د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
السعودية .. الجاهلية والإعجاز القرآني ج2

إن القول بأن العربية هي لغة العقل – والأخطر من ذلك، الزعم بأن القرآن لهذا السبب أنزل بالعربية، هو اصطفاف مع هذه النظرة العنصرية، وهو قول يجافي الحقيقة، فالقرآن، وليس أي كتاب من قبله، هو الذي ورد فيه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات: 13) و{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} (سورة الروم: 22). القرآن الكريم لم ينزل بالعربية لأنها لغة العقل، فالله وهب العقل لكل بني البشر على اختلاف لغاتهم، ومكّنهم من استخدام لغاتهم كما يريدون، وهو سيحاسبهم جميعاً يوم القيامة - لأنه وهبهم العقل.

 ثم إن اللغة العربية نفسها لم تكن يوم نزل الكتاب المبين ناضجة إلا في جانبها الشفهي ومتجسدة في قول الشعر، وأي شعر؟ الشعر الذي ليس فيه لا محتوى فكري ولا فلسفي ولا روحاني، شعر المجون (أو الغزل في أحسن حالاته)، والفخر، والهجاء، والعربدة، وجفوة الصحراء؛ إن ما نراه في الشعر الجاهلي هو أن اللغة العربية استخدمت أكثر ما استخدمت للتعبير عن العواطف والإنفعالات إلى حد مدهش يظهر جلياً في المعلقات، وهذا ما أراده المتكلمون بها، لأن طبيعة علاقاتهم القبلية التنازعية كانت تولد الكثير من الإنفعالات، مما جعلهم ينزعون إلى التعبير عن تلك الإنفعالات أكثر من الميل إلى التعبير عن التفكر العقلاني، بينما القرآن الكريم استخدم اللغة العربية أكثر ما استخدمها للمحاكمة العقليةً، ولهذا قال رب العرش العظيم عنه إنه أنزل بلسان عربي مبين، وتحداهم أن يأتوا ولو بآية من مثله، ولم يستطيعوا. لماذا؟ ألم تكن العربية لغتهم؟ ألم تتوفر لهم كل الأدوات والمستلزمات في خزائنها؟ بلى، لكنهم لم يكونوا ميالين إلى استخدام تلك الأدوات والمستلزمات إلا للتعبير عن واقعهم الإنفعالي، ولم تكن لهم علوم يصوغون حقائقها العقلية بلغتهم، فكان يستحيل عليهم حتى إبتداع فكرة من أفكار القرآن المجيد.

 ودعنا ننظر في الجزء الأخير من أسئلتنا، حول ما يجعل منزّل القرآن يأمل في أن إنزاله بالعربية سيجعل من يقصدهم ويتوجه إليهم سـ"يعقلون"، وهنا أتمسك أنا بأن المقصودين ليسوا العرب المعاصرين لنزول الوحي، أهل مكة، وحدهم، بل كل من يقرأ القرآن في أي زمان وفي أي مكان. إنه خطاب موجه للعالمين أن انظروا أني أنزلت هذا القرآن بالعربية وآمل منكم لذلك أن تعقلوا. وهنا سيقول الفرنسيون والروس والصينيون وغيرهم إذا قرأوا القرآن "إن رب المسلمين يقول إنه أنزل القرآن بالعربية لنعقل"، أو يمكنهم أن يسألوا "لماذا عسانا نعقل نحن لأن الله أنزل القرآن باللغة العربية؟" لا جواب مقنعاً على ذلك إلا أن يكون إنزال القرآن عربياً إعجازاً، وليس مجرد تكريم للغة العربية أو للاستفادة من تفوقها، إعجازاً يجعل كل إنسان، عربياً كان أو أعجمياً، يعقِل لأن القرآن أنزل بالعربية.

 ولنفهم هذا الإعجاز لا مناص من النظر إلى مجتمع الذين كانوا يتكلمون العربية وقتها، مجتمع مكة ذاته، وقد توسع الآن وشمل الرياض وجدة، ودخل في العشرية الثانية من القرن الواحد العشرين، لنفهم لمَ يقول سبحانه إنه أنزل القرآن عربياً (بلغة ذلك المجتمع الجاهلي) لعل (قارئيه أو سامعيه) يعقلون.

 الإفتقار إلى العقل والعقلانية. لنتذكر هذا جيداً ونحن ننظر في المثال التالي: اليوم تعتبر مكة المعاصرة، أو ما تسمى بـ "المملكة العربية السعودية"، من بين أغنى دول العالم بفضل وارداتها من النفط. إنها، مثلاً، أغنى من بلد اسكندنافي ينتج النفط أيضاً، النرويج. لكن مقارنة في غاية البساطة بين البلدين تكشف لنا فوارق كارثية. لا، لن أدخل في تفاصيل الفوارق بين السعودية والنرويج لأن المقارنة نفسها ستحتج علينا وتغضب إذا عقدناها بين هذين القطبين المتنافرين، لكني سأمس باختصار نقطتي اختلاف: الأولى أن المواطن النرويجي يطّلع على كيفية صرف الدولة لكل كرونة تدخل في خزينتها على تطوير المجتمع النرويجي ورفع مستواه المعاشي والثقافي؛ وثانياً، أن الدولة النرويجية تقتطع سنوياً جزءً من واردات النفط وتضعه في حساب يخص الأجيال القادمة من النرويجيين (الذين سيولدون بعد نضوب النفط)، أي إن الإنسان النرويجي الذي لم يولد بعد له حصة مضمونة من واردات نفط بلاده – هكذا هم النرويجيون – والقرآن لم ينزل بلغتهم. أما مملكة خادم الحرمين فثلث ميزانيتها غير خاضع للرقابة أصلاً، إنه الثلث الذي يذهب إلى توفير الفساد والفسق والفجور للعائلة المالكة، نساءً ورجالاً، وللأمراء وسدنة البلاط. وما هي أوجه صرف الثلثين الآخرين؟ هناك ثلاثة أوجه رئيسية لصرفها: أولاً) يُخصص جزء كبير من هذه الواردات للأجيال القادمة من الصهاينة الذين لم يولدوا بعد، حيث أنها تودع في بنوك صهيونية في الولايات المتحدة وغيرها (وهي بذلك تصبح مستقبلاً ليس من نصيب المواطن السعودي الذي لم يولد بعد، بل من نصيب أحفاد الصهاينة أصحاب تلك البنوك حين تأتي الساعة التي تجمد فيها أرصدة آل سعود، ولن تعاد إلى السعودية إطلاقاً حيث إن هذه المملكة ستتحول إلى دويلات لا يحق لأي منها أن تدعي أنها وريثة الـ X-Saudi Arabia)؛ ثانياً) جزء آخر من أموال النفط صار يستخدم في إنشاء القنوات الفضائية الإباحية، أو قنوات التسميم الإعلامي مثل قناة العربية وملحقاتها؛ ثالثاً) جزء معتبر من هذه الأموال يستخدم في تمويل حروب أمريكا ضد شعوب العالم، في البداية في أمريكا اللاتينية ثم في أفغانستان، ثم في العراق، ثم ليبيا والآن في سوريا، أي لقتل المسلمين والعرب. كل هذا في وقت يعاني فيه الناس في مملكة آل سعود الآن من الفقر والعوز الاقتصادي، ويعيش قسم كبير منهم تحت خط الفقر. وغير ذلك فإن المملكة (لو قارناها بالنرويج والعياذ بالله) تعاني من الجدب الفكري والقحط الإبداعي وانعدام الروح الإنسانية والتصحر الوجداني، وغياب أبسط حقوق الإنسان.

 لا، طبعاً لا معنى للمقارنة بين مملكة آل سعود وبين النرويج، الأولى بنا أن نقارن ما هو قائم الآن في مملكة آل سعود وما كان قائماً في مجتمع مكة على عهد نزول القرآن المجيد من الغنى الفاحش وطغيان السادة وفسادهم وظلمهم وسفههم من جهة والفقر والعبودية والجهل من جهة أخرى. إننا سنصاب بالذهول والصدمة من أوجه الشبه، بل التطابق – مكة عام 610 (سنة بدء نزول الوحي وبدء حرب قريش على الإسلام) ما تزال هي هي في عام 2012 (سنة صرف مليارات النفط على تسليح المرتزقة لقتل الشعب السوري). هذه المملكة هي إعادة إنتاج للجاهلية بكل تفاصيلها بهبلها وأبي لهبها وأبي سفيانها وأبي جهلها وعبوديتها وتجارتها في الرقيق. لنتنبه إلى هذه الحقيقة الصادمة: قريش مكة قاطعت الرسول وأتباعه وحاصرتهم في شعاب مكة، ومنعت عنهم الطعام والبيع والشراء والزواج حتى أن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ماتت في ظل الحصار .. وفي الوقت نفسه كانت قريش تتحالف مع بني قريظة والقينقاع! سبحان الله، السعودية اليوم تفرض الحصار والجوع والخراب على السوريين وتتحالف مع إسرائيل!! قريش كانت تظن أنها تستطيع بأموالها شراء الرسول الأكرم. قالوا لأبي طالب "إن جاء إبن أخيك يريد ملكاً ملّكناه علينا، أو جاء يريد مالاً أعطيناه من أموالنا حتى يصبح أكثرنا مالاً". سبحان الله، ها هم آل سعود يظنون أن اموالهم الوسخة يمكن أن تشتري ضمائر كل الناس وولاءهم وقضاياهم، وهم يعرضون الجاه والمال على كل من يتخلى عن ضميره. قريش ظلت حتى قيام الإسلام خانعة خاضعة لكسرى الفرس وقيصر الروم، أما العرب الذين ابتعدوا عن مكة وجاهليتها، الغساسنة في الشام، والمناذرة في العراق، فقارعوا وناطحوا الإمبراطوريات الظالمة بلا هوادة (معركة ذي قار مثلاً). آل سعود يتفيؤون اليوم في ظلال بساطير الامبراطورية الأمريكية، بينما كل العرب من حولهم يتصدون للأمريكيين وربيبتهم إسرائيل.

 والأهم من كل ذلك هو أن الجدب والخواء الفكري والروحي وعبادة الملك في السعودية الآن واقع لا يماثله إلا ما كان سائداً في مكة قبل نزول الوحي من الجدب والخواء الفكري والروحي وعبادة هبل.

 دعنا نسأل: ما هو احتمال أن تنجب السعودية الآن مجرد مفكر من وزن روجيه غارودي (نأخذه مثالاً لأن الرجل كان قد أعلن إسلامه)، أو أن يتم فيها تأليف كتاب أو رواية ترقى إلى مستوى روايات نجيب محفوظ (لا نقول كتب طه حسين حتى لا نكون متشددين مع مملكة هبل)؟ غير ممكن. إنه مستحيل، فغارودي برز في بيئة تتميز بالخصب الثقافي والغنى الفكري وحرية الرأي والتفكير، ونجيب محفوظ هو نتاج حضارة عمرها سبعة آلاف سنة، بينما من يسمي نفسه خادم الحرمين عربيد جاهل ليس له ذرة من عقل جارودي ولا شطحة من قلم نجيب محفوظ، فلا يناسبه إلا نظام يولد الجهلة. وإن وهب أحد مواطني هذه المملكة قدرة على الإبداع فلن تظهر إلا إذا فعل كما فعل الغساسنة والمناذرة من قبل - الإبتعاد عن المجتمع الجاهلي في مكة. السعودية لا يمكن أن تنجب إلا ملكاً لا يعرف ألف باء اللغة العربية، وأمراء على شاكلة أبي لهب وأبي جهل وأبي سفيان، يذلون قومهم، و"علماء" دين يفتون في رضاعة الكبير وبجواز قتل الناس حتى في الأشهر الحرم، ويؤلبون المسلمين بعضهم على بعض في حرب طائفية بغيضة؛ هنا يتبين الإعجاز في {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون}، فالسعودية اليوم هي النسخة المحسنة من مكة في زمن الجاهلية. وإذا كان يستحيل بروز جارودي أو محفوظ في النسخة المعاصرة المحسنة، فلنتصور الإعجاز في أن هذه البيئة العقيمة في القرن الواحد والعشرين هي نفسها التي أنجبت قبل أربعة عشر قرناً رجلاً كمحمد بن عبدالله بيده هذا الكتاب المبين!

 يقول القرآن نفسه عن الرسول الأكرم إنه كان أمياً. أية غرابة في أنه كان أمياً وهو قد ولد ونشأ في مكة؟ وهذا الرسول الأمي جاء ليعلم أهل هذه البيئة الجاهلية ليس فقط أن عبادة الأوثان سفه، بل ويعلمهم النظافة والطهر، وينهاهم عن أكل الميتة والنطيحة وما أكل السبع، وعن وأد البنات. هذا ما كان يفعله أجداد خادم الحرمين، وهو نفسه يأكل اليوم لحم أخيه ميتاً. رسول جاء ليعلمهم أن لا يبخسوا الميزان ولا يأكلوا مال اليتيم، ولا يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأن لا يرموا المحصنات، وأن لا يغتابوا، بل ويعلمهم الردّ على التحية، بل وأن لا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم قبل أن يستأنسوا ويسلموا على أهلها. يا إلهي أي مجتمع غير مهذب كان ذلك المجتمع إذاً بحيث أنه كان يحتاج إلى تعلم كل هذه المباديء الأولية للحضارة؟ لهذا نفهم لماذا قال الرسول الأكرم عن نفسه بلسانه "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، أي إن أدبه لم يأت من بيئة مكة، بل هو من عند الله. لا غرابة! ومع هذا لم يتعلموا أي شيء مما حاول القرآن أن يعلمهم إياه، فها هم مثلاً يدخلون إلى سوريا، وهي دولة، بيت، يدخلونها دون استئناس مثل اللصوص عبر الأردن وتركيا ولبنان ليقتلوا أهل البلد بدون حق.

 نعم، رسول ما كان إلا أن يكون أمياً لأنه برز في بيئة أمية كما هي مملكة آل سعود اليوم، ولكن يأتي بكتاب يُذهل، بعد أربعة عشر قرناً من نزوله، علماء وأدباء ومفكرين وفلاسفة ولدوا وهم لا ينطقون بالعربية – صاروا يعقلون والعربية ليست لغتهم! ومكة نزل فيها الوحي، ولم يبرز فيها لا قبل الوحي ولا بعده مثل ما برز في كل مدن الإسلام لاحقاً، بغداد، ودمشق، والقاهرة، والقيروان، وفاس، ومكناس، ومدن الأندلس، غرناطة، وقرطبة، واشبيلية، ومدن الشرق، شيراز، وإصفهان، وإسطنبول، بل ومدن آسيا الوسطى، طشقند، وسمرقند، وبخارى، بل ومدن ماليزيا وأندونيسيا والصين، من علماء في كل مجالات العلوم، حتى علوم اللغة العربية. مملكة هبل وآل سعود لم تنجب إلا شيوخ الإفتاء بالقتل والجلد وحرمان الإنسان من إنسانيته. أليس أمراً يدعو للتأمل أن أهم كتاب في العالم على الإطلاق، القرآن المجيد، نزل في تلك البيئة وبلغتها؟ كتاب عربي لم يسبقه ولم يله مثيل لا في مكة ولا في غيرها!

 {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} آية تخاطب الذين يمكن أن يعقلوا، أن انظروا أن هذا القرآن الذي لم يترك جانباً من جوانب الكون إلا وتناوله بأسلوب عقلي ووضع فيه محتوى هائلاً من العلم، وستبقى آياته معاصرة في كل زمان، أنزل بلغة قوم هم أجهل الناس وأكثرهم فساداً في زمنكم، فقيسوا على ذلك كم كانوا جهلة يوم نزول القرآن. لا يمكن لهذا القرآن وقد أنزل بلغة مجتمع الجدب والقحط والمحل الفكري والأخلاقي والروحي إلا أن يكون من عند الله، وإلا لكان ظهر، مثلاً، أسوة بكتب سقراط وأفلاطون وأرسطو في المجتمع اليوناني القديم الذي كان غارقاً حتى سمت رأسه في العلوم والثقافة والحوار العقلي والفلسفة. إن الآية الكريمة ليست إلا إبرازاً لوجه مهم من إعجاز القرآن، تماماً كقوله تعالى {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ} (سورة النحل: 66). جلّت قدرتك يا إلهي







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز