فربما كان الرسوّ الرشيد والجلاء الآمن في مرفأ القسمة وأقدار النصيب حلا مريحا عاقلا يفي بمقصود  فك  ارتباطنا وطلاسم ملفاتنا الشائكة المزمنة وينهي غربة مفارقنا القصيّة ومواعيدنا المشفّرة ويسهم في  تفريق مقاديرنا الحائرة  وترتيب أوضاعنا المخلّة وتصويب دروبنا الوعرة واتجاهاتنا المتباينة وتجميع أوراقنا المبعثرة وأوهامنا الضائعة المشتتة بين حقائق ظرفنا الأرعن وخفايا عشقنا الممنوع, فيمسي  الفصل آخر دواء الوصل وننشد مع ابن زيدون: أضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا. ربما إذاك تنتهي مأساة استخاراتنا المتواصلة  وحريق  أعصابنا وعذابات شراييننا ودمائنا في دوامة صيد الرعود وتدجين السحاب وإلقاء القبض على الهواء خلال رحلة التيه البعيدة خلف نبض حب ٍ عابث لعوب متنكر ٍ بزيّ غجريّ  شريد, متمرّد مُتمرّس في ألاعيب الغواية والتخفّي وفنّ إتقان الهروب.

لا تجزع وتصيحي: وعمري وأيامي وسنيّ حياتي؟؟ ! فلطالما زعمت انك فتاة تعرف ما تريد وأن وجودك معي لأجلك أنت  لا – حسب قولك- لأجل عادات  بالية وتقاليد محنّطة وأعراف مجتمع  بليدة في ضرورة ارتباط رسمي  وعقد موّثق وتناسل شريف, ثم ها أنت  تتخذين للتو من الوقت حجة  لتقلبي معادلة  الأقطاب المتناظرة إلى  معادلة الضحية البريئة  والجلادّ الجاني وتغفلين  بأنك  أنت الحبيبة وأنا العاشق وبأننا ضحيتان معا, قربانان منذوران  لمائدة الزمان. تلاعبنا ألأيام في ملعب الدهر بكفّها هونا لترمينا في فم الموت والفناء وتؤنسنا الشهور بلينها حينا لتتركنا نهبا لمخلب الفوت والقضاء وما أعمارنا  إلا تراكم أحداث مضت واضمحلت وأتربت بعد جرعة سعد وطوفان شقاء.

  أرجوك اخرجي من خلايا دمي, من ملامح وجهي, من وجيب فؤادي من تعاويذ تمائمي,   ارحلي وخذي ما تبقّى من زوابع طعمك المتشظي تحت جلدي وفي زوايا فمي.

إنه عصر الخواء ألعدمي العالمي والتحول الكوني الخفي في زمن دول مارقة وأخرى فاشلة وثالثة مستبدة ورابعة مستفيدة, ونحن مارقان وفاشلان ومستبدان ومقتنصا فرص, مرقنا من الانسجام وفشلنا في التحدي واستبد كلانا بصاحبه واستفاد  من لحظات قربه البهيجة لينهل  من نعيم الهناء, معين الصبا,  سلسبيل الجمال وليجرع من معصرات الهوى كؤوس الصبابة  حدّ الثمالة والانتشاء.

إنه زمن الشعار  وحق التمنّع والاختيار وحق القرار فخذي مصيرك في يديك وأقدمي...   مزّقي كلّ أشعاري وعناويني وأسمائي. أغفل فضلي افتئاتا وانهش لحمي اغتيابا وتسقّطي شططي وأخطائي.

ردّ بالصدود جحودي وبالإهمال ردودي واهدم في القلب صرحا  تقرّحت له جفونك  واكتوت بنيرانه ضلوعك. 

ثوري ضدي وضد نفاقي  وأدواري وأطواري وأقنعتي وأدواتي وجهات مشبوهة  تقف خلفي تؤازرني, تقوم بدعمي وإسنادي....

فتشي في كتب التآمر عن نظريات جديدة, لها  سرّها الشائق وسحرها الآسر, ففيها أفضل عزاء لإرضاء الذوات المحبطة وتنشيط الحالات المفلسة وتدجين النفوس الكئيبة والأجنحة المهيضة المتكسرة.

فكّري مرّة في  مرارات الأذى التي أيقظتها لديك  واحقد ِ مرّات لما  قطفته مستغلا  طيبتك وما جنيته  حُلواً من  كرم  شفتيك.

 اشتم  دربا ساقك إليّ  وساقني إليك وعرّفك بي وعرّفني عليك.   

رتب الأحداث  بنهج جديد  واقرئيها بعين جديدة , أدير شريط الأمور بشك كبير ونقد عميق وريب عظيم واصرخ وتلظّ : يا ليت لو أنك ما أتيت ذاك العام وما خرجت ذاك الصيف متسكعا في حرّ الزحام, ليتك ما ركبت حافلة  النهار لتأتي  وتصلب الأمن في روحي وتسلب النوم من عيني  وتنأى وتتركني لأشباح الظلام.

إسخّط وتأسّف ِ واشتك ِ عند أعتاب المدينة القديمة قي "مركز الأعمال" العتيد  قرب بواّبة حديدية صمّاء فتحت مغاليق صدرها لغريب عابر كي يلتقي بك وحيدة ذات مساء.

ارمني جانبا عملة ملغاة لا تصريف لها, علبة إسبيرين  انتهت صلاحيّتها,  شريحة هاتف مسبوقة الدفع مات رصيدها. عض أصابعك الندية ,مرغي  كحل عينيك  في  الشراشف والمناشف والوسادة. صيحي وإنّي وانشجي, فكل نشيج مخاض وكل بوح ولادة.

 امح من ذاكرة الحواس صورتي وصوتي وانطق حكم فنائي واكتب إعلان موتي.

 اجعليني هباء وركاما وانبذيني في اليم حطاما... وخذي حكمك الذاتي مني  وانفصالك ألقسري عنّي

 واتركيني واهجريني واكرهيني فأنا بحاجة ملحّة لأن تكرهيني.

هيا أيتها المناضلة الثائرة لا تترددي, ارم ِ مشاعلك المتوهجة فوق أشرعتي الراسية في أحضان خلجانك  الوادعة  لكي تستحيل الموانئ براكين  نار وسواد إيذانا بانهيار فكرة الوحدة وانفصام عرى اتحاد جسدينا وروحينا التليد, سوف أطوى سريعا من واجهة الحدث الكبير وأصبح ضيفا دائما في ملاحق مكتوبة  وأفلام معروضة  كطاغية مكروه  ولى  عهده الى غير رجعة  وانقضى  وذوى في سجلات صور غزيرة مشتركة ولكنها مجتزأة,  مقصوصة ٌ مقطّعة,  وقصاصات ذكريات حميمة مبعثرة وطوابع بريدية مستهلكة بين  غمامات الدخان الهائجة وألسنة اللهب المتأججة و سوف أسقط  بالضربة القاضية من تواريخ العاشقين وحلبات أهل الغرام وأصبح لناظريك وللمشاهدين الأعزاء,  قرصانا بائدا لم يبقى له أرض ولا عنوان ولم يأخذ معه في رحلة غيابه إلى الأعماق من سطوة راياته السوداء  وأسراره السوداء وتاريخه الأسود  سوى بعضا من موت دميم على شكل جمجمة وعظمتين, قرصانا سابقا موغلا في الفراق ليكون وليمة لأسماك البحر تاركا سفينته بكنوزها الثمينة لمغامرين جدد  ومراسيَ واعدة وقراصنة ناشئين ومواعيد إبحار جديدة.

ا طمئن ِ  فلن يكون هذا أول موت لي. فقد متّ كثيرا قبل هذا اليوم وتناسخت روحي وعاشت وماتت ثم ماتت وعاشت في تجارب كثيرة  وحيوات كثيرة  ومنازل مختلفة وشخصيّات عديدة  وبحار بعيدة وقريبة ومحيطات مهوّلة عظيمة .. اطمئن ولا تقلق..فروحي, كما في كل مرة,  تعرف كيف تعود بمفردها إلى البيت ودون دليل أو خرائط بعدما فهمت وأيقنت أن طريق رجوعها من الغابة إلى جحيم القلب مفروشة دوما بالنوايا الحسنة ومغروسة أبدا بورود المحبين.

 سوف أبُعَثُ في ظهر الغيب كرّة أخرى في هيئة أخرى وكينونة أخرى  لأوفي نذوري من دية الأضاحي النافقة  والمواويل القتيلة ومواعيد أعراسنا المؤجلة إلى أجل لا يسمّى ومشروع إنجاب أطفال ملغى في  ليل طويل ولقاء مستحيل وأترك ثوب الزفاف لينزف  فوق  المحطات قهرا وغمْ, يزف ّ بياضه للانتظار ِ ويرمي الأسيد على وجهه, يقطّع شرايين كمّيه خيطا فخيطا ويتخم ركلا ولعنا وطعنا بشلاّل عار وسيف احتضار وأضغاث وهم.  سيبكي دماءً ويسقى دماءً ويبصق دمْ, ويدمن فنّ السكوت وفن السقوط وفنّ العدم,  من  الفجر  حتى عشيّات الندم ....  وما بعد.. ما بعد ليل الندم.

وسأخفي سوءة  المواقيت الذبيحة في مثاويها البعيدة  وأنجز فصل الخواتيم الموجعة وفصل خطوط الهواتف الذكية   حتى لا تكون فتنة ,ٌ ويكون العشق حسرة العاشقين,  فيخمد جمر الفقد  وجمر الثأر في المآقي الدامعة والحناجر المتشققة  والمشاعر الكسيحة ويصبح ذكرى.

  عندها تئنّ وتهوي علاقتنا الغريبة... تقضي وسط الطريق شهيدة ووحيدة ًوغريبة وقد أرْخَتْ يديها الاثنتين ولفظتْ حرّ أنفاسها الأخيرة.

لم أكن أفهم تلاقينا الحميم في ذلك المساء السحيق سوى منحة غيب ودعوة خير وليلة مباركة من ليال القدر, الآن أدركت متأخرا جدا أننا نحتاج إلى ليال قدر كثيرة لإبراء جروح أقدارنا المتعاكسة الدامية.

ذئبك ِالجريحُ يا مُعذّبتي يَنحَبُ في عوائه الأليم تحت سنابك الشوق خلفَ نوافذك المطفأة وشرفتك العالية:

وداعا يا قمر الأندلس, يا وردة أفريقيا ويا عروس البحر... 

وداعا يا أجمل النساء...  

وداعا والى  اللقاء ... ولكن ربما في عوالم أخرى.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز