نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الإعجاز العسكري الكبير ومحرقة القاعدة في سوريا

نجحت القاعدة في أفغانستان والعراق وباكستان، ولكن لم يكن ليسمح لها باللعب في السعودية حين حاولت ذلك، فـ"العين لا تعلو على الحاجب"، ولا يجوز للتلميذ أن يتفوق على أستاذه ويتطاول عليه، فذلك من محرمات العمل السياسي، ناهيك عن أنه تخريب وتشويش لا يجوز.

 القاعدة موجودة اليوم في الخليج، ليس كخلايا نائمة، بل كخلايا صاحية، تعمل تحت الرعاية الأمريكية المباشرة وبحماية قواعدها العسكرية المنتشرة كالفطر في مشيخات الخليج الفارسي، كقاعدة انطلاق نحو الدول والأنظمة "المشاغبة" التي لا تروق سياساتها لواشنطن، أو تلك التي تريد واشنطن تأديبها، أو مساومتها والضغط عليها. ولقد كان لزلة اللسان التي وردت على لسان "الميسز" كلينتون دلالة كبيرة على هذا الأمر، في ذروة انفعال نفسي بعد الاصطدام بحائط صد روسي - صيني في مؤتمر جنيف، حين توعدت بـ"تدفيع" الروس والصينيين ثمن مواقفهم. ولإعراب كلمات كلينتون سياسياً فهذا يعني بأن واشنطن "ستزج"، مستقبلاً، ما لديها من مخزون واحتياط استراتيجي من إرهابيي القاعدة في الشيشان وباقي الجمهوريات الإسلامية الروسية البالغ تعداد مسلميها ما يقارب الثلاثين مليوناً نسمة، فيما يصل هذا الرقم العشرة أضعاف فيما لو توجهنا شرقاً باتجاه الصين إذ تقول الإحصائيات أن تعداد المسلمين المتواجدين في إقليم جينغيانغ الصيني الإيغوري يبلغ قرابة الـثلاثمائة مسلم صيني.

 إذن ها هي التطورات وتقلبات الزمن والأيام تكشف حقيقة هذا التنظيم "الإلهي" كاحتياط استراتيجي وأداة تحريك بيد القوى الاستخباراتية العالمية ليستخدم في الزمان والمكان المناسبين، ولاسيما بعد النجاح النوعي في أفغانستان الشيوعية الكافرة ضد الشيوعيين السوفييت الملحدين، وفي العالمين العربي والإسلامي، أيضاً، لضرب هؤلاء بعضهم ببعض، وكي لا يبدو الصراع المدار غربياً من وراء الكواليس، بأنه صراع ديني، أو صراع حضارات، وثقافات، بقدر ما هو صراع بين المسلمين أنفسهم، وتحويل الصراعات والمصالح واللعب بـ، والتلاعب بالاختلافات المذهبية وإدارتها وتحويل وتحوير وجهتتا ومسبباتها باعتبارها صراعات أخلاقية بين مسلمين مؤمنين يدّعون احتكار الجنة والعصمة والحور العين ، وكفار ومرتدين غير مؤمنين، تارة هم أنظمة باغية متسلطة، وتارة طوائف، وشعوب، وأحزاب، وجماعات تتعرض فوراً لمطرقة التكفير ما يجعل أي حرب عليها مبررة شرعاً ولجنة كبار "السفهاء" و"العملاء" في السعودية جاهزة لذلك، وبذا تعفي القوى الغربية نفسها من مسؤولية العدوان على العرب والمسلمين وتتركهم يعتدون ويصفـّون بعضهم بعضاً.

 وبذا يصبح الحزب الشيعي الذي يحمل اسم الله مارقاً ويجب قتاله وعدم نصرته مرة في جنوب لبنان، ومرة أخرى تصبح الجماعة السنية الحمساوية، في غزة، حين تكون في الحضن الإيراني والسوري، جماعة إرهابية يجب قصفها بالفوسفور المنضب، ولا تجد من ينصرها من العرب والمسلمين لأن كبار السفهاء يفتون بحرمة نصرتها وهناك من يبرر ضربها ويدعو لحصارها وعدم نصرتها وأي تظاهر من أجلها هو بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، حسب شريعة أسياد القاعدة ومموليها وصانعيها. وحين نضجت الظروف، ولاحت للانقضاض على سوريا، من خلال همروجة الربيع االعربي، تم الزج بعناصر القاعدة في الأزمة السورية، والدخول على خطـّها لـ"نصرة أهل الشام"، ومحاربة "النظام العلوي النصيري الكافر" والعياذ بالله. شعار براق يخطف أبصار عتاولة الجهاديين، ويستقطب كل أولئك الذين تربـّوا في أحضان الثقافة، إياها، للفوز بالحور العين، والغلمان المخلدين، بعد الثأر والاقتصاص من "الكفار وأعداء الله". وفـُتحت، لذلك، حدود سوريا من أطرافها الأربعة ليتدفق إلى ساحاتها الآلاف من المرتزقة والمقاتلين العرب، والآسيويين، والأفارقة التي عرض الإعلام جثث الكثيرين منهم في شوارع المدن السورية. لم يعد السؤال فيما إذا كان سيحقق عناصر القاعدة هؤلاء أي إنجاز عسكري في سوريا، بل السؤال الذي بات على لسان كل سوري متى سيندحر هؤلاء، نهائياً، وتتطهر سوريا من رجسهم القميء، فيما يبدو الأمر برمته مسألة وقت ليس إلاّ.

 فسيناريو الهزيمة والخيبة والهروب "التكتيكي" المذل والمهين يتنقل من حمص إلى إدلب ودمشق، وهاهي ملامح هزيمة جديدة ترتسم في حلب ضد مرتزقة الأطلسي الأفارقة والآسيويين. وبات كثيرون اليوم، يتحدثون عن إنجاز عسكري سوري يصل حد الإعجاز العسكري غير المسبوق في تاريخ الحروب. فلا توازي معركة دمشق الخاطفة وسحق الجيش الوطني السوري النظامي لمرتزقة الناتو سوى عملية السحر و"مسحة الرسول"، كما يقول المثل الشعبي التي كادت تكون "كبسة زر" أخفت مرتزقة القاعدة عن وجه دمشق الجميل خلال ساعات وأعادت لها الأمن والأمان والاستقرار المعهود.

 إذ كان المؤمل، والمعوّل، بآن، أن يـُحدث أولئك المرتزقة، بكثافاتهم العددية العالية وبالتزامن مع استشهاد القادة الثلاث صبيحة 18/07، عنصر مفاجأة حقيقية للجيش، ويشغلونه لشهور قادمة قادرة على استنزافه وبالتالي انهياره التدريجي، ومن ثم يأتي الحصاد ويأتي القطاف ويفرح "القوم" بسقوط التفاحة السورية في الحضن الغربي كما تمنى وبشر وتوعد كرازاي سوريا الأول برهان غليون. وانقلبت الآية ليصبح الاستنزاف الحقيقي هو لمقاتلي القاعدة، الذين يتم طحنهم طحناً في كل مواجهة، ووقعوا في أتون محرقة حقيقية بخيارهم المواجهة مع الجيش الوطني السوري المتفوق عدة، وعدداً وعقيدة قتالية، احترقوا فيها واحترقت وتبخرت آمالهم في كسر شوكة وصلابة نظام يبدو أنه استوعب وامتص، تماماً، كل تداعيات الأربعاء الأسود.

 وباتت مراكز أبحاث عسكرية مرتبطة بالغرب بصدد دراسة وتحليل عناصر الفشل وانشغالها فيها، أكثر من انشغالها بإتمام حلقات السيناريو المتدرجة والتي تقطعت أوصالها وأصيبت بعطب كبير. فعوامل فشل هؤلاء كثيرة، أكثر بكثير، من عوامل انتصارهم وتمكنهم، ويقف على رأس ذلك، التنوع الديمغرافي السوري والتعددية الثقافية في سوريا، ناهيك عن السمة التاريخية المعتدلة والمنتحة والمتنورة للإسلام السني السوري الذي رفض الانخراط بالمشروع الغربي، وبالتالي غاب الحاضن الشعبي والجماهيري للمرتزقة، وانسوا مؤقتاً، خطاب المعارضة وأحلام أقطابها بالسيطرة على 60% من الأرض السورية.

تلا هذا الفشل، وتدليلاً عليه، ومع إدراك أطراف العدوان عجزهم عن تحقيق أي اختراق كبير، البحث عن آليات جديدة لإدامة الصراع، وتوسيعه، ومنع الدولة السورية من أخذ النَفـَس، والشعور بأية حال من الارتياح، والافراج والانتشاء بالنصر، فتم تحريك وعلى نحو جانبي ودلالي كبير قضية الحريري مجدداً عبر اختطاف المدعو هسام هسام، وهرعت السعودية، على جانب آخر، والتي فشل خيارها، على ما يبدو، بتسليح المعارضة السورية (القاعدة)، إلى تحرك ملف سوريا الكيميائي في الأمم المتحدة، وهذا دليل آخر على تخبط وفشل وضياع وإفلاس أدوات العدوان أكثر من أي شيء آخر، فصار "الهم" الكيميائي الغربي، مثلاً، وعلى حين فرة، مقدماً على "الإصلاحات" والحرية، والديمقراطية، والشعارات الخلبية الخرندعية السابقة.

 يحدث ذلك دون أن تقدم سوريا على طرح الكثير من أوراق تمتلكها وتخبؤها للحظة حرجة قد لا تلوح في أمد قريب، ناهيك عن أن حلفاء سوريا الإقليميين والدوليين، يبدون في حال من الاسترخاء الاستراتيجي التي لم تتطلب حتى اللحظة أي رد فعلي عملي من قبلهم، قد يفاجئ فيما لو اضطروا إليه. وتظهر تصريحات الجنرال الإيراني الجزائري مدى استعداد إيران والتزامها بأمن واستقرار سوريا حين وعد بتأديب أدوات العدوان من العرب "المهزومين" على حد قوله. أما مفاجآت "الدب" الروسي، والتنين الصيني، التي لن تسمح بعزم وإصرار غير مسبوقين للتدخل بالشأن السوري، فهي بنت زمانها ومكانها، وقد تدهش، وتصيب كثيرين بالخذلان، كما أصابتهم الفيتوات الثلاث، حتى الآن، بيأس، وإحباط كبيرين.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز