نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
العرب والغباء الاستراتيجي

في منتصف الشهر الفائت، تماماً، كتب سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي، مقالاً رصيناً وجاداً في صحيفة هفينغتون بوست البريطانية Huffington Post بعنوان على الجانب الصحيح من التاريخ On the Right Side of History، لخـّص فيه رؤيته للتطورات الراهنة على المسرح الدولي، لاسيما الشرق أوسطي، تحت أزعومة وبدعة الأطلسي السياسية وضلالته الكبرى المسماة بالربيع العربي، فمن غير المنطقي ولا يعقل، لأي ربيع إلا أن يزهر وروداً، وزنبقاً، وعطراً وخضاراً ورياحين، إلا ربيع الناتو الذي أتى بالقحط واليباس والتجفاف والحنظل والعلقم والأشواك، وحاملاً على جناحيه أشد التيارات ظلامية وتخلفاً وانغلاقاً وتزمتاً واستبداداً وديكتاتورية وسخفاً ومسخرة وعمالة في التاريخ، ونعني التنظيم الدولي الماسوني المسمى بجماعة الإخوان المسلمين.

 يلخص لافروف، في مقاله، موقف بلاده الثابت من الأزمة السورية، ومقاربتها لها بشفافية ومن دون تبنٍ لأية معايير مزدوجة، أو الانحياز لأي طرف، وبالتوافق مع الشرعية، ومبادئ الأمم المتحدة المعتمدة في فض النزاعات الدولية وحلها سلمياً وبالحوار بين أطراف الصراع مع مراعاة مصالح الجميع، والدعوة للتهدئة، ودون تغليب لفئة على أخرى، وعملاً، والتزاماً، بخطة عنان ذات النقاط الست المتوافق عليها دولياً، وبما يتسق، تماماً، مع حركة واتجاه التاريخ، معتبراً أن هذا هو على الجانب الصحيح من التاريخ، كما لم ينس لاوفروف أن يوجه في متن المقال الطويل أكثر من نقد مبطن للحكومة والنظام السوري.

 وبالطبع، يأتي هذا الموقف الذي هو في "الجانب الصحيح من التاريخ"، على الضد والنقيض، ومختلفاً كلياً، مع المواقف الغربية العورائية، والعمياء أحياناً، ذات المعايير المزدوجة، التي تقفز على القانون الدولي(1)، وتدوس على مبادئ الشرعية الدولية، وتنحاز لطرف وحد هو دائماً،، ويالمحاسن الصدف، فلول القاعدة، وجماعات الإرهاب الدولي، وتغمض عينيها عن الجرائم التي ترتكبها جماعات وعصابات مسلحة، باسم الثورة، ضد أبرياء ومدنيين في سوريا، وتنشر الرعب والموت والاختطاف والخراب والقتل المذهبي على الأرض السورية، وترفض أي شكل من الحوار لحل الخلاف بين أطراف الصراع على قاعدة سلمية، لا بل تعمد، وفي محاولة مفضوحة لتبرئة تلكم الجماعات من أية مسؤولية عن الإجرام الحاصل والدم المستباح، على التحريض والتهييج والتأجيج، وفي نفس الوقت، تحمـيل الحكومة السورية، لوحدها، دون غيرها، مسؤولية كل ما يجري مما يسمونه "عنفاً" على الأرض السورية، وتحتض، مع حلفائها الإقليميين، المعارضة المسلحة والجماعات المسلحة، وتدعمها بالمال والسلاح والدبلوماسية في مجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية الأخرى، وتوفر لها ملاذات آمنة، وتعمل، بصلف وغطرسة وغرور وزهو وخيلاء، على تغليب فئة ووجهة نظر على أخرى وعدم القبول بأي وجهة نظر سواها، أو تبدي أي استعداد لسماع سوى تلك الكليشهات والاجترار الممل الممجوج والقميء والفاسد الصادر عن وزراة الخارجية الأمريكية.

 وهذا الموقف العدواني المتشنج والمتوتر، لا يـُعتقد أنه يتوافق مع أبسط معايير الأخلاق والمنطق، لا بل يتناقض مع القانون والشرعية الدولية، وهو، حتماً، ليس في الجانب الغلط والخاطئ، وحسب، بل المبتذل والمخجل من التاريخ. والموقف الروسي ناجم، بالطبع، عن رؤية ثاقبة وفهم لأبعاد وخلفيات ما يحدث فعلاً على الأرض، وليس على تصورات وهمية وأحلام رغبوية متمناة كما هو حال الموقف الغربية. لا بل يعلم الروس، تماماً، حجم وإمكانيات وقدرات كل الأطراف المتصارعة على الساح، كما بالنسبة لحجم وإمكانيات الدول التي تدعم، وتقف وراء، تلك القوى، ويعلم مصير كل منها، ومن هي القوى سيحالفها الفوز والنجاح الأكيد.

 ويدرك لافروف، تماماً، أن الغرب المتهالك والمتداعي والمنهك بالحروب، والغارق بالأزمات الاقتصادية، والإفلاس المالي، والأخلاقي، لا يستطيع القيام بأية مغامرة عسكرية، ولا يمكن أن بنتصر في أية مواجهة قادمة، مع أتباعه وأزلامه الذين ارتضوا لأنفسهم لعب دور العميل والأجير. وقد أظهر التردد والضعف والعجز والتضارب في المواقف والتصريحات الغربية، وبرهن على هذا الواقع والحال الغربي المزري والتعيس. لقد أفرز الحدث السوري اصطفافاً وتخندقاً واستقطاباً لا مثيل له في التاريخ، وقسـّم العالم فعلاً إلى فسطاطين، فسطاط الخير الصاعد المنتصر والمنصور، وتمثله القوى المحبة للسلام والأمن الدولي التي تضم روسيا والصين ضمن مجموعة البريكس التي تضم، أيضاً، الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وفي خلفية المشهد إيران وفنزويلاً، وفسطاط الشر والإثم والبغي والعدوان والإجرام التاريخي وعلى رأس هؤلاء تقف الولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول الاستعمار التقليدية كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا ويقبع في حضنهم عربان الردة والعار والتخابث والتكاذب والمكر والغدر والعهر والكيد والخداع والضلال والتواطؤ والتآمر التاريخي. فالموقف العربي، وبكل بساطة، لا في العير ولا في النفير، وغير مثمر أو مجد، أو ذي تأثير، وهو دور تافه وببغائي اكتفى بدور الأداة، والتابع والأجير الرخيص، وبعيداً عن كل الأعراف والأخلاق والتقاليد، ولا محل له من الإعراب وخارج حركة وسياق التاريخ.

هو موقف خياني متواطؤ وتآمري وقائم عن جهل مطبق وغباء وعدم إدراك لطبيعة الموقف، وطبيعة وحجم القوى المتصارعة، أو أي فهم واعتبار لحركة التاريخ. وهو في النهاية رهان على الجواد الخاطئ والخاسر في السباق والصراع وشراء بطاقة اليانصيب الخاسرة في الزمن المستقطع والوقت الأخير. لقد تورط من يسمون بالعرب، وعن غباء فطري واستراتيجي في الموقف من سوريا، ولم يعد بمقدورهم المضي خطوة واحدة إلى الوراء، كما أن التراجع يعني الانتحار الجماعي. لقد لعبوا دوراً تخريبياً وتدميرياً وتضليلياً غير مستقل، وغير نزيه، ولا نابع لا من مصلحة سورية، ولا عربية، بل فقط محض انجرار قطيعي إرضاءً وتلبية لمصالح الغرب في الملف السوري. وكانوا يتلقون تعليمات كلينتون، ويعتبرونها كوحي منزل إلهي، ويلهثون خلفها كالصبيان الصغار المجانين، ويتصرفون على أساس أن أمريكا ما زالت تلك القوة المتحكمة بالقرار الدولي، ووضعووا كل بيضهم في سلال الأطلسيين المفلسين، إلى أن وصلت كل رهاناتهم وسياساتهم وتهديداتهم وعنترياتهم الفارغة وتهديداتهم الخاوية إلى نقطة الصفر. لقد وقفوا، أيضاً، وبكل بساطة، في الجانب الخاطئ، والمشين من التاريخ، مع الخاسرين، والمفلسين، والمهزومين. وحده الغباء الاستراتيجي المستوطن والمقيم، والذي لا يحول ولا يزول، هو الذي يجعل من الأوباش، والأوغاد وحثالات التاريخ أن يكونوا دائما في المكان الداكن والموحش والأرذل والأوسخ، وفي الزوايا المظلمة، وعلى مزابل، وقمامات، ونفايات التاريخ، وحسبهم هذا العز، والجاه، وهذا الإنجاز الفريد.

 (1)- صرّحت سوزان رايس، بكل وقاحة وصفاقة واحتقار متعمد للقانون الدولي، وبعد صدمة الفيتو الثالث المزدوج، بأن الويات المتحدة، وحلفاءها، سيتصرفون خارج مجلس الأمن، والشرعية الدولية، فيما يتعلق بالأزمة في سوريا.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز