نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: انشقاق فتى النظام المدلل

ألا لا أُري الأحداثَ مَدحاً ولا ذمّا**** * فَما بَطشُها جَهلاً ولا كفُّها حِلمَا
إلى مثلِ ما كانَ الفتى مرْجعُ الفتى**** يَعُودُ كمَا أُبْدي ويُكرِي كما أرْمَى
(أبو الطيب المتنبي)

كل شيء سيعود لأصله مهما تمدد. هذا قانون فيزيائي صارم، لا يرحم ولا يجامل. بكل اسف، قامت بعض سياسات النظام التاريخية على محاباة وتقريب البعض، وتدليل وتغنيج وتفضيل وإبراز شخصيات بعينها دون غيرها، وإقحامها وفرضها على ذوق وضمير الشعب السوري دون مبرر معقول أو وجه حق أحياناً، وأغدقت عليها الكثير من الأعطيات والهبات والامتيازات التي لا تخطر للمرء حتى في المنام والأحلام، لكن الأكثر أسفاً وحزناً وإيلاماً، أن هذا الأمر انتقل من جيل الآباء إلى جيل الأبناء، حتى اعتقد بعض من هؤلاء النفعيين والمنتفعين أن الأمر أصبح شبه حق شرعي وراثي مكتسب له، لكن الأكثر وجعاً ومضاضة على النفس، ألا يتم، ورغم كل ما حصل، التخلي عن تلك السياسات، واستمرار التعامل مع السوريين وفق هذه الرؤى والآليات من التمييز والإيثار والترجيح والمحاباة.

 تتفاعل قصة انشقاق المدعو مناف طلاس، الذي كان يحتل رتبة عميد بالجيش النظامي الوطني السوري، وما أدراك أن يصل ضابط في الجيش السوري الوطني النظامي لهذه الرتبة العسكرية العالية والرفيعة في نظام أمني صارم منكفئ، ومغلق على نفسه وعلى الشعب، لا بل يتم تكريمه، زيادة وعلاوة على ذلك، بترؤسه لأحد ألوية الحرس الجمهوري، من قوات النخبة في الجيش السوري، والقصة تعود وفق إحدى الروايات إلى عدم ترقيته لرتبة لواء، وكان قد هدد بالانشقاق إن لم يحصل الأمر فسيفعل شيئاً ما. فالبعد النفعي، والفائدة الشخصية، والنظرة والاعتبارات والحسابات الخاصة، إذن، وليس الحمية الثورية، والفزعة المضرية، والنزعة الوطنية تقف وراء هذا الهروب تحت جنح الليالي. ولو تعامل الشعب السوري كله مع النظام وفق هذا المنطق النفعي الاستغلالي والمادي، لأعتقد أن النظام كان قد أصبح اليوم في خبر كان.وهو الذي تنكر على الدوام لمطالب عموم السوريين.

 وأمامنا، اليوم، مثال حي الذي أصبحت بموجبه عائلة وزير الدفاع السابق، واحدة من أغنى العائلات، ليس في سوريا وحسب، بل على مستوى العالم، وكل مواهبه وعبقرياته الفذة التي لن تتكرر، وتعجز النساء عن الإنجاب مثلها، هي أنه كان مجرد ضابط بعثي، حاملاً للشهادة الثانوية العامة، أهلته، لاحقاً بعد مخاضات وتطورات سياسية، أن يكون أحد أباطرة سوريا التاريخيين التي لم تتزحزح وتتحرك إلا بفعل التقدم بالعمر والهرم والزهايمر الدماغي والسياسي، الذين حلبوا ومصوا سوريا على مدى الأربعين عاماً الفائتة. وليس من قبيل الصدف، ووفق ذاك القانون النفعي وفرضيتنا أعلاه، أن ينشق الولدان، فراس "الحوت" والأخطبوط المالي وضبع المال المافيوزي المرعب، ومناف، والأب معهم كما يشاع، ويغادروا سوريا، في أيام المحن والشدائد الظلماء، وهم الذين أكلوها لحماً، ورموها عظماً، كما ترطن الأمثال. وهنا تبرز ثمة إشكالية مبهمة في بعض الانشقاقات والافتراقات والتموضعات الجديدة التي تحدث في سوريا.

 فالمفترض ان تحصل الانشقاقات والتموضعات الثورية في صفوف تلكم الشخصيات والأفراد والشرائح الأعرض التي كانت على الدوام خارج كل الأطر السلطوية والإفسادية والنفعية، لا بين تلك الشرائح الأخطبوطية النفعية التي حاباها النظام وحلبته على مدى أربعين عاماً وأثرت من ورائه وأصبحت من العائلات الغنية على مستوى العالم. أوليس من المستغرب، أيضاً، أن قائمة عريضة طويلة من "المنشقين الثوريين" الجدد، هم من فتيان النظام المدللين سابقاً، ممن كانت القروش والطمع والشهوانية المادية والانتهازية والنهم والعامل المالي والتزلف والتملق والتقية من أبرز مكوناتهم الشخصية الأصلية، (دون أن يثير ذلك "أعين" الجهات الرقابية والوصائية التي تتحكم بالشاردة والورادة في حياة السوريين وترفع وتذل، ويا سبحانها، من تشاء بدون حساب فيما تستثار وتستفز وتتحسس لأي حرف من رجل وطني شريف)، ممن شبعوا وأثروا وكوّنوا أرصدة خرافية وأسطورية، حرموا منها معظم سكان سوريا الفقراء والشرفاء.

 ومن المفارقات الغريبة أن قائمة الثوار المنشقين الجدد لا تضم إلا أولئك الذين حظوا بتكريم ورعاية خاصة جداً ومحاباة ودلال، وصمتوا دهراً وعمراً عما يقولونه أنه فساد واستبداد فجائي اكتشفوه مع فورة ربيع ابن برنار، في الوقت الذي كانوا هم أنفسهم، في الأيام الخوالي، أيام العز والجخ والرخ والفشحرة والاسترخاء الأمني والبذخ، يطاردون الشرفاء والأحرار من يقولون عنهم اليوم "ثواراً"، وأنتم أكبر قدر، ويلاحقونهم ويشون بهم حين يتكلمون عن الفساد والاستبداد ويتناولون الظواهر السلبية ويرمونهم بما لم ينزل الله به من سلطان، فما عدا وما بدا، وما هو سر الأسرار، ولغز الألغاز في انشقاق هؤلاء. وبالتالي، متى كان طلاس الأب، مع الشعب السوري الفقير، أو متى كان أحد من أبنائه، ونظرائهم، يأبه لمعاناة وفقر الشعب المسكين وهم من عملوا على حلبه ومص دمه عبر أربعين عاماً من المكوث على رقبته ونهبه واستغلاله وتجويعه وإفقاره وركوب ظهره الواهن المتعب المسكين؟

لماذا لم يوظف طلاس الأب ومن بعده الأبناء الميامين، ومن في حكمهم، الثروات الخرافية التي راكموها خدمة للشعب السوري، في مكافحة الفقر والبطالة ودعم الطبقات الشعبية المجوعة والجائعة، لا بل لماذا لا يعتذر، ولا يتبرع أي من الفاسدين "الثوريين الجدد" بثراوته المنهوبة في الوقت الذي يدّعون فيه حبهم والدفاع عنهم والموت في "دباديبهم"؟ أم أنه فصل وطور جديد ومغامرة ومتاجرة تجريبية أخرى حمقاء بدم وبمال وبمصير وآلام ومعاناة الشعب السوري، حيث لم يشبع مناف طلاس ولا غيره من رموز النهب والاستبداد منها حتى اليوم على ما يبدو؟ فحين كان مناف طلاس وغيره ينعمون بثروات البلد، ويعيشون حياة الأباطرة واللوردات والباشوات والآغاوات والسلاطين ويراكمون الأرصدة الأسطورية التي يتواضع قارون أمامها ويخجل المرحوم بإذن الله أوناسيس من "فقره" أمامها، كان الفقراء الذين يموتون اليوم، وتهدر أرواحهم في سبيل هذا البلد، يبحثون عن لقمة الخبز فلا يجدونها في بلدهم، فما الذي يريده مناف طلاس، وغيره أكثر من ذلك، وهو، وغيره من رموز الفساد كانوا سبباً في الأزمة إذا أخذنا الدافع الاقتصادي، الذي أفقر من أفقر ورفع من رفع، كأحد أسباب الأزمة التي تعيشها سوريا اليوم؟

وبالمقابل، يا ليت النظام كان قد منح عموم السوريين عـِشـْر بالمليار مما منحه وقدّمـه من تسهيلات وغض طرف لرموز الفساد والاستبداد وعلى رأسهم هذا الثوري المناف، والذين ينقلبون اليوم عليه، لكان المواطن السوري يعيش حياة ترف وبذخ ورفاه لا يحسده عليها الوليد بن طلال ولا بيل غيتس وسواهما من أساطين المال. وتبعاً لذلك، بات كثير من السوريين يتساءلون، اليوم، عن آلية الترقية وتنصيب الموظفين والمسؤولين الكبار ويطالبون بتغييرها، وما في هذه الآلية من عيوب ونواقص وفجوات يتداخل فيها الشخصي والعائلي والنفعي وحتى الارتزاقي أحياناً، بالوطني والعام. ولماذا لا يتم توزيع المناصب الكبيرة والحساسة، من قبل لجنة حكماء مشهود لها بالنزاهة والاستقامة، في البرلمان يمثل أمامها المرشح بملفه وتاريخه الطويل من العمل العام وخدمة الناس والتمتع بمناقب الإخلاص والتفاني والاستقامة والولاء والحب للوطن؟ لا كما هي الآلية حيث يرفع جنرال أمني جاهل وفاشل وشبه أمي بعض الوضعاء ويدفع بهم إلى واجهة العمل العام ويقدمهم كممثلين للشعب السوري العظيم، وتحصل عندها الكوارث والبلاوي "المنيـّلة" والسوداء والزرقاء ونجد أنفسنا أمام مصيبة مثل هذه المصيبة "الثورية" المسماة مناف.

بالمحصلة، ومهما قيل، وبغض النظر عن ذلك الأثر الضيئل الذي سيحدثه هذا الفرار والتخاذل لأسباب عدة لسنا في وارد ذكرها، ومهما يكن من اعتبارات وتأويلات الانشقاق الذي يأتي، بالطبع، الشرف والبطولة والثورجية والاستقامة في مؤخرتها إن لم تكن غائبة كلياً عنه، فهو في النتيجة، والمحصلة النهائية، سوء خلق، وقلة أصل، واضطراب سلوكي مريض، وانتهازية سياسية وركوب موجة التثوير الأمريكي والفوضى الخلاقة، لا تجعل المرء يقبضها ولا يقبض صاحبها، وهو فوق ذلك كله غباء وقصر نظر سياسي وخيانة وطعنة نجلاء لأقرب وأعز الأصدقاء..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز