نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
المثقف والجنرال: فن تصنيع الأعداء

المثقف والجنرال: فن تصنيع الأعداء كان رئيس المنبر الديمقراطي الجديد، المستحدث قـَطـَرياً، ميشيل كيلو، نجم الشاشات بلا منازع يوم أمس، يتنقل و"يتنطوط" من محطة فضائية إلى أخرى، التي تلهث كل منها، بدورها، لحظوة وموافقة على لقاء مع "فضيلته" حيث كان يروج ويسوق جهاراً كداعية لوذعي لتيار الإخوان الملتحين، من العربية، للجزيرة، ولغيرها، وختمهاً، مِسـْكاً، بقناة روسيا اليوم حيث "فتح" على الآخر، ولم يترك، ولم يبق شيئاً في "بطنه" إلا وقاله بحق "النظام" السوري، الذي يـُشهر كثيرون، من عشاق وأحباب الأمس، عليه اليوم السيوف والسكاكين، ولم يترك هذا الكيلو فرية، ولا رزية، إلا ووضعها فيه.

ولكنك قد تفاجأ وتصاب بصدمة "شاهوقية" ، حين تنبش في تاريخ الرجل لتكتشف، أنه كان، في يوم من الأيام، واحداً من "عظام" رقبة النظام المدللين الأثيرين، وقد عهد له، لشدة الوله والالتصاق العضوي له مع النظام، بعضوية لجنة تطوير ما يسمى بالبعث التي لم تر النور وكل الحمد والشكر لله، في العام 2005، المنبثقة وقتئذ عن مؤتمر البعث الشهير.

كما تردد كثيراً عن علاقته بكبار الجنرالات الأمنيين الاشهر ولاء ونجومية في أمن الدولة السوري، على مر تاريخ النظام، والأقرب إليه، وكان لا يتزحزح من مكاتبهم الفارهة، وينعم بعطاءاتهم الوفيرة، فما عدا مما بدا، وما الذي يجعل شخصاً مثل هذا الصبي الغنيج ينقلب بهذا الشكل الجذري ويستدير، وينقلب إلى النقيض الذي لا يهادن ولا يساوم، وينعطف بهذا الانعطاف والاستدارة الكاملة والحادة التي يسمونها بلغة الفرنجة، والعياذ بالله، الـ U-Turn؟ ولو كان ميشيل كيلو حالة خاصة، وظاهرة يتيمة في هذا المحور والزاوية التي كشفها الحدث السوري، لتجاوزناها، ولما توقفنا عندها، ولما كان قد أخذ، هو وأضرابه الغر الميامين، منا أي اهتمام، ولما استدعى أن نقول فيه كلمة واحدة.

 لكن، وفي الحقيقة، تشكلت ظاهرة، وبرزت ثلة معتبرة، ممن كانوا يحسبون تاريخياُ على جهاز أمن الدول السوري، الذي يدير الإعلام والثقافة في سوريا من الباب للمحراب، وقد تحولوا إلى الضفاف والخنادق الأخرى وعلى نحو راديكالي ومتطرف، مذكرين ببيت الشعر الشهير القائل: احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق مرة فكان أدرى بالمضرة وتحضرني ها هنا أسماء كثيرة، تعرفونها اليوم وتبدو نجوماً تتلألأ في الفضاء "الثوري"، قد لا يتسع المجال لذكرها، ممن نراهم اليوم يصولون ويجولون في فضائيات الشيوخ والخواجات مطالبين برأس "النظام" الذي قدم لهم ذات يوم ما لا تقدمه الأم لطفلها الوليد في المهد والفراش. والأسماء أكثر من أن تحصى، ومعروفة، ولسنا بصدد ذكر أي منها، لأننا معنيون بالظواهر العامة، وليس بالقضايا الشخصية أو الأفراد.

 فما السر، واللغز الكبير، في أن كثيرين ممن مرّوا على تلك المكاتب، وأكلوا من خيرها، وتنعموا بخيراتها، انقلبوا عليها، وباتوا من ألد أعدائها، أمـّا من بقوا خارجها، فلم يتبدلوا، ولم ينخرطوا أو يصابوا بهذا الوباء والتشكل المأساوي الجديد؟ وفي الحقيقة، هذا ما كان، وبكل أسف، في كثير من الحالات ولاسيما الثقافية والإعلامية، فليس من المستغرب أن يصبح الملّا رياض نعسان آغا مثلاً، الذي احتل ولعقود، واجهة الثقافة والإعلام في سورياً، وكان نجم "الشباب" المفضل، ويطلع لك من تلفزيوناتهم، (برنامج مدارات أو متاهات) وصحفهم، وإعلامهم وتراه موجوداً وحاضراُ في كل مكان، وفي كل عرس له قرص، وفرض قهراً وكمداً على أذواق السوريين الثقافي، من دون معرفة الإنجازات، والمواهب، والإبداعات التي يتمتع بها، ولكنه قلب ظهر المجن للشباب، كالمدعو كيلو، وأراهم العين الحمراء.

 وأما الكاريزما، والمناقب الشخصية الأخرى الضرورية بالشخصية العامة، فلن نأتي على ذكرها، لأنها على ما يبدو لا تهم أصحاب القرار المعنيين بهذا الشأن. وهنا لا بد من التطرق إلى قضية الكاريزما، التي قد أعود لها مطولاُ في بحث خاص، عن أهميتها واستثنائيتها، في احتيار رجال الشأن العام، وعلاقتها بالجماهيرية ونجاح العمل والمهمة الوطنية، وانعكاسها على ذوق وولاء العوام، في الوقت الذي نرى فيه اختيار شخصيات بدون أية كاريزما، Charisma لا بل كانت تعمل على النقيض في تنفير، وتوليد مشاعر فاضبة، لمجرد أنك تسمع باسم الشخص المرشح، أو الشاغل لمنصب عام.

وهناك إعلامي سوري كبير، كان يـُستقبل بالورود والأحضان، وفي قاعة الشرف بالمطار(1)، وتوضع تحت تصرفه سيارة رسمية، مع دفتر بنزين كامل "مختوم"، وكل تناقلاته وإقامته كانت تتم على حساب "الشباب" وفي أفخم الفنادق ويعزم على الموائد والولائم، ويعيش حياة الشهريار في عاصمة البعث "تبع" الرسالة الخالدة، وكله من دم وعرق الشعب السوري الذي ينال منه اليوم هذا الفارس المغوار ويدعو الأطلسي لاحتلال سوريا وتدميرها، كما تم العفو عنه لتملصه وتهربه من الالتزام بالبعثة التي "أرسلوه" بها إلى بريطانيا، وأعفي فوق ذلك من خدمة العلم.

ولن نأتي على الثنائي الشهير، الزوج، والزوجة، الشهيرة، وأثيرة مخابرات أمن الدولة المعروفة، اللذين أغدق عليهما الجنرالات الشيء الكثير، وامتيازات، وتعويضات لا يحلم بها مستشارون وخبراء في غوغل وجنرال موتورز، لكنهما لا يقبلان اليوم بأقل من رحيل النظام وترحيل رموزه إلى عند أوكامبو بعبع العربان، ويشنعون به-النظام- في كل محفل ومقام ومقال. ولدي قائمة طويلة عريضة من هؤلاء الذين كانوا تاريخياً في قارب، وحضن الجنرالات، لكنهم أصبحوا من ألد، وأشد الأعداء، وهذه ظاهرة قاتلة قلما نراها في بلد ما.

 والأمر لا يرتبط كما نعلم بتفسيرات وتأويلات مسبقة كما قد يتراءى للبعض، وسيسرع للتفسير ابتناء عليها، هذا إذا علمنا بأن الظاهرة تشمل أطياف السوري برمته، فالمعلوم بأن كيلو ينتمي للطائفة المسيحية، وأدونيس، الذي فصله جنرالات البعث ذات يوم من عضوية اتحاد الكتاب العرب، عبر الإيعاز لـ"الرقيب" ع.ع.ع بفعل ذلك، كما كان يطلق المرحوم هاني الراهب(2)، متفكها، على علي عقلة عرسان القائد التاريخي الملهم المخلد لما يسمى باتحاد كتاب النظام.

 وبالمناسبة، للدكتور هاني راهب، نفسه، ملف طويل عريض من المعاناة مع ذات الجنرالات الذين أعادوه بقرار تعسفي كيدي وانتقامي للانتقاص من مكانته إلى مدرس ابتدائي وهو الأكاديمي الكبير والروائي العالمي المرموق الذي لا يشق له غبار، وصاحب المهزومون 1961، وشرخ في تاريخ طويل 1970، وألف ليلة وليلتان 1977، وبلد واحد هو العالم 1985، والرواية الملحمية الوباء 1982، وشرخ في تاريخ طويل، وهو، كما أدونيس، وغيرهما، ينتمون للطائفة العلوية، وهناك غيرهما مما لا يتيح ضيق مساحة المقال التعريج عليهم. الظاهرة عامة إذن، وهناك ملاحظة عامة عن عداء مستحكم وتاريخي بين المثقف والجنرال الذين لا يطيق بعضهما الآخر على ما يبدو إلا مكرهاً آخاك لا بطل.

ونتذكر بهذا الصدد مقولة الجنرال مكارثي الذي قال حين اسمع بكلمة مثقف اتحسس مسدسي، ونحن نضيف حين يسمع المثفقف باسم الجنرال "أتحسس قلمي ويحني جلدي"، لكن يبقى لهذه الظواهر والحالات السورية الغريبة أهميتها واستثنائيتها التي يجب أن تحظى بالكثير من الدراسة والتحليل والتمحيص والقراءة الجدية المتأنية من قبل الخيـّرين وأصحاب الشأن بما يخدم الصالح الوطني. المهم، ونحن نتكلم ها هنا، وحصرياً، عن شريحة المثقفين الإعلاميين من أصحاب المواقف والمبادئ كما يفترض، ولسنا بصدد بعض الفاسدين والمفسدين والمتملقين الانتهازيين من الموظفين والعسكريين الانتهازيين الذين يميلون كيفما مالت.

 فمن خلال هذه الظاهرة المؤرقة، يتبدى لنا بما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك خللاً بنيوياً عميقاً ما، وشرخاً عميقاً في كيفية وطريقة التعامل مع هذه الشريحة والنخبة المميزة التي قد تخرّب وتقوّض كلمة واحدة منها ما تفعله فرقة عسكرية كاملة في الميدان، بطريقة جعلت من معظمهم أعداء، ومعارضين بدل أن يكون أصدقاء وموالين. فقد كان لتسليط الجنرالات وفرضها على هذه الشريحة أثراً سلبياً وسبباً في هذه العلاقة المتوترة والمتشنجة وغير الطبيعية بين الطرفين أدت إلى هذه الكوارث-الفضائح، ولم تصب نهائياً في مصلحة الوطن، وتسبب في الكثير من الأذى والضرر على غير صعيد.

 بالمحصلة، هذه ظاهرة خطيرة، قمينة بالدراسة والتحليل من كافة الجوانب، ويجب عدم التقليل من شانها والاستهتار والاستخفاف بها والتجاهل وومقاربتها بالغطرسة المعتادة والاستعلاء والإنكار، كما جرت عليه العادة في سوريا في الكثير من القضايا التي تركت دونما علاج لتنراكم وتنفجر على حين غرة كما هو واقع الحال، فكما يقال "كنر النقر بيفك اللحام"، وفي المثل الإنكليزي: "حبات المطر القليلة صنعت المحيط العظيم". كما أن رد الظاهر إلى فرضية المؤامرة والخيانة أمر تبسيطي مزعج ومهين، وغير مجد في تفكيك ظاهرة باتت تشكل خطراً وطنياً جدياً، ومن هنا لا يجب أن تترك هذه الشريحة الاجتماعية والوطنية الهامة، كما الظاهرة، نهباً، وفي يد، بعض الجهلة والفاشلين وشبه الأميين المستهترين بكل القيم والمبادئ وكل شيء، وغير المدركين لأهمية الكلمة وأثرها وتأثيرها ومفعولها السحري، وألا تبقى هذه الشريحة الوطنية الهامة عرضة ومزاداً لولاءات ومقايضات وسمسرات محلية وإقليمية ودولية تعرف كيف تستثمرها في ضرب وحدة وبقاء واستقرار البلد، وعلى أن تكون هناك هيئة وطنية عامة متخصصة وعلى دراية وفهم ومعرفة بطبيعة هذه الشريحة تعمل على رعاية شؤونها والاهتمام بها واحتضانها وتوظيفها وطنياً بما لا يتسبب بكل هذه الفضائح والكوارث والنائبات تدمي القلوب وتزعج الأبصار وتشوه كل ما هو جميل في هذه الحياة.

(1)- والشيء بالشيء يذكر بتاريخ، 1/9/ 2006 عاد العبد الفقير، صاحب هذه السطور، إلى سوريا عبر مدخل نصيب في درعا فاستقبلني الشباب بالكلبشات، ووضعت في التخشيبة لسويعات، قبل أن يطلق سراحي من هناك.

 (2)- كان أحد أساتذتي الكبار الذين أعتز بهم، في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة دمشق، وكانت إطروحته للدكتوراه فتحاً أكاديمياً تناولت بعمق ومهنية ومقاربة يسارية لـ"الشخصية اليهودية في الأدب الإنكليزي"، ما أدى لعرقلتها مراراً ومحاولة ثنيه عن الموضوع، وكان يدرسنا مادتي الترجمة، والأدب العالمي، وهو، وشهادة حق، وللتاريخ، من أكفأ وأعظم المدرسين الذين عرفتهم بحياتي ومرّوا بي، وأدين له بالشيء الكثير، من إمكانياتي المتواضعة لغوياً وفي مجال الترجمة والنقد الأدبي الذي تركته باكراً بسبب البحث عن اللقمة المخزية في مشيخات الخليج الفارسي.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز