أحمد أكوليز
ahmedagouliz2012@hotmail.fr
Blog Contributor since:
03 August 2012



Arab Times Blogs
حماس و حسابات الوقت بدل الضائع

في عالم الرياضة يتم احتساب الوقت الذي تتوقف فيه المقابلة أو النزال بسبب اصابة أحد اللاعبين أو تدخل الحكم بهدف التأكيد على ضرورة احترام القانون أو لأي سبب اخر من الأسباب ليتم في اخر المطاف احصاء كل لحظات أو دقائق التوقف و اضافتها الى عمر المواجهة بعد انتهاء الوقت الأصلي٬ و هو ما يسمى بالوقت بدل الضائع. و الواقع أن أمتنا العظيمة قد عرفت في الزمن الحالي كما هائلا من الهزائم و النكسات و خيبات الامل٬ مما جعلنا متأخرين في النتيجة في أحلك مراحل مواجهتنا لأعدائنا الازليين الصهاينة و الصليبيين ناهيك عن تحديات العصر الحضارية و العلمية التكنولوجية٬ أي و نحن على مشارف انتهاء الوقت الاصلي من زمن الحقبة التاريخية الحالية و بداية احتساب الوقت بدل الضائع٬ الذي يبقى اخر فرصة لنا لتدارك الموقف و اعادة الامور الى نصابها قبل ان نغرق في بحر الهزيمة الكبرى التي سنمنى بها لا محالة اذا استمر التشرذم و استمرت الاحقاد سائدة بين مكونات الأمة الاسلامية. و أقصد بالهزيمة الكبرى قيام دولة اسرائيل الكبرى التي ستبتلع كل كيانات المنطقة محولة أبنائها الى لاجئين يحملون مفاتيح بيوتهم في انتظار يوم العودة٬ لنكون جميعا قد أكلنا يوم أكل الثور الفلسطيني.

 هذه الوضعية الحرجة تعانيها كل دول المنظومة العربية من المحيط الهادر الى الخليج الثائر٬ مرورا بفلسطين الجرح الغائر كوضعية جد حساسة وكنزيف مزمن٬ فاليوم و بعد سنين الانقسام التي شطرت اراضي 1967 يتمثل واقع السلطة الفلسطينية في ضفة غربية تسيرها فتح و قطاع غزة تسيره حركة حماس. و سأتناول في السطور القادمة الحديث عن راهن هذه الحركة الأخيرة و التحديات التي تنتظرها في ظل التكتل و التداعي الغربي الصهيوعربي على كل بؤر الرفض و الممانعة لمشروع النظام العالمي الجديد و خططه الخاصة بالمنطقة. و كلك نظرا لحضورها القوي على ساحة الأحداث في الفترة الاخيرة بشكل أثار ردود فعل متضاربة على مستوى الساسة و المثقفين و الجماهير. فحركة حماس التي كانت قد رفعت لواء المقاومة و المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في العودة الى أراضيه السليبة و اقامة دولته كاملة السيادة في مرحلة مريرة من الصراع العربي الاسرائيلي٬ وقت كان حبر اتفاقيات مدريد و أوسلو لم يجف بعد ومعها تصور الطرفين المتفاوضين الملتبس عن المغزى من التسوية.

 بين فلسطيني فتحاوي من جهة يرى في الاتفاقية أرضا و دولة مقابل السلام٬ و اسرائيلي صهيوني من جهة أخرى لا يرى فيها أكثر من أمن و تبعية مقابل السلام. مع عدم الاستعداد المعبر عنه في عدة مناسبات من طرف رؤوس الدولة العبرية لتقبل فكرة وجود دولة فلسطينية مستقلة. في تلك السنوات الأولى من عقد التسعينات كانت متفجرات حماس تثير الرعب داخل الكيان الصهيوني معطية نفسا جديدا لايقاع المقاومة المترنح.

 و كانت عملياتها الفدائية تجبر العدو وبطريقة غير مباشرة على التحلي بمزيد من المرونة في مسلسل المفاوضات المتعثر. ولكن ذلك كان مقابل تضحيات كبيرة قدمتها الحركة الاسلامية من دماء أعضائها و دماء أبناء الشعب الفلسطيني على يد المحتل الذي تبنى سياسة الاغتيالات و الانتقام و التنكيل بالمقاومين٬ إضافة للضغوط و المتابعات التي مارستها السلطة الفلسطينية انذاك على المنتسبين الى الحركة و التي كانت قد وصلت حد الزج بهم في السجون استجابة لأوامر الطرف الاسرائيلي.

 و استمرت التحديات تعصف بحركة حماس عبر شهور الانتفاضة الثانية التي اندلعت أواخر سنة 2000 و السنوات التي تلتها قبل أن يمنحها الشعب الفلسطيني ثقته عبر صناديق الاقتراع في اكثر انتخابات العالم العربي شفافية في العصر الحديث. لتستلم حركة المقاومة الاسلامية مقود الحكومة الفلسطينية وسط ردود فعل غربية و اسرائيلية رافضة لفكرة التعامل معها انطلاقا من خلفيتها الارهابية على حد وصفهم٬ و هو الأمر الذي سيؤدي الى اقالتها شهور قليلة بعد ذلك على يد الرئيس الفلسطيني. ليبدأ عهد الانقسام بعد أن تمسكت قيادة حماس بتسيير قطاع غزة معقلها التاريخي و الذي كانت السلطات الاسرائيلية قد أخلته من المستوطنات للتو في مصادفة مثيرة لأكثر من علامة استفهام، و ليبدأ معه عصر الحصار الذي جعل القطاع سجنا بسماء مفتوحة، والذي لم يخل من عدوانات متفرقة كان أكثرها شراسة ما حصل سنة 2008 حين مارس الجيش الاسرائيلي حرب ابادة وحشية ضد حماس وقطاع غزة مستخدما أحدث ما في جعبته من أسلحة الدمار و التقتيل ضد المدنيين و الأطفال و النساء وسط تواطؤ غربي عربي على كافة المستويات.

 أذكر أيامها أنني كنت مشاركا في احدى اللقاءات الجمعوية التي حضرها شباب اسبان، و أثناء تقديمي عرضا حول جذور المأساة الفلسطينية لعلمي بالالتباس الذي يسببه الاعلام الأوروبي المؤيد لاسرائيل في أذهانهم، تدخلت فتاة اسبانية و تحدثت بطريقة غير مباشرة عن الحقوق التاريخية لاسرائيل و عن الضحايا الاسرائيليين الابرياء الذين يسقطون بسبب عمليات المقاومة، فسألتها بطريقة مباشرة تخيلي يا عزيزتي أن عددا من سكان شمال افريقيا موريسكيي الاصل قد تكتلوا في منظمة دولية و تحصلوا على دعم القوى الكبرى محرفين نصوصا دينية لتبرير أهدافهم، ثم قاموا باحتلال بلدك و مدينتك و طردوك من بيتك و مزرعتك لتعيشي لاجئة في فرنسا أو ايطاليا فهل كنت ستتقبلين هذا الواقع و هل كنت ستصفين من يقتلهم المقاومون أبناء جلدتك من المحتلين بضحايا العمليات الارهابية ؟؟ فبهتت الفتاة ..

 أما عن حضور حماس على مسرح الأحداث في الاونة الأخيرة فقد طبعه موقفها الذي أثار الكثير من القيل و القال حين قررت قيادتها الخروج من سورية بعد انفجار الأحداث هناك و نقل مكاتبها الى الأردن، و هو ما يعني ضمنيا خروجها من محور الممانعة سيما بعد التقارب مع دول التحالف الأعرابي في الخليج. موقف حماس اختلفت الاراء حول تقدير صوابه و سداده في هذه الظروف العصيبة. فهو من الناحية الأخلاقية يتسم بنوع من الخسة و النذالة و نكران الجميل باعتبار الدعم الكبير و المواقف الرجولية التي لم يبخل بها النظام السوري يوما على حماس و بصفة خاصة أثناء عدوان 2008-2009 حين أدار العرب ظهورهم لغزة تاركين اياها لمصيرها المحتوم بل و لم يتوان بعضهم عن المساهمة بشتى الوسائل لدعم المخططات الصهيونية ماديا و معنويا مستخدمين سلاح الفتاوى الدينية و تضليل الرأي العام.

 غير أن تقييم الموقف من ناحية سياسية براغماتية قد يجعلنا نتفهم موقف حماس التي قد تكون اعتبرت مغادرة السفينة السورية التي بدت لها غارقة وسط الأمواج الصهيونية الغربية الطورانية و الاعرابية العاتية ضرورة سياسية ملحة، لتفادي الاضرار بمصالح الشعب الفلسطيني و للمحافظة على أسهم الحركة الاسلامية من الانهيار شعبيا أمام هول التيار الاعلامي التضليلي الذي جعل شعوبنا كالفئران التي تتبع أنغام الساحر في عدو محموم نحو الغرق دون وعي. وربما استذكارا للموقف الفلسطيني الداعم لصدام حسين ابان حرب الخليج الثانية و ما جره من متاعب على القضية بعد >لك بسبب القطيعة مع دول الخليج. المشكلة هي أنه حتى و أخذا بهذا الطرح الأخير فان موقف حماس قد شكل خطئا فادحا باعتبار أن الرعاة الجدد للحركة من عرب و أعراب هم من الغارقين حتى النخاع في العمالة و التبعية لاسرائيل، و من ثم فان احتمال أي توجيه مادي أو معنوي في اتجاه دعم العمل الفدائي العسكري يبقى من رابع المستحيلات فضلا عن حتمية تعرض الحركة الاسلامية للانتقام الاسرائيلي المتجذر في الثقافة الدينية اليهودية التي تعتبر الاعتداء على يهودي مستوجبا لغضب الرب و سخطه و التنكيل بقتلة اليهود واجبا مقدسا.

 و بالنظر الى كم الارواح اليهودية التي أزهقتها حماس لكم ان تتصوروا ما يعده لها بنو صهيون. هذه الفرضية تعززها التطورات الاخيرة على الساحة العربية منذ أحداث سيناء و السعي الحثيث من قبل قوى مجهولة داخل جسد الامة لشيطنة حماس و تقديمها كعدو للشعوب العربية بعد أن تمت شيطنة بقية قوى المقاومة في مراحل سابقة. فايران التي ألهمت شعوبنا سنين طويلة بثورتها الاسلامية، و حزب الله الذي رفع هاماتنا عاليا بعد تحريره لاراضي الجنوب و كسره للغرور الصهيوني في حرب تموز تحولا اليوم في منظور الشارع العربي الى قوى مجوسية كافرة مجرمة تقتل العزل و الأطفال في سوريا و العراق، بعد حملة اعلامية دينية ممنهجة استخدمت فيها اخر تقنيات البروباغاندا و التشهير و الافتراء على كافة المستويات، و اتت اكلها على أكمل وجه في أذهان شعوب عربية تعصف بها عوامل الامية و الجهل و التعصب الديني و سهولة الانقياد و الخداع لبعدها عن القراءة و البحث و ثقافة الحوار.

 و اليوم ياتي الدور على حماس التي حاولت تفادي موجة التسونامي الناتوية لتقع في مستنقع المؤامرات الصهيوعربية و تجد نفسها متهمة بالتامر على جارتها مصر و بدعم قوى الارهاب الدموية التي هاجمت نقطة الحدود في رفح و قتلت 16 جنديا بسيطا كانوا ملتفين حول افطارهم المتواضع. السيناريو الذي قدمته وسائل الاعلام الصهيونية و نظيرتها العربية المأجورة حول ما حدث بالضبط الأحد الماضي لا يقنع حتى الحمقى و المجانين لانتفاء عامل المصلحة و عدم وجود أي مبرر قد يدفع الحركة الاسلامية للتورط في هكذا عمل لن يكون له من تداعيات سوى تعزيز الحصار و تخريب العلاقات مع مصر الثورة بعد بوادر الانفتاح الأولى. حركة حماس شأنها شان بقية فصائل المقاومة و دول الممانعة موضوعة على لائحة الثأر و الانتقام الاسرائيلية الصهيوغربية و لن تشفع لها أي مناورة سياسية تقوم بها في مواجهة عدو حقود لا يرحم. لذا فان أي تجاهل لهذه المعطيات و نحن في مرحلة الوقت بدل الضائع يبقى حماقة ستكون لها عواقب وخيمة.

 ان الموقع الطبيعي لحركة حماس هو في الصفوف الأولى جنبا الى جنب مع بقية أطياف المقاومة. و اذا كان الغرب المتوحش و الصهيونية الخبيثة و عملائهما الاعراب قد نجحوا في اذكاء نار التعصب الطائفية و اعطاء النزاع طابعا مذهبيا في أذهان القطعان العربية فان على العقلاء من كوادر و مقاتلي الحركة أن ينظروا الى الصورة الشمولية التي تعكس حقيقة الاحداث لتفادي كارثة قد تتسبب فيها الخيارات المتبناة مؤخرا من طرف القيادة و للحفاظ على الموقع الريادي لحماس في الصف الاول لجبهة تحرير الأراضي المقدسة حيث كانت و حيث يجب ان تظل دوما.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز