د. علي طه
mdlzb@yahoo.co.uk
Blog Contributor since:
07 July 2012

باحث في العلاقات الدولية



Arab Times Blogs
الفكر الوهابي.. الى أين يأخد المنطقة ؟

الفكر و المنهج الوهابي يأخذ المنطقة العربية الى هاوية لا قرار لها و العواقب قد تكون خطيرة بل و خطيرة جدا على مصير شعوب المنطقة و مستقبلها القريب و ليس البعيد.. أن هذا الفكر { الذي اقل ما يمكن ان يوصف بأنه متخلف بعيد عن الواقع } و المدعوم بقوة من قبل بعض انظمة البترول العربي يسعى و منذ فترة ليست بالبسيطة الى تمزيق شمل الامة و ذلك عبر زرع فتنة طائفية و مذهبية بين السنة و الشيعة في الوطن العربي.. و من يعرف تاريخ المنطقة يدرك ان جميع طوائف و مذاهب الاسلام تعايشت و على مدى قرون من الزمن في هذه المنطقة بسلام و محبة.. بل ان التاريخ يخبرنا بأن اليهود و النصارى لم يجدوا مكانا أمنا للعيش الا في المنطقة العربية و عندما تعرض اليهود الى مجازر في اوربا هربوا و لجأوا الى بلاد الاسلام طلبا للامن و الامان..

و من يقرأ تاريخ الاندلس يكتشف ان المسلمين عندما هزموا و رحلوا عن تلك الارض الى المغرب و شمال افريقيا قرر اليهود الذين كانوا يعتاشون معهم هناك الرحيل ايضا خوف من بطش الافرنج و ذهبوا الى المغرب و هذا يفسر سبب تواجد اعداد كبيرة من اليهود { و لغاية اليوم } في اراضى المغرب العربي.. و الشواهد كثيرة و لا اريد ان اعددها جميعا و لكن الخلاصة ان عالمنا العربي عرف بالتسامح و قبول الغير و التعايش معه رغم الاختلافات الدينية او المذهبية او العرقية او القومية.. و هذه سمة من سمات الحضارة و التي عززها ديننا الاسلامي الحنيف و عبر أيات قرأنية عديدة و أحاديث نبوية شريفة حثت جميعها على التعامل بالحسنى مع الغير و خاصة أهل الكتاب و عدم الاعتداء عليهم و أحترام حقوقهم الاساسية.. بل أن الدعوة الى الدين و المجادلة معهم لا يجب أن تتم الا بالحسنى و قول المعروف..

أذن من أين أتى أتباع أبن عبد الوهاب بهذا الدين الجديد و كيف أباحوا لانفسهم تكفير الاخرين و أضطهادهم بل و أهدار دمهم ؟ و هل يمكن اعتبار ان الحركة الوهابية دينية ام انها حركة سياسية بأمتياز أنشات بمساعدة الانكليز و الصهيونية و في ظروف تاريخية معينة تحكمت بجزيرة العرب و هيئت الارضية لقيام و نهوض هذه الحركة.. أن الثابت و الاكيد ان هناك تحالف و زواج سياسي بين الحركة الوهابية و مؤسسة الحكم في السعودية و ان هذا التحالف هو سر بقاء أل سعود في الحكم و هو سر قوة المؤسسة الوهابية في المملكة و تردد بل و عدم قدرة القيادة السعودية على لجم هذه المؤسسة أو ألغائها رغم انها أخذت تعيث في الارض فسادا بل و ان رائحة فضائحها و تجاوزاتها بدأت تزكم الانوف.. و لعل اسوء ما أفرزته الحركة الوهابية هو الفكر المتبنى من قبل التنظيمات الارهابية كالقاعدة مثلا و التى وجدت في تزمت فكر ابن عبد الوهاب ضالتها التي تبحث عنها فصدرت فتاوى التكفير بحق اليهود و النصارى ثم بحق الشيعة و الاشاعرة والصوفية و من ثم بحق كل من لا يتفق معهم في الرأى أو العقيدة و يقف اما متفرجا او بالضد منهم..

و اذا نظرنا الى ما أرتكبه تنظيم القاعدة في العديد من البلدان و خاصة في العراق نجد تجسيدا كاملا و حرفيا للفكر المذكور اعلاه.. اذ قام هؤلاء بأعدام الابرياء من الذين يشهدون ان لا اله الا الله و ان محمدا عبده و رسوله و في العلن بغية ارسال رسالة مفادها ان لم تكن معنا فأنت ضدنا.. و هذا يذكرني بالفكر المتطرف الذى خرج علينا به سىء الذكر جورج بوش الابن بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر و خطبته المشهورة في هذا السياق و التى لا تزال عالقة في الاذهان.. كما انهم هاجموا المسيحيين و ارتكبوا الفظائع بحقهم لا لذنب ارتكبوه سوى انهم نصارى و انهم على الطرف الاخر من المعادلة.. ثم انتهوا الى قتل اتباعهم من اهل السنة و الجماعة لانهم وقفوا ضدهم في بعض التصرفات و الاعمال التى ارتكبوها و كان هذا المؤشر على بداية نهايتهم في ارض الرافدين.. لقد أدرك العراقييون سريعا ان هذا فكر هدفه الموت و ليس الحياة و كان قرار العراقيين الحياة فطردوهم جميعا {او كادوا} من مدنهم و قراهم و لفظوهم وراء الحدود و من حيث أتوا..

و لآن أتباع هذا التنظيم مثل الجراثيم فأنهم دائما يبحثون عن المناطق الرخوة و الموبؤة لكي ينفذوا منها و يتغلغلوا فيها فلا مكان لهم في مجتمعات متحضرة مسالمة او مجتمع يسوده الحب و التفاهم او بلد تبسط فيه الدولة سلطتها و يسوده القانون.. بأختصار انهم يبحثون عن الفوضى و هى بغيتهم بالتأكيد.. و مع الاسف وجدوها مؤخرا في أرض الشام العزيزة و أثر الانفلات الامنى و الصراع الدائر هناك مع نظام بعثى قمع شعبه و استباح حقوقه على مدار عقود من الزمان و هو يمثل امتدادا لحقبة الانظمة الشمولية و الاستبدادية التي حكمت العالم العربي عقب الحرب العالمية الثانية و لغاية اليوم.. و ليس الحديث هنا عن ثورة اهلنا في سوريا و لعل الفرصة تسنح في القريب لكي نقف بالتحليل و النقاش عند هذه الثورة.. و لكن الذى حصل في منطقة الحجيرة و السيدة زينب في ريف دمشق في الايام القليلة الماضية يستحق التوقف اذ انه يثير أكثر من علامة أستفهام عن مصير هذه الثورة و ماذا يراد بسوريا الوطن قبل سوريا النظام.. و الحق أقول اننى أشعر بالخوف و القلق مما هو قادم في المستقبل على أرض الشام و أهلها بل و على المنطقة برمتها.. فما الذى حصل هناك على أرض الشام..

في ظل الصراع المحتدم مع النظام السورى سيطر الجيش السورى الحر على بعض من مناطق الحجيرة و السيدة زينب و كان المقاتلون عبارة عن خليط من السوريين و الاجانب المقاتلين الى جانبهم و قد وصفهم السكان وفق شهادات لهم جمعت فيما بعد بأن لهجاتهم خليجية او مغاربية و ان سنحهم كريهة.. و اول عمل قام به هؤلاء هو التكبيرفي الجوامع و الطلب من جميع المواطنيين الشيعة ان يتركوا بيوتهم و الا فأنهم سيتعرضون للذبح مما خلف حالة من الفزع عند سكان المنطقة فنزحوا عن بكرة أبيهم و هم في الغالب اطفال و نساء لا ناقة لهم و لا جمل بالنظام القائم و لعلهم عانوا كغيرهم من السوريين من سياسات النظام على مدى سنوات..

و لم يكتفى هؤلاء بذلك بل أنهم طلبوا بعد ذلك من الاخرين الانضمام اليهم و الا فأنهم بحكم الاعداء.. أى انهم طبقوا نفس المبدء الذى اشرنا اليه انفا .. ان لم تكن معي فأنت ضدى.. و الطامة الكبرى هو ان بعض هؤلاء و بعد ان أقتربوا من مقام السيدة زينب اتوا بالجرافات و كانوا يرمون ان يهدوا مقام حفيدة الرسول و بنت فاطمة الزهراء و على بن ابي طالب سلام الله عليهم اجمعين بحجة ان المقام بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ذلك في النار.. و هنا أنتفض الاهالي و نظموا أنفسهم و قاموا بالدفاع عن أنفسهم و الضريح و أبعدوا عناصر القاعدة عن المكان رغم ان الانباء اشارت الى أنهم كانوا قاب قوسين او أدنى من تنفيذ خطتهم الاجرامية و التي كانت ستؤدى الى عواقب خطيرة في سوريا بل و في المنطقة و تنظيم القاعدة يعي ذلك جيدا اذ سبق و ان جرب حظه في أرض الرافدين عندما قام أزلامه بتفجير مرقد الامام العسكرى رضوان الله عليه في مدينة سامراء و أدخل العراق بعدها في أزمة سياسية و أمنية لا تزال بعض تداعياتها ظاهرة الى اليوم..

كل ذلك جرى في ذات الوقت الذى كانت بعض فضائيات الوهابية الممولة بالبترودولار تمعن في أثارة الفتنة الطائفية و المذهبية و تحرض عليها و بدون أى اعتراض او ممانعة من قبل الانظمة الممولة لهذه القنوات بل ان المرء يكاد يجزم ان ما تبثه هذه القنوات و تحرض عليه يمثل السياسة العامة لتلك الدول الساعية الى زرع الفتنة و الخراب بأعتبار ذلك السبيل الوحيد لبقاء الحكام على كراسيهم المتهالكة.. و اللعبة قديمة و مكشوفة و تتمثل بألهاء الشعوب بصراعات جانبية و طائفية او مذهبية او عرقية و ايهام الناس ان هناك عدو متربص بهم و ان المخلص الوحيد هو الحاكم و بالتالي لا يجب الثورة عليه او القيام ضده لان القادم سيكون اسوء و ان قدر الشعب هو هذا الحاكم ليس الا.. معادلة برع بعض الحكام و من يسير في فلكهم من الاعلاميين و انصاف المثقفين و الذين باعوا أقلامهم مقابل الدولار في تسويقها لفترة من الزمن و لكن سرعان ما كشفتها الشعوب المتطلعة الى الانعتاق و بدأت الانظمة تتهاوى كقطع الدومينو في مشهد مسرحي قل نظيره..

و قبل أن اختم مقالتي أود الاشارة الى ان اتباع الفكر الوهابي القاعدي و الذين سيطروا على شمال مالي و مدينة تمباكتو قاموا بهدم الاضرحة و القبور هناك حتى قبل ان يبسطوا سيطرتهم على كل مقاليد الامور و قد أدانت الامم المتحدة و كل منظمات حقوق الانسان هدم هذا التراث الانساني على يد هذه الثلة من عتاة المجرمين.. كما أن احد الاصدقاء بعث لي بمشاهد فيديو لبعض انصار القاعدة في ليبيا و هم يهدمون القبور هناك وسط احتجاج السكان المحليين من أبناء ليبيا البسطاء و الطيبين.. بأختصار هؤلاء القوم لديهم مشكلة مع الاموات قد تفوق مشاكلهم العصية و المزمنة مع الاحياء و مع ذلك تجد من يدافع عنهم و يتبنى فكرهم بل و يتحزم بالديناميت لكي يفجر نفسه في الابرياء و العزل.. حيرة .. أليس كذلك ؟

 د. على طه باحث في العلاقات الدولية 22 يوليو 2012 Dralitaha.blogspot.com







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز