د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
نهاية المسلسل التركي بيس حمد

المسلسلات التركية ظاهرة حضارية فنية رائعة. أنا أتابعها كلما سنحت لي الفرصة، واستمتع بها، وأقول عرضاً أني معجب أشد الإعجاب وبشكل خاص بالفنانة الرائعة سمر، بطلة مسلسلي "العشق الممنوع" و"فاطمة غل"، إنها فنانة مبدعة، أقدر فنها تقديراً عالياً؛ وكذلك بواحد من الفنانين، هو على رضا بيك من مسلسل "الأوراق المتساقطة"؛ إنه رائع في دور الرجل المتمسك بمبادئ الأخلاق وبكبريائه الذي لا ينفك أبناؤه يوجهون إليه الطعنة بعد الأخرى. على أني والحق يقال حين بدأت قناتا الـ (MBC) السعودية، وأبو ظبي، بعرض تلك المسلسلات قبل سنوات، بأبطالها المشهوين، يحيى ولميس، ومهند ونور، صرت أشعر بضيق وقلق شديدين، بالطبع ليس بسبب الغيرة من الفتى الرومانسي الرقيق، مهند، الذي هدم برومانسيته العديد من البيوت التي كان يخيل لأصحابها أنها عامرة بالإيمان ومحصنة بالحجاب والنقاب، فجاء الفتى وهدمها بفرط رقته مع حبيبته وزوجته نور.

 كان سبب قلقي هو الإنفتاح المفاجئ لعربان الخليج على الفن والثقافة التركيين، بل وعلى تركيا بشكل عام. كنت أتساءل: ما لهؤلاء العربان والثقافة والفن!! كنت أرى أن وراء الأجمة ما وراءها. وكان يهدئ من روعي قليلاً أن لورا أبو أسعد هي من تتولى خدمات الدبلجة، لكن سرعان ما كان القلق يعود إلى نفسي، فأن يكون السوريون من يقوم بالدبلجة والترجمة أمر يفسر نفسه بنفسه، فالشعب السوري، كما كان يقول أستاذي المرحوم هاني الراهب، شعب خلاق مبدع، ويجيد أبناؤه كل لغات العالم، بينما بلد الـ (MBC) لا يعرف حتى ملكه اللغة العربية. الدبلجة بدت لي مجرد خدمات لغوية وفنية أما عرض المسلسلات فغايته لا يعرفها إلا الله والراسخون في معرفة سايكولوجية آل سعود.

 لم يكن قلقي مردّه مجرد الشك بالنوايا الثقافية لحكام الخليج والمعرفة الجازمة بأنهم مجبولون من الخبث واللؤم، ويظنون أن أموالهم يمكن أن تحقق كل رغباتهم، ولا يمكن أن يكونوا لأحد إلا أصدقاء سوء. لا ليس هذا وحسب، بل لأني عندي حساسية مفرطة من التاريخ، زادت بعد أن قرأت عن أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، وبسبب كارثة الحرب العراقية الإيرانية. صارت القشعريرة تسري في جسدي كلما ذكر أحد مسألة السنة والشيعة، وتركيا مقابل إيران. إن أتعس ما يمكن أن يفعله التاريخ بنا هو أن يعيد نفسه. أترك لك، صديقي القارئ، أن تطّلع على هذا التاريخ، لترى لماذا يقشعر بدني منه، ومن أن يعيد نفسه، لأنك سترى أنه أعاد نفسه فعلاً ومراراً بكل تفاصيله. لقد تناوب الإيرانيون والأتراك على بغداد خلال تلك القرون الأربعة مرات ومرات. وبغداد حوصرت مرات ومرات من قبل الدولتين، وكانت نتيجة الحصار في كل مرة الجوع والأوبئة.. كانت حال الناس تصل أثناء الحصارات حد أكل الكلاب والقطط، بل وأفظع من ذلك. إنه لأمر فظيع فظيع.

 على أية حال، حين رأيت عمر ولميس ويحيى، أبطال مسلسل "سنوات الضياع"، تستضيفهم دبي، فينزلون في مطارها وسط ترحاب بالغ كأنهم ملوك وملكات، تأكدت مخاوفي من أن حكام الخليج الذين لا علاقة لهم بالفن والإبداع أصلاً إنما يفعلون ذلك في رمزية خبيثة تخبئ خططاً على الأرض لاستدراج تركيا ووضعها مقابل إيران، وكنت أسأل نفسي: وماذا يريد الأتراك من هذا الانفتاح؟ السيد أردوغان بدد مخاوفي مرة أخرى حين أحدث خرقاً تاريخياً في مكان آخر من الخارطة فانفتح على سوريا في خطوة ظنناها الأولى على طريق الإتحاد الشرق أوسطي العربي التركي الفارسي الكردي. تركيا كانت تنفتح على الجميع.

 حكام الخليج نسميهم بالعراقية (خبيث خنيث)! لماذا لأنهم كما أسلفت مجبولون من الخبث وفي الوقت نفسه يفتقرون إلى الرجولة الحقة. إنهم جبناء ومخلوقون للفساد والفسق والفجور والدنايا فقط، ويظنون أنهم بخبثهم يمكن أن يشتروا رجولة غيرهم. تذكر صديقي القارئ كيف استدرج هؤلاء العراق ليحميهم، فآمناهم من خوف، وقدمنا نحن العراقيون نصف مليون من خيرة شبابنا في حرب مجنونة أشعلها ومولها هؤلاء الجبناء، ثم طعنونا بعد ذلك بكل لؤم وبلا شرف. وتذكر، يا صديقي، أن مجلس الإبل المسمى "مجلس التعاون الخليجي" استبعد على الدوام من عضويته العراق، وهو بلد عربي على رأس الخليج، لكنه يعرض الآن العضوية فيه على الأردن ثم على المغرب البلدين العربيين الذين لا تربطهما بالخليج رابطة جغرافية. لماذا؟ لأنهم يريدون توريط جيوش البلدين في مشاريعهم الخبيثة، كما فعلوا مع العراق – هم عندهم أموال وتنقصهم الرجولة، فيظنون أنهم يمكن أن يستأجروها. وهؤلاء الأباعر يفكرون بنفس الطريقة تجاه تركيا. إن التقارب الثقافي والاقتصادي ليس إلا طعماً لاستدراج تركيا إلى صراعاتهم. لا غرابة! لكن هل ابتلع الأتراك، وعلى رأسهم السيد أردوغان، هذا الطعم؟

 أردوغان، وجه تركيا الحالي، يستحق أن نحاول فهمه، خاصة في السياق العربي. دعنا، صديقي القارئ، ننظر إليه من ثلاث زوايا لنرى كم من أحلام العصافير في رؤوس أباعر السعودية وقطر يمكن أن يتحقق: أردوغان عالمياً وإقليمياً وإسلامياً، ثم تركياً، ثم عربياً.

 فعالمياً يتحرك السيد أردوغان في وسط واضح المعالم، فعلاقة تركيا بحلف الأطلسي واحدة من المحرمات التي لن يستطيع أن يمس بها أي تركي، إسلامياً كان أو علمانيا، عسكرياً أو مدنيا، يمينياً كان أو يسارياً، اليوم أو غداً. علاقة تركيا بحلف شمال الأطلسي هي من أحجار الزاوية في وجود تركيا المعاصرة. وفي هذا فإننا سنظل مختلفين في هذا، فحلف الأطلسي في وعي الإنسان العربي حلف عدواني خبيث، بينما في الوعي التركي هو ضمانة تركيا في الوجود بأمان إلى جانب العملاق الروسي. وفي هذا فإن أي سياسي عربي يبني توقعاته من تركيا بإغفال هذه الحقيقة سياسي يتميز بالسذاجة.

 هناك جانب آخر في الإطار العالمي لتحرك السيد أردوغان وكل السياسيين الأتراك - الاتحاد الأوروبي. والكل يعرف أن الرغبة التركية القوية في الانضمام إلى هذا الاتحاد تواجه برفض من جانب عناصر أساسية في الاتحاد الأوروبي، في مقدمتها فرنسا وألمانيا والدنمارك. والأتراك ممتعضون من هذا الرفض، ويشعرون بالمرارة لأن هذا الاتحاد قبل عضوية بلدان تعتبر متخلفة اقتصادياً قياساً إلى تركيا، وسياسياً كانت حتى الأمس القريب في المعسكر الشيوعي أو حلف وارشو المعادي لحلف الأطلسي، مثل بلغاريا وبولندا وغيرها. وهذا الجانب من الإطار العالمي للسياسة التركية يمكن أن نقول عنه أكثر حين نعرّج على مناقشة علاقة تركيا بالعرب.

 وهناك أيضاً البيئة الإقليمية لتركيا، والكل يعرف ما طرحه وزير خارجية تركيا قبل فترة عن حالة "صفر مشاكل" بمعنى أن تركيا دخلت في حالة تفاهم مع كل من اليونان وإيران وبقية جيرانها بحيث أنها لم تعد في حالة تصارع مع أحد.

 أما إسلامياً فيمكن أن نقول دون أن نخشى مجافاة الحقيقة إن الكثيرين من العرب يسيئون فهم طبيعة الإسلام في تركيا. إن الإسلام التركي ليس إسلام الخلافة العثمانية، وبإختصار شديد، إنه لا يلتقي في نقاط كثيرة مع إسلام الإخوان المسلمين العرب، ناهيك عن الإسلام الوهابي. إن من يناقش المثقفين الأتراك العلمانيين بهذا الشأن يلمس منهم امتنانهم لأردوغان وحزبه لأنهما استطاعا أن يروّضا النزعة الإسلامية في تركيا ويجعلا منها حركة عقلانية مسالمة اجتماعياً متفتحة، متقبلة لغيرها. إنهم يرون أن حزب أردوغان وهو في الحكم أمر جيد لازدهار العلمانية في تركيا وتربية الأتراك على الديمقراطية الحقة. الإسلام الأردوغاني لا يشكل خطراً على الجانب العلماني من الهوية التركية، مثلما أن هذا الجانب العلماني لا يسلب تركيا الجانب الإسلامي من هويتها وتاريخها. الإسلام في تركيا يتكيف مع واقع أن تركيا دولة وضعت نفسها على طريق الصعود الاقتصادي والعلمي والثقافي، ولا مكان فيها للتطرف والخزعبلات. إسلام تركيا هو في خدمة تركيا قبل أي أحد. 

 أما على صعيد الداخل فإن تركيا أردوغان فيها خمسة عناصر أساسية تتحكم في قدرة الرجل وحزبه على الحركة؛ أولها أن هناك اليوم إطاراً ديمقراطياً ضمن نموذج تركي خالص؛ ثانياً، هناك العسكر والمعارضة العلمانية بكل أطيافها؛ وثالثاً، هناك القضية الكردية؛ ورابعاً، هناك النمو الاقتصادي الكبير في البلد؛ وهناك خامساً فئة التجار ورجال الأعمال والصناعيين (الرأسمالية التركية الصاعدة).

 وحتى لا نطيل في الحديث فإن من يرسم سياسات تركيا اليوم هو العنصر الأخير، فئة الرأسماليين التي بفضلها يتحقق الازدهار الاقتصادي في تركيا، وهذه الفئة، التي تقرب من تكوين طبقة، تتميز بنهم شديد للتوسع وللإستثمارات. إنها طبقة طموحة، علمانية، عابرة للقوميات والأديان والطوائف، أقل طموحاتها هو اقتحام الاتحاد الأوروبي بوزن وثقل كبيرين، واكتساح الشرق الأوسط بالصناعة والتكنولوجيا التركية، ناهيك عن المنتجات الزراعية التركية. ولعل أبرز دليل على توجهاتها العابرة للقوميات إستثماراتها الكبيرة ونشاطاتها الواسعة في الجزء العراقي من كردستان. وإضافة إلى ذلك فإنها طبقة حازمة لن تساوم على استقرار تركيا، ولن تتسامح بشأن مصالحها، وفي هذا لا يهمها من يكون في واجهة السياسة التركية، طالما تتحقق رغبتها في الاستقرار والزحف المظفر نحو الاتحاد الأوروبي.

 إن تركيا بلد في حالة تطور مذهل، يذكّر وضعها بوضع العراق في الأعوام 1977-1980 (يا حسرة)، وكل أنظمة البنية التحتية للبلد يجري تعديلها وإدخال معايير الإتحاد الأوروبي فيها لأن الطبقة الرأسمالية التركية واثقة بأن تركيا ستدخل في النهاية في هذا الاتحاد.

 لقد أساء الجميع فهم السيد أردوغان. إنه ليس وريث العثمانيين كما يحلو له أن يزعم أحياناً، بل هو الذراع السياسية للطبقة الرأسمالية التركية، ومهمته في الداخل هي تحقيق السلام الأهلي والحفاظ عليه ليتطور الاقتصاد، وقد نجح في هذا إلى الحد الأقصى، أما في الخارج فمهمته هي توسيع علاقات تركيا الاقتصادية وفتح الطريق أمام المزيد من الاقتحام التركي للأسواق العالمية. قيل له إن عليه أن يفعل في السياسة الخارجية كل ما من شأنه أن يسهم في الحفاظ على ازدهار تركيا وصعودها. ولو ترجمنا هذا الحديث إلى العربية الفصحى فهي "لا تفعل أيها السيد أردوغان شيئاً يزعزع استقرار تركيا أو يثقل كاهل الاقتصاد التركي ويعرقل تقدمه وتوسعه" .. لهذا نرى أن ملك السعودية وشيخ قطر المتخلف عقلياً لم يفهما أردوغان لأنهما لا يفهمان العربية الفصحى التي تترجم إليها مفردات السياسة التركية بما في ذلك تصريحات السيد أردوغان.

 أما عربياً، فلنكون منصفين مع أردوغان وحزبه، ومن قبله نجم الدين أربكان فعلينا أن نتذكر النقلة التي أحدثها الحزب شعبياً في موقف الأتراك من العرب. في زيارتي الأولى لتركيا عام 1979 صدمت بما رأيت من التركي المتعجرف المتعالي على كل ما هو عربي. كان الأتـراك يطلقون على الكلب الأسود إسم "عرب"، وهم لم يكونوا يرون ذلك عنصرية بل مجرد شيء ألفه الناس، ربما لأن الكلب الأسود جاء إلى تركيا من بلد عربي. ولم يكن ذلك صدقاً، فقد عرفت يومها أن للتاريخ وجهان، وجه تراه أنت ووجه آخر يراه خصمك. كنا نحن ندرس في المدارس عن سياسة التتريك وعن فظائع جمال باشا السفاح في سوريا وغير ذلك، مما كان يصور لنا الأتراك العثمانيين أعداء اضطهدونا على مدى قرون، وتحررنا منهم في الحرب العالمية الأولى، بينما كانوا هم يقرأون ما يجعلهم يتصورون العربي قذراً وخائناً وعديم الوفاء. ولو كلمت أي تركي لسمعت منه قصة أولئك الجنود الأتراك المساكين الذين كانوا في طريقهم إلى تركيا بعد أن طعن الحجازيون العثمانيين من الخلف، فكان قطاع الطرق العرب يوقفونهم ويسلبونهم كل ما لديهم ثم يسألونهم أين الفلوس والذهب؟ فيجيب الجنود الأتراك المساكين بإشارة من أيديهم إلى بطونهم بأنهم أكلوها أي صرفوها، لكن العرب كانوا يفهمون من ذلك أن الجنود ابتلعوا الذهب فيقومون ببقر بطونهم ليستخرجوا الذهب. كانوا يروون ذلك بأسى، ويهزون رؤوسهم مستنكرين (بيس عرب .. هاين "خائن" عرب)، (العربي القذر .. العربي الخائن). هذا الشعب الذي كانت عنده هذه الدرجة من الرفض والاحتقار للعرب تحول في غضون العقدين الأخيرين إلى الانفتاح على العرب وإلى الإقدام بشكل غير مسبوق على تعلم العربية وإلى التعاطف مع شعب فلسطين وقضيته. إن الذين جاءوا ليشاركوا في فك حصار غزة في أسطول الحرية فعلوا ذلك بسريرة نقية، وإرادة واعية، وروح تستحق الاحترام والإجلال.

 وكان انفتاح تركيا على سوريا بفتح الحدود بين البلدين وإحياء خط أسطنبول الحجاز ليس فقط إنجازاً عظيماً ينهي قرناً من القطيعة المؤسفة بين أمتين لهما تاريخ مشترك مهما كان نوع ولون ذلك التاريخ، بل كان خطوة هامة على طريق دخول تركيا الاتحاد الأوربي. سوريا هي بوابة تركيا إلى العالم العربي، والانفتاح عليها كان خطوة هامة على طريق دخول تركيا الاتحاد الأوروبي، لأن البلدين كانا في طريقهما إلى تكوين منطقة تجارية حيوية على أطراف الاتحاد الأوربي، لها أهمية كبرى لذلك الإتحاد، خاصة إذا انضم إليها العراق والأردن ولبنان. وكانت تركيا لتلعب دور المحرك لهذه المنطقة بفضل كون اقتصادها أقوى الاقتصادات في المنطقة، فتملك بذلك ورقة قوية في مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

 فماذا حصل للسيد أردوغان حتى خرّب ذلك بجرة قلم بإسم الدفاع عن الديمقراطية للشعب السوري؟ ترى هل السعودية أو قطر التي أصبح شيوخها أصدقاء سوء لأردوغان أكثر ديمقراطية من سوريا حتى يطالب أردوغان بالديمقراطية في سوريا ويسكت عن الهمجية وانتهاك أبسط حقوق الإنسان في السعودية؟ هل إسلامية أردوغان تجعله في نفس القارب مع شيخ قطر المتخلف عقلياً أو مع ملك السعودية الخرف؟ الأمر ليس كذلك. حين نجيب على هذا لا ينبغي لنا أن ننسى طبقة التجار ورجال الأعمال والصناعيين الأتراك .. طبقة الرأسماليين الصاعدة التي تمسك بالعصب الحساس لبلد يضم ثمانين مليون إنسان .. مصالح تركيا.

 إن موقف السيد أردوغان تجاه سوريا له على الأغلب تفسير واحد. لقد أرتكب أردوغان، من وجهة نظر المصالح التركية، "خطأً" كاد يكون ستراتيجياً في قضية ليبيا حين تصرف إنطلاقاً من كونه رجلاً طيباً فرفض الموافقة على تدمير ليبيا وقتل الليبيين، وكاد ذلك يتسبب بضرر كبير لمصالح الطبقة الرأسمالية التركية وبالتالي لتركيا – ضياع مستقبل الاستثمارات والمشاريع التركية في ليبيا ما بعد القذافي، لولا أنه تدارك "الخطأ" حين أدرك تصميم حلف الناتو وخدمه الخليجيين على تدمير ليبيا، فتراجع عن موقفه الإنساني. وحين بدأت أحداث سوريا قرأ أردوغان نفس الإصرار في عيون الناتو وعربان الخليج على إسقاط الأسد فقرر أن يتفادى تكرار "خطأ" ليبيا، بل وأبدى تحمساً غير طبيعي للديمقراطية المزعومة في سوريا من خلال إعطاء المهل للرئيس السوري ومن ثم التهجم عليه شخصياً. كان واثقاً من سقوط الرئيس الأسد، ويبدو أنه رأى أن يستفيد من التعاون الاقتصادي الواسع مع الخليجيين مؤقتاً بأن يشاركهم مساعيهم من البداية، ويجمد الإستفادة من الانفتاح الستراتيجي على سوريا، إلى حين سقوط الأسد، على أمل أن يعود إلى الدخول عبرها لاحقاً وبقوة أكبر باعتبار أنه قدم الدعم للـ "ثوار المطالبين بالديمقراطية".

 كل العقلاء في تركيا يدركون أن علاقة تركيا مع سوريا علاقة ستراتيجية من باب التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والبشر الموجودين على جانبي الحدود. أما مع عربان الخليج فلتركيا مصالح اقتصادية. لكن هذه المصالح لن ترقى أبداً إلى حد انجرار تركيا إلى خوض الحروب نيابة عن هؤلاء الأباعر.

 لقد أسقط بيد السيد أردوغان، وصارت قضية سوريا أكبر مما ظن الكثيرون. لم يكن الأمر مسألة مهل لأسبوع أو أسبوعين. وهنا، هنا فقط وقع السيد أردوغان تحت ضغط حقيقي، فهو يفعل ما يفعل تجاه سوريا ليس من باب وضع نفسه تحت تصرف عربان الخليج، بل نتيجة التزامات بلده في حلف الناتو.

 هناك نقطتان لا بد من الإشارة إليهما فيما يتعلق بالآمال التي يعقدها العربان على قدرتهم على استدراج تركيا إلى الحرب نيابةً عنهم أو على الأقل وضعها مقابل إيران. أولاً، لا أردوغان ولا غيره في تركيا يمكن أن يكون صدام حسين الذي كان يتخذ قراراته لوحده، ولذلك ابتلع الطُعم الخليجي السام بسهولة، وذهب لمحاربة جاره. تركيا ليس فيها دكتاتور. وأردوغان ليس ملك الأردن حتى يؤجر جنوده لمجلس الأباعر الخليجي مقابل بضعة ملايين من الدولارات. ثانياً، إذا كان السيد أردوغان يؤمن فعلاً بأنه حفيد ووريث العثمانيين فلا شك أنه يحتقر ويبغض في دواخله حكام السعودية لأنهم في آخر المطاف أحفاد أولئك الـ (بيس عرب .. خاين عرب) الذين طعنوا العثمانيين من الخلف، وتعاونوا مع الانجليز والفرنسيين على إسقاط الخلافة الإسلامية. لن يسمح أحد في تركيا، سواء أكان من ورثة العثمانيين أو من ورثة أتاتورك، لأردوغان، حين يلاقي بعيراً، أن يجعل البعير يقوده حيث يشاء. عليه أن يكون راكب البعير، ويسخره لخدمة المصالح التركية.

 ولهذا، صديقي القارئ، فإن "عرس" ثوار الناتو في حلب الذي نطلق على مثله في العراق تسمية "عرس واوية" (الواوي: إبن آوى) قد انتهى لأن السيد أردوغان وصل إلى الخط الأحمر المرسوم له من قبل أسياد تركيا الرأسماليين، فخطوة أخرى ويكون قد تجاوز الخط، وعرّض مصالح تركيا للخطر. الهدوء سيعود إلى الحدود السورية التركية قريباً، وليس أمام العربان الآن إلا نقل موقع الفصل الأخير من "عرس الواوية" إلى مقربة من أحد الأعضاء الجدد لمجلس الإبل الخليجي، حيث ملك دم جنوده أرخص بكثير من دم الجندي التركي! إلى درعا.

 مع هذا، صديقي القارئ، فقد كان مؤسفاً ومحزناً أن المسلسلات التركية الرائعة ذات المحتوى الثقافي الرومانسي الجميل، والشخصيات الجذابة، طغى عليها على مدى شهور طويلة مسلسل دموي مقرف عنوانه "بيس حمد" (الوسخ حمد)، وبطله شيخ قبيح متخلف عقلياً، وفي وجهه وساخة خَلقية غريبة وكأنه لم يخلق من طين، مثل بقية البشر، بل من الأوساخ التي تلفظها الحمّامات التركية. زعزع هذا المسلسل في أذهاننا ما حاول مسلسل "وادي الذئاب" أن يزرعه فيها. لكن المهم هو أنه انتهى، وليس هناك من مشاهد يريد أن يشاهده من جديد. وعزائي أنا هو أني أرى أن التاريخ، والحمد لله، لن يعيد نفسه هذه المرة، وتركيا لن تكون مقابل إيران.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز