د. وليد سعيد البياتي
dr-albayati50@hotmail.co.uk
Blog Contributor since:
03 December 2007

اكاديمي عربي من العراق مقيم في لندن
باحث ومحقق في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية
باحث في نظرية مصادر التشريع
رئيس ومؤسس الاتحاد الشيعي العالمي

 More articles 


Arab Times Blogs
حقائق الشهادة لوصي الرسالة

 موجز بحث في علم الحقائق

 مقدمة في حقيقة الامام علي عليه السلام:

 أين نبحث عن الامام علي (ع)؟ هل نبحث عنه في الملأ الأعلى أم في حقيقة عالم التكوين؟ أم تراه وجوداً ماثلاً في حقيقة عالم الوجود؟ ألم يكن حاضراً في عالم الذر: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ (1) وعالم الغيب كما هو في عالم الشهادة، إليس هو الاول في كل لفظ للمؤمنين؟ وهو الاول في كل الوصيين والشهداء والصالحين؟ أليس هو صاحب سورة الدهر (الانسان): ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ﴾ (2). وهو نفس رسول الله في آية المباهلة: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ (3). أليس هو الاول في آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ (4) فالامام علي (ع) كان حاضراً في جميع مفردات حركة التاريخ، فلن يكون للتاريخ معنى ولا قيمة دون حضور الامام علي (ع)، فهؤلاء الذين أرادوا أن يخرجوه من حقيقة الواقع فشلوا، لان الحقيقة لا تتم إلا بالعلم وعلي (ع) هو سيد العلم. بل هو حقيقة العلم، فليس العلم في معرفة ظواهر الاشياء وتأثيراتها، ولكن حقيقة العلم تكمن في معرفة مبدأ الاشياء وأصولها وكيفية تعبيرها عن ذواتها لتظهر بالمظهر الذي تراه أبصارنا وتحسه حواسنا، فيمكن لنا رؤيته ويسهل علينا إدراكه.

فعن عبد الله بن العباس (رضي الله عنه): " لما نزلت هذه الاية ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ (5) قام رجلان(6) فقالا يارسول الله، أهي التوراة؟ قال: لا. قالا: فهو الانجيل؟ قال: لا. قالا فهو القرآن؟ قال: لا. فأقبل على علي (أمير المؤمنين) (ع) فقال: هو هذا الذي أحصى الله فيه علم كل شيء ". (7) إن حقيقة الامام علي (ع) تكمن في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾. (8) فهذا الارتباط بين الامام علي (ع) وبين الله ورسوله تعكس حقيقة الايمان ولهذا قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فالاتباع والتولي إذن مرتبط بهذا الاختيار الالهي دون غيره. علي (ع) وحقيقة الموت: في تلك المساحة اللامتناهية بين الموت والحياة، يحضر الوجود، وإنما قلت (اللامتناهية) لان الانسان تحكمه علاقات لامتناهية خلال عالم الوجود أولها علاقته بالله، ومنها علاقته بذاته وبالمثيل من بني جنسه وبالمجتمع وهكذا. في هذه المساحة وبمفهوم التكوين والوجود والولاية والعصمة والمعرفة وما لا نهاية من المفاهيم يكون حضور الامام علي (ع) في عالم الوجود، فعندما تكون الولادة بين جدران البيت الحرام، تتحقق قيمة الوجود، إن الانبياء والرسل والاوصياء (ع) هم المثل العليا التي تتجاوز مفردات المعايير لانهم التعبير الاصيل عن قضية خلافة الانسان على الارض كما ارادها الحق سبحانه.

 فإذا كان الرسول الخاتم (صلوات الله عليه وآله) هو المثال الاعلى للتراث النبوي والرسالي منذ التكوين الاول، فإن الامام علي (ع) فان هو مثال الوصاية منذ التكوين الاول، إلا ترى كيف قرن الله تعالى نفس الرسالة بنفس الوصاية، فقال (انفسنا وأنفسكم). وقد وجدنا أن العلاقة بين الموت والحياة علاقة تكاملية لا يمكن من خلالها فصل احدهما عن الآخر إذ لا موت دون أن يكون هناك حياة، ولا حياة دون أن يكون هناك موت، فان هذا التكامل إنما يعكس طبيعة كل منهما في عالمي التكوين والوجود، لتتحقق الغايات التي خلقا من أجلها كما قال عزوجل: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾. (9) وإذا كان الشهداء (أحياء عند ربهم يرزقون)، فإن هذا تعبير يدل على إن في الموت حياة، وفي الحياة موت، في مسيرة المعرفة الالهية.

 فكيف إذا كان الشهداء أنبياءً ورسلاً وأوصياء؟ إن شهادة الامام علي عليه السلام لا تمثل إنقطاعه عن عالم الوجود، فحضوره هنا يبقى ثابتاً عندما ندرك ان قيم ومعايير عالم الملكوت أرقى وأعظم من قيم ومعايير عالم الوجود، فحقيقة عالم الوجود تظهر في حقيقة عالم الملكوت وليس العكس، إلا ترى كيف عبر الخالق عن حقيقة الحياة في عالم الملكوت فقال عنها: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ . (10) فالشهادة هي حقيقة الموت لأنها تفصح عن أرقى قيمه ومعانيه، و(الحيوان) هي حقيقة الحياة لكونها تمثل الحقيقة التي ارادها الله لعباده المخلصين أن يحيوها، فالحياة الدنيا ما هي إلا مظهر من مظاهر الحياة الحيوان (حياة الاخرة)، التي تتجلى في الاخرى بحقيقة مظهرها. من أجل ذلك حدث التلاقي بين حقيقتي الموت والحياة في شهادة الامام علي عليه السلام.

حضور عليٍ (ع) في الدارَين: كان حضوره عليه السلام في الحياة الدنيا ليكون مع الرسول الخاتم شاهداً على مبدأ الحياة، كما ليكون هادياً للأمة: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾. (11) إن حضوره (عليه السلام) في الدارين، إنما كان ليكشف الله لنا من خلاله حقيقتهما، فهو كمال العبادة والعلم والحكمة والمعرفة والزهد والصدق والجهاد، وفيه تكاملت كل الجوانب العليا في الصفات البشرية، والمعاني الانسانية، فكان المثل الاعلى والحجة التامة على العباد، وكان في الحياة الدنيا القرآن الناطق، وخزانة علم الله، فقال تعالى فيه: ﴿ ومن عنده علم الكتاب﴾ . (12) وأما في الاخرة، كمال الشهداء والصديقين، فالانبياء والرسل والاوصياء هم في الحياة الدنيا كما هم في الاخرة، وما مظاهرهم الدنيوية إلا لضرورات عالم الوجود، الذي لا يمكن أن يظهروا لنا به بحقيقتهم في عالم التكوين، وما ذاك إلا لقصور حواسنا عن إدراك كنههم. فهم يحيون حقيقة الوجود كما كانوا في حقيقة التكوين ومن أجل هذا قال الرسول الخاتم (صلوات الله عليه وآله) للأمام علي عليه السلام: " ياعلي لا يعرف الله إلا أنا وأنت، ولا يعرفني، إلا الله وأنت، ولايعرفك، إلا الله وأنا ".

 فهذه المعرفة لا تكون إلا بكمال العلم وبحقيقته. لقد تشرفت الحياة الدنيا بانه عاش فيها، فكانت كاللباس الذي يتشرف بلابسه ولا يشرفه، لانه في الذروة القصوى ينحدر عنه السيل، ولا يرقى اليه الطير، إلا ترى كيف أنه أغنى الحياة ولم تغنيه، فكابدها ولم تكابده، إذ كانت أهون عندة عفطة عنز، إلا أن يقيم عدلاً. فليله في مناجاة الله، ونهاره في طاعة الله، لا يفتر لسانه عن ذكره الله، لأن الإيمان كان قد خالط لحمه ودمه، كما خالط لحم رسول الله ودمه، فهو وصيه وأبو ولده، وصاحب حوضه، منتهى ما تهفو اليه قلوب العارفين بحقة، المدركين لفضله، الناصرين له. هذا من فيض سيد الوصيين ويعسوب الدين وقائد الغر المحجلين، باب معرفة الله، وخازن علم الجبار، أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (عليهما السلام). فسلام عليه يوم ولد في البيت الحرام ولا مثيل في ولادته، وسلام عليه يوم أستشهد بسيف الغدر فتعلمنا من شهادته حقيقة الموت، وسلام عليه يوم يبعث حياً.

 1- الاعراف: 172.

 2- الانسان: 8-9.

3- آل عمران: 61.

 4- الاحزاب: 33.

 5- يس:

12 6- في معاني الاخبار:95 باب معنى الامام المبين حديث 1 وفيه " قام ابو بكر وعمر .... ".

 7- البرسي، مشارق انوار اليقين: 104. عن أمالي الصدوق: 170 المجلس 32 حديث 5. و تأويل الآيات 477 سورة يس، والصراط المستقيم: 1/ 270 الباب 8. 8- المائدة: 55-56. 9- الملك: 2. 10- العنكبوت:64. 11- الرعد: 7. 12- الرعد:43.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز