الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
النافذة الثقافية - ضرورة الثقافة

لقد عانت حركة الثقافة التوجيهية في العراق في الثلث الاخير من القرن العشرين ابان الحكم السابق تصدعا جذريا مفزعا،  يصعب تصوره، يكفي ان نعرف ان الحروب الخارجية التي خاضها النظام، وسياسته القمعية قد خلفت الملايين من الشباب الأمي، يجهلون القراءة والكتابة. يعانون من بؤس ثقافي وفاقة فكرية، قاربت حافة العدم. 

 

لكن بعد التحرير برزت شهوة الرقي الثقافي في اوساط واسعة من الشباب بشكل يلفت النظر. يذكرنا بالجاحظ زمن العباسيين – بعد ان جُلبت صناعة الورق من الصين وانكب الكتاب يؤلفون – وهو يصف نهم العراقيين على التوعية المعرفية،

( كأنقضاض الاسد على فريسته )

لا زلت استذكر زيارتي الى بغداد عام 2003 بعد ان تنفس ابناء الوطن طعم الحرية، حيث التقيت خلالها بطريق الصدفة بمعلم ابتدائية متقاعد، و طلبت منه ان يحكي لي عن وضعه الاقتصادي، فقال: كان راتبي التقاعدي دولارا واحدا في الشهر خلال السنوات الاخيرة.  وعندما حدث التغيير، اعطوني ستين دولارا، قبل ان يتحدد راتبي التقاعدي الجديد – وهنا قاطعته مستوضحا: وماذا فعلت بالمبلغ ؟ فقد كنت انتظر منه ان يقول :  ذهبت الى السوق واشتريت بكل المبلغ لحوما ووضعتها في البراد بعد ان حُرمت وافراد اسرتي من أكل اللحم سنوات طوال، لكن جاء جوابه على عكس ما كان متوقعا، حيث قال: نصبت به على سطح بيتي فضائية، لأطلع على اخبار العالم بعد ان حرمت منها عقود من الزمن، فتصوروا !

 

ومع اننا ما زلنا بعيدين عن الوقت الذي نستطيع فيه ان نقول ان الشباب العراقي يمكنه ان يجد كل ما يطمح اليه من الثقافة السامية الوافية في المؤلفات العربية، لكننا نستطيع ان نقول انه سيجد فيها ما ينبهه ويرقيه، ولن يكن الزمن بعيدا حين تزكو المؤلفات وتتفاعل مع مجتمعنا المتغير، فيكون التطور الذهني الذي ننشده، وعندئذ نستطيع ان نهتدي بثقافة حية في هذه البلبلة العصرية التي تتصارع فيها الافكار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فلا يخلو شاب من نزعة ارتقائية تبعث فيه الرغبة والنشاط كي يعلو على نفسه ويسمو الى مستويات ارفع من المستوى الذي يعيش فيه.  وهذه النزعة الى الارتقاء او كما يسميها – برنارد شو – شهوة التطور، تتخذ اشكالا مختلفة تتأثر بالبيئة الاجتماعية والمثليات المنشودة، فقد يطمح الشاب الى الثراء او الوجاهة او الرياضة او الدراسة، وقد يكون اختباره لواحد من هذه الاهداف او لغيرها طفليا متأثرا بسلوكه ايام الطفولة كأنه رواسب السنين الاولى من العمر، وقد يكون ناضجا قد نشأ عن وعي او بشيء منه. 

 

و حديثي هذا في الثقافة اقدمه كمحاولة لأرشاد الشباب نحو الارتقاء الثقافي في حدود البيئة الاجتماعية العراقية او العربية على وجه عام. او هو توجيه لشهوة التطور وفتح الابواب الى النشاط الدراسي .  فنحن نعيش في عصر انفجاري مملوء بالاحداث والانقلابات والثورات والحروب. ولم يحدث قط ان عاش البشر في مثل عصرنا.  ففي النصف الاول من القرن العشرين وخلال اقل من ثلاثين سنة، شبت حربان عالميتان، استعملت فيها القنبلة الذرية، وصعد الانسان الى القمر واتصل بالكواكب الاخرى في الكون. كل هذا يدل على ان وطأة العلم على المجتمعات قد اشتدت، وان الثقافة اصبحت ضرورة محتومة على كل انسان، واننا يجب ان نتغير ونتكيف ونتطور، لان الركود في مثل هذه الظروف جريمة  والتغير الذهني بالارتقاء الثقافي هو بعض هذا التطور او هو اهمه.

 

والتغيير الآلي في المخترعات يحدث حتما تغيرا في الانتاج والمواصلات، يعكس على  السياسة والاقتصاد وكذلك المجتمع، وبذلك تصبح الثقافة دائمة التغيير.  واننا اذا تكاسلنا وتحجرنا فإننا لا نرفض العيش وفق الاتجاهات الجديدة الجارية في العالم المتحضر فحسب بل انما نرفض الفهم والمعرفة وننساق في المجتمع كأننا حطام يحمله التيار حسب هواه دون الاخذ بأرائنا ومواقفنا.

 

فنحن سواء شئنا ام ابينا نعيش في مجتمع متطور، نحتاج الى برنامج ثقافي هو برنامج الحياة، بحيث نعيش لنقرأ، ونقرأ لنعيش.  وهذا البرنامج يقبل بالطبع التنقيح والتغيير.

ان مقالاتي الثقافية الاتية والتي تربوا على مئة وخمسين حلقة هي ارشادات وتوجيهات، و ايماءات للشباب. وسوف اتفادى الشرح والاسهاب معتمدا على ان القارئ النبيه ان يتمم ما نقص. أملي ان يعمل بها وينتفع منها خاصة اذا قرأ المادة بتأنّي والله ولي التوفيق                 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز