نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
انشقاق رياض حجاب: متى سيسقط النظام السوري؟

انشق مساء أمس، فاراً إلى الأردن "الشقيق" المدعو رياض حجاب بعد عمر مديد قضاه بالصلاح والتقوى في أروقة نظام البعث الذي يحكم سوريا للعقد الخامس على التوالي. ولم يترك هذا الحجاب منصباً يعتب عليه، ولا مرتعاً سلطوياً إلا وشبع منه مذ كان طالباً جامعياً، في الوقت الذي لا يحلم به ملايين السوريين بمنصب فراش في دولة البعث، وعلى باب أمثال هذا الحجاب وغيره ممن تسلطوا وجثموا دون وجه حق، أو شرعية ما لا انتخابية ولا وطنية ومن دون تمتعتهم بأية مواهب قيادية ولا عملية، على رقاب السوريين لعقود طويلة كانت كفيلة بأن تنقل سوريا من دولة حضارية ومتقدمة لتضعها إلى جانب زميلاتها وشقيقاتها العزيزات في قطيع الفشل والانحدار البنيوي كالصومال والسودان وموريتانيا من دول البطون الضامرة والخزائن الفارغة.

 وثمة أسئلة كثيرة مؤلمة تخطر للذهن في معرض تناول همروجة هذا الانشقاق، وغيره من التمثيليات و"الأفلمة" التي يقوم بها رموز الفساد والنهب والتسلط والقهر الأبدي والإفقار المزمن للشعب السوري من مثل: متى كان المسؤول البعثي ذا مصداقية ويمكن الوثوق به حتى نكتشف ونفاجأ بنفاق رياض جاب وغيره؟ ومتى كان قلبه، أصلاً، على بلده وشعبه ووطنه؟ ألا يعلم الجميع في سوريا وخارجها ما يكنه السوريون لرؤساء وزرائهم التاريخيين المرعبين من أصحاب الأسماء التي مصت دماء السوريين وحولتهم إلى أشباه آدميين، بعدما استباحوهم وجعلوهم من أفقر شعوب الأرض ومارسوا عليهم كل صنوف البطش الاقتصادي الإفقاري التجويعي والدجل والرياء والنصب والاحتيال في واحدة من أغنى بلاد العالم؟ فما الذي يميـّز، عملياً، رياض حجاب عن غيره من مسؤولي البعث التاريخيين؟ ومن هو المسؤول البعثي الذي يحمل ذكرى طيبة وناصعة في ذاكرة السوريين خلال كل هذه العقود وهذه السنين؟

 رياض حجاب، مثل غيره من حيتان التسلط البعثي الأبدي، من يوم يومه وهو مسؤول بالدولة ومدلل ومحظي ومحبوب عند نظام البعث و"يتنطوط" من منصب لمنصب ولم يبق له، على ما نعلم والله أعلم، سوى المنصب الأول حتى يكحل ناظريه به؟ وعلى ماذا كل هذا الغنج والدلال؟ فلا أحد يعرف ويدرك بالضبط ما الذي قدمه لي كمواطن سوري معثر وفقير و"مشحر" و"مستوي"؟ وما هي النقلة التي احدثها في حياتي المعطلة كمواطن بسيط؟ فقد تنقل هذا الرياض بين مناصب حساسة وهامة لا تحلم بها إلا قلة قليلة معروفة تماماً في سوريا، فمن رئيس اتحاد طلبة، إلى أمين فرع حزب بعث، الله يعزكم، إلى محافظ، إلى وزير، إلى رئيس وزراء، ومن ثم إلى منصب منشق وأنتم أكبر قدر وهو لا يليق به حتى و"مبهبط" كثير عليه هذا إذا علمنا أن عظماء ومبدعين كساخاروف الروسي وفاكلاف هافل التشيكي كانا في يوم من الأيام منشقين عن الامبراطورية الحمراء.

ومن هنا لا أستغرب انشقاق وخيانة أي مسؤول بعثي؟ فمن يكذب من خمسين سنة ميلادية على نفسه وعلى الآخرين، وتدخل رأسه الخزعبلات والأوهام القومجية الطوباوية، فمن الممكن أن يفعل أي شيء. فلماذا يستغرب البعض انشقاق مسؤولي البعث الذين ينكشفون اليوم على حقيقتهم العارية المجردة كجبناء ومتخاذلين ومتقهقرين بعد خداع استمر عقوداً طويلة والتلطي وراء أفكار وخرافات وأوهام سياسية غير قابلة للتحقيق. بكل الأحوال، وبالمطلق والنهاية، رياض حجاب، مع كثيرين مثله، ليس أكثر من بيدق وحجر شطرنج، وقد وصل إلى منصبه بالتعيين، ومن قام بتعيينه قادر على تعيين غيره، وهو منصب فخري غير تنفيذي ووظيفي شكلاني، ومن هنا لا أهمية له ولا للمركز الذي يشغله طالما أنه لم يأت بإرادة وإجماع شعبي انتخابي، ولا يمثل أي مركز ثقل حقيقي ولا قوة سياسية معارضة أو موالية على الأرض، ومتي يخيف انشقاق رياض حجاب، وأمثاله، فعلاً، حين يكون ممثلاً حقيقياً للشعب، ومنتخباً ويمثل شرائح عريضة.

 بهذا المعتى لا يمثل رياض حجاب سوى نفسه، ولا يكلف أكثر من مرسوم تشريعي يقيله أو يعينه. لقد جرت العادة ألا ينشق المسؤولون في الدول الديمقراطية، لأنهم يصلون لمناصبهم بإرادة شعبية وانتخابات حرة فلم نسمع عن اتشقاق أي مسؤول غربي بينما حفلت المنظومات الشرقية والاستبدادية بمئات حالات الانشقاق. وحدها الأنظمة الشمولية التي لا يصل فيها الفرد إلى مركز مرموق تحصل فيها مثل هذه الخربطات. وفي نهاية العام 2005 انشق المدعو عبد الحليم خدام بنفس الطريقة والتطبيل والتغطية الإعلامية وقال وقتها بأن نهاية النظام السوري باتت وشيكة وقبل أن يتجدد جواز سفره.

 وها هو قد حصل على الجنسية الباريسية جراء إقامته الطويلة والمديدة في باريس، وقبلها الجنسية السعودية وكان مسؤولاً في النظام (لا أدري هنا كيف بقي من يحمل الجنسية السعودية في منصبه كل تلك العقود)، المهم ما علينا، النظام لم يسقط بانشقاق نائب الرئيس، وربما لن يسقط حتى بانشقاق من هو أعلى من منصب نائب الرئيس، فمن هو هذا الحجاب وما هو وزنه الحقيقي في الشارع حتى يؤثر على النظام ويسقطه بالضربة الانشقاقية القاضية هذا إذا علمنا أن المال والإغراء السياسي يقف وراء معظم المنشقين؟ وهنا لا ندري إن كان حجاب وغيره، على هذه الدرجة من الغباء بحيث لا يكتشف النظام على حقيقته إلا خلال فترة الربيع العربي وهو الذي قضى دهراً بين ظهرانيه، فما الذي تغير عملياً على بنية وطابع النظام حتى يحصل الانشقاق؟ الأمر برمته محض دجل رخيص وهراء.

 ومثال بسيط، حين كنا نعارض ونرفع الصوت ونكتب هنا وهناك مرة غمزاً وتارة لمزاً وننتقد الفساد، في عز وأوج سطوة النظام، أين كان هذا الرياض وأضرابه الأفذاذ من ثوار الغفلة التاريخية؟ ملاحظة عابرة لوجه الله ولأولي الألباب لا يجب، ولضمان عدم حدوث أي انشقاق، أن يتم تعيين أي مسؤول في أي منصب رسمي بناء على أي اعتبار إيديولوجي أو نفعي أو محسوبيات أو شللية، كما درجت العادة، فلا يمكن الوثوق أخلاقياً بالفاسد والوصولي والانتهازي وطالب الدنيا وطالب المال فالوطنية والإخلاص لا تجتمع ولا تستقيم لا مع هذا ولا مع ذاك، بل أن يتم تولي المناصب العامة بناء على اعتبار وتميز إبداعي وإنتاجي وسمعة أخلاقية معتبرة ومعروفة للجميع. بمعنى أن يكون الصناعي الأول هو وزيرا الصناعة والمعلم الأول الذي خدم، لا هدم، الأجيال هو وزير التربية، والمزارع الأول وزير للزراعة، والإعلامي الأول وزير للإعلام، والأكاديمي المرموق صاحب أكثر الأبحاث الأكاديمة مثلاً وأكثرها عدة وعدداً ومصداقية هو وزير التعليم العالي، والدبلوماسي الأول الذي خدم بلده دبلوماسياً وعلى مدى عقود طويلة هو وزير الخارجية، والكاتب والمثقف الأول صاحب الإبداعات الأدبية والسمعة الدولية وزيراً للثقافة (لا إخونجياً ظلامياً سمجاً مغناجاً بليداً ثقيلاُ على القلب ليحتل المشهد الثقافي لعقود طويلة لأنه فقط الأقدر على "الكولكة" في الوقت الذي يـُفصل فيه أدونيس وهاني الراهب من اتحاد كتاب النظام بزعيمه غير الموهوب وشبه الجاهل ع.ع.ع)، وهكذا دواليك، أي حكومات تكنوقراط وعلى أن يكون لكل من هؤلاء إنجازاته الملموسة على الأرض والمعروفين على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لا أمثال مسؤولي البعث اكجهولين محلياً ولا يتمتعون بأية مواهب وإمكانيات والذين يمتطون صهوة الوطن لعقود، وبالكاد يعرفهم أبناء قريتهم، فقط يرتقون وظيفياً لأنهم انخرطوا في التنظيم الطوباوي للرسالة الخالدة ولأنهم يجيدون أساليب الكولكة وتمسيح الجوخ وكتابة التقارير الكيدية بزملائهم و"طق البراغي" لهذا وذاك ولأزعومة إيمانهم الظاهر والكاذب بإيديولوجية البعث الطوباوية الخالية من الكوليسترول الفكري والعقلاني والمنطقي. فتعيين الأكثر قدرة على الدجل والكذب وتمسيح الجوخ و"الكولكة" وكتابة التقارير الأمنية والنميمة والوشاية فهذا لن يؤدي إلا إلى الكوارث التي نعيشها اليوم.

 متى سيسقط النظام؟ بات النظام السوري، اليوم، وبفعل الربيع العربي، في صلب المعادلات الدولية القائمة والناشئة، ولا يمكن فصله عنها إلا بصراع دولي وحرب كونية أكبر ليس بمقدور الغرب الأطلسي المنهار عملياً القيام بها اليوم، وأما مناوشات ومهاوشات ومداعبات العصابات الخليجية التركية الأطلسية البائسة له في ملعبه و"حرفته" الأصلية فهذه كلها عبث ومضيعة للوقت ولا تسمن ولا تغني من جوع ولن تؤدي لإسقاطه مطلقاً وأثبت جيش سوريا الوطني القوي المتماسك تفوقه عليها وقد تمكن فعلاً من التصدي لـ، وإخماد كل البؤر المسلحة التي واجهته حتى في بابا عمرو التي اعتبرت ذات يوم معقل الأطلسي الأمني والتجسسي واللوجستي الاستراتيجي الأهم.

إذ أصبح بذلك عصب منظومة دولية أمنية واستراتيجية واسعة تضم أكثر من نصف سكان العالم، وبات لذلك حلبة تحد حقيقي كما هو نقطة تلاقي مصالح متضاربة ومتقاربة بين قوى زائلة ومهزومة ومفلسة وقوى صاعدة أقوى وأرسخ على الأرض ولن تتخلى عنه بسهولة، ولننس مؤقتاً همروجات الإصلاح وحقوق الإنسان وديمقراطية العم سام، فانشقاق هؤلاء الممثلين والإمعات والبيادق الصغيرة لن يكون له أي أثر على بقاء أو زوال النظام.

فحين ينشق فقط، فلاديمير بوتين، وجيانغ زيمين، وأحمدي نجاد، وهوغو تشافيز، والرئيس الهندي، والبرازيلي (لا أدري إن كانت امرأة)، عن النظام ويرفع الغطاء البريكسي الصيني الروسي عنه فحينها فقط قولوا جميعاً "باي ياي" للنظام السوري.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز