احمد قرداغي
sherdlmk@gmail.com
Blog Contributor since:
01 June 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
الانسحاب السوفيتي والامتداد الروسي - الصيني

في افغانستان وفي ثمانينات القرن الماضي تمكنت امريكا وبمساعدة الجماعات الاسلامية المسلحة (التي كانت ترعاها السعودية، والتي شكلت نواة ما سمي بعد ذلك بتنظيم القاعدة) وكذلك بفضل المال السعودي السخي من الحاق هزيمة ستراتيجية بالاتحاد السوفيتي وطرده من افغانستان، ولقد تواصلت هزائم الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشيوعي وتتابعت الانهيارات بعد ذلك بسرعة شديدة وبشكل غير متوقع. وفي غضون اقل من اربع سنوات انهار جدار برلين وتوحدت المانيا مجددا وانهارت الانظمة الشيوعية في دول اوروبا الشرقية وانهار الاتحاد السوفيتي نفسه وتفكك الى دول عديدة وانتهى حكم الحزب الشيوعي في روسيا بعد ان دام اكثر من سبعين عاما. واليوم نشهد حربا عنيفة دائرة في سوريا وهي في ظاهرها حرب محدودة قائمة بين النظام الحاكم في سوريا وبين المعارضة السورية على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها، ولكنها في الحقيقة وفي الباطن حرب ضروس تجري بين الامريكان والغرب والدول التي تدور في المدار الامريكي وفي مقدمتها (تركيا وقطر والسعودية والاردن) من جهة، وبين روسيا والصين ومعهما سوريا وايران وحزب الله الشيعي اللبناني من الجهة المقابلة.

 وفي وسط الطرفين المتقابلين تقف اسرائيل تراقب الوضع بدقة وقلق لتتدخل هنا او هناك لصالح الطرف الاول وبالكيفية التي تناسب اوضاع الدولة العبرية ومصالحها. وتلعب الجماعات الاسلامية المسلحة وعلى رأسها تنظيم القاعدة الدور العسكري التنفيذي الاساسي والمباشر في تلك الحرب، ويلعب المال السعودي - القطري الدور الاساسي في الدعم اللوجستي وفي تجنيد المقاتلين العرب وفي تمويل الحرب الاعلامية (والتي اصبحت الآن على قدر كبير من الاهمية وعلى درجة بالغة من التطور والحداثة وذلك بفضل الامكانات التكنولوجية الخارقة). لقد حدثت تغييرات هائلة بعد الانسحاب السوفيتي من افغانستان وانهيار الانظمة الشيوعية، ادت في مجملها الى ان تصبح امريكا اللاعب الاساسي الوحيد في الملعب العالمي. ومع ذلك فمن المؤكد ان مثل هذا الوضع لا يمكن ان يدوم، لأنه بالأساس وضع استثنائي غير قابل للاستمرار او الاستقرار في العالم الحديث المتحرك والمتشابك وفي خضم مصالح ومطامح واطماع دولية متناقضة ومتضاربة. فها هي الآن روسيا (والتي هي الوريث الفعلي الوحيد للاتحاد السوفيتي) قد لملمت اطرافها وتستعد لجولات جديدة تستعيد فيها امجاد الاتحاد السوفيتي الغابرة.

وبعد ان تحسنت اوضاع روسيا الاقتصادية وبعد ان اعاد الروس ترتيب بيتهم الداخلي اصبحت روسيا تبحث باصرار كبير واندفاع قوي عن دور رئيسي على الصعيد العالمي يتناسب مع قوتها وامكاناتها وتطلعاتها الستراتيجية. ولقد اصبحت المعادلة السياسية اشد تعقيدا وذلك بعد ان شرعت الصين (ذات الامكانات البشرية الهائلة والاقتصاد القوي المتنامي) في بذل محاولا ت حثيثة دائبة لتكريس قوتها الجبارة في دور سياسي عالمي يتجاوز نطاقها الجغرافي المحدود الذي ظل حبيسا فيه منذ امد بعيد. واما بالنسبة لايران فانها كانت ومنذ قيام النظام الجديد عام 1979 ولا تزال، تشكل معضلة دائمية ومستعصية على الحل بالنسبة للامريكان والغرب، وان المعالجات والمحاولات المختلفة التي لجأت اليها امريكا في صراعها مع ايران لم تحقق نتائج عملية حاسمة.

 وقد كانت اهم تلك المحاولات هي الحرب المدمرة والمديدة التي شنها الرئيس العراقي السابق (صدام حسين) على ايران بالنيابة عن امريكا (وكما اعترف صدام نفسه بذلك)، تلك الحرب التي دامت ثمان سنوات الا انها مع ذلك لم تنجح في وضع خاتمة لنظام الحكم او حتى زعزعة اركانه.

ولقد فرضت امريكا (ومن بعدها الدول الغريية) حصارا اقتصاديا مشددا على ايران، ورغم ان ذلك الحصار مستمر منذ امد بعيد ويشتد يوما بعد يوم الا ان الحصار قد فشل حتى الآن في تقويض نظام حكم رجال الدين او في تحقيق استسلام النظام للمطالب الامريكية. ان ايران الآن تمارس دورا رئيسيا مهما على صعيد منطقة الشرق الاوسط وتشكل مصدر خطر دائم على المصالح الامريكية و تشكل تهديدا قويا ومباشرا لاسرائيل ولدول الخليج وخاصة بعد دخولها (النادي النووي). ويدخل في سياق الدور الايراني الدور الفاعل والمؤثر لحزب الله في الجنوب اللبناني، ذلك الدورالذي يسبب الارباك الشديد لدى الاسرائيليين على الدوام ويشكل تهديدا جديا ومباشرا لهم فهو تهديد متربص عند عتبة دارهم. ان من الصعب جدا التكهن بنتائج الاحداث الجارية على الساحة السورية وبتداعياتها كما انه لا يمكن التكهن بالمسارات الرئيسية التي ستتحرك الاحداث من خلالها، ولكن مع ذلك كله فان من الواضح ان روسيا والصين قد اصبحتا عازمتين على عدم ترك امريكا لكي تبقى وحدها القوة الرئيسية التي تتحكم في العالم (حتى وان كان ذلك التحكم شبه الكلي موقوتا ويمتد لسنوات قليلة لاحقة).

 فهل سيكرر التاريخ نفسه وتنجح امريكا مدعومة بقوة عسكرية منفذة عمادها الجماعات الاسلامية المسلحة (وعلى رأسها تنظيم القاعدة والذي كان الامريكان يقولون عنه - والى وقت قريب جدا -انه من الدّ اعدائهم)، ومدعومة كذلك بمال سعودي- قطري وفير، في قهر الروس وطردهم من المياه الدافئة وحصرهم في عقر دارهم الجليدية، وهل انه سيتم هذه المرة (وبالتزامن مع دحر الروس) كبح جماح المارد الصيني وتبديد احلامه الاثيرة بالتوسع والامتداد الطبيعي عبر ارجاء العالم؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز